توقع ريتشارد جوسبري، نائب رئيس أول العمليات التجارية لطيران الإمارات في الشرق الأقصى، أن تبلغ ملاءة المقاعد على خط الشركة المفتتح أخيراً بين طوكيو ودبي 80% خلال العام الأول من تشغيل هذا الخط، وقال إن الشركة توفر حالياً تسهيلات وعناصر جذب عديدة لاستقطاب المسافرين الخليجيين إلى الخط الجديد، مشيراً إلى أهمية قطاع المسافرين الذين ينشطون للعمل في ميادين الطاقة والتقنية والإلكترونيات والسيارات وقطع غيارها.

وقال جوسبري في حوار معه حول التوقعات في المدى القصير لخط طوكيو دبي، إن «طيران الإمارات» تقدم للمسافرين والسياح الخليجيين عروضاً مميزة للسياحة والسفر عبر هذا الخط، معدة خصيصاً لتلبية احتياجاتهم ووفقاً لمتطلباتهم، وهذه العروض تتسم بطابعها التنافسي المغري بالنسبة للسياح الخليجيين، وخاصة من الكويت الذين تحقق «عطلات الإمارات» نجاحاً كبيراً في استقطابهم إلى هذا الخط من خلال عروضها المميزة.وشدد على أن تركيز الشركة ينصب حالياً على إمكانية الارتفاع برحلاتها على خط طوكيو دبي من خمس رحلات أسبوعياً في الوقت الحالي إلى رحلة يومياً في أمد تأمل ألا يكون بعيداً، وفي الوقت نفسه تقديم خدمة مميزة على خط أوساكا دبي، علماً بأنه في عام 2008 تم نقل مئة ألف راكب من أوساكا إلى دبي والشرق الأوسط، حيث تعد أوساكا منطقة صناعية بالغة الأهمية وتشكل سوقاً مهماً.

ومن الحقائق البارزة في هذا الصدد وجود ثلاثة آلاف ياباني يعملون في دبي، ويشكلون أكبر جالية يابانية في الشرق الأوسط، وإفريقيا، وكذلك وجود حركة مكثفة من الركاب عبر هذا الخط إلى أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا، والشركة لا تكتفي بالتركيز على قطاع الركاب وحده، وإنما تهتم اهتماماً كبيراً بقطاع نقل البضائع، وهو قطاع بالغ الأهمية بالنسبة للصادرات اليابانية.وأشار ريتشارد جوسبري إلى أن من التحديات البارزة في هذا الصدد أنه قبل افتتاح خط طوكيو دبي كان معظم المسافرين على خط أوساكا دبي ينطلقون أصلاً من طوكيو، حيث في خدمتهم رحلة تسيرها الشركة بالحافلة من مطار هانيدا في قلب طوكيو إلى أوساكا، والآن يتعين بذل المزيد من الجهود للانطلاق قدماً بالعمل على الخطين في وقت واحد.

ورداً على سؤال لـ «البيان الاقتصادي»، قال نائب رئيس أول العمليات التجارية لطيران الإمارات في الشرق الأقصى إنه من المعروف أن الشركة أنفقت خلال العامين الماضيين 14 مليون دولار للترويج للسوق الياباني على المستوى العالمي، وأنها ستتواصل الانفاق في هذا الاتجاه مستقبلاً كذلك، وفيما يتعلق برعاية الأنشطة العالمية فإن الشركة لم تلتزم حتى الآن بشيء محدد، إلا أنها تتطلع إلى فرص مميزة في هذا الميدان.

وعن طبيعة التجديدات التي أدخلتها الشركة على خدماتها مع انطلاق خط طوكيو دبي، قال جوسبري إن طيران الإمارات تلعب دوراً بالغ الأهمية في التواصل الكبير بين اليابان ودولة الإمارات، وقد بدت أهمية هذا الدور واضحة منذ دخول الشركة إلى السوق الياباني في 2002 عبر أربع رحلات أسبوعياً من دبي إلى أوساكا، وكانت استجابة السوق سريعة وقوية، الأمر الذي دفع الشركة إلى المبادرة في مارس عام 2004 إلى رفع معدل رحلاتها عبر هذا الخط إلى رحلة يومياً. ومنذ ذلك الحين زاد عدد الركاب بنسبة عالية تصل إلى 90%.

وتقدم الشركة 1200 قناة ترفيهية على خطوطها، وبمناسبة رحلة طوكيو بادرت إلى تقديم قائمة طعام يابانية معدة خصيصاً لهذه الرحلة، إلى جانب قائمة الطعام الانتركوننينتال التي تخاطب ذوق الركاب المعتادين على السفر على الخطوط العالمية المميزة.

ورداً على سؤال عن مدى اتسام العروض التي تقدمها طيران الإمارات للركاب الخليجيين لاستقطابهم إلى السوق الياباني بالطابع الياباني، مقارنة بالعروض المناظرة التي تقدمها الشركات المنافسية، لكنه يستطيع تأكيد أن العروض التي تقدمها «عطلات الإمارات» للسياح الخليجيين.

وبصفة خاصة في الكويت، للانطلاق إلى طوكيو وأوساكا هي عروض مميزة، وبرهنت على قدرتها على استقطاب أعداد كبيرة من السياح الخليجيين إلى السوق الياباني، وخاصة الذين يهتمون بالنشاط في قطاع المال والأعمال والطاقة والتقنية.

نصيحة ذهبية

إذا كان السفر إلى طوكيو على متن طائرات «طيران الإمارات» يقدم للمسافر فرصة العمر لخوض تجربة راقية، يجد نفسه خلالها على موعد مع التميز والرقي والكفاءة، والخدمات الأفضل، أياً كانت الدرجة التي يحجز عليها مقعده، فإن العنصر الذي يحتل المرتبة الثانية في اهتمامات هذا المسافر لابد أن يتمثل في المكان الذي ينزل فيه.

ويقدم مالكولم تومسون، المدير العام لفندق بنينسولا في طوكيو، إضاءة واضحة في هذا الجانب، فهو يقول إن الفنادق الدولية ذات الاسماء الكبيرة التي غابت عن طوكيو تشق طريقها إليها الآن على مهل.

ولكن إلى أن تمتلئ آفاق طوكيو بهذه الفنادق الدولية ذات الأسماء الشهيرة، فإن أبرز الخيارات تظل الفنادق الراقية، بل التي تعد الأرقى في طوكيو، وفي مقدمتها فندق مندرين أورينتال طوكيو بموقعه الفريد في حي نيهونباسي، القلب التاريخي والثقافي للعاصمة اليابانية، وفندق بنينسولا بموقعه العتيد في منطقة تشيودا.

ويقدم مالكوم تومسون نصيحة ذهبية حقاً بالقول إن طوكيو مدينة هائلة الامتداد، وبالتالي فإنك لدى اختيارك الفندق الذي تنزل فيه خلال زيارتك لها لا ينبغي أن تنظر من خلال الاعتبار المالي وحده، أي تكلفة الإقامة، وإنما من خلال المساحة المتاحة لك وأيضاً عنصر الوقت، الذي ستقضيه في الانتقال من الفندق إلى الأماكن في المدينة التي تهتم بها.

وبهذا المعنى، فإنك إذا كنت مهتماً بطوكيو القديمة فعليك بالنزول في مكان قرب حي يوئينو أو قرب حي أساكوسا، أما اذا كنت معنياً بطوكيو الجديدة، فمن الضروري أن تنزل في مكان يتاح لك أن ترى من نافذتك فيه أبراج شينجوكو.

الآن، بعد استيعاب هذه النصيحة الذهبية، عليك أن تتذكر أن طوكيو هي مدينة تضم ثلاثة آلاف فندق، تتراوح ما بين فنادق الدرجة الأولى والنجوم الخمس وبين فنادق الأعمال ومادونها، وكذلك هناك العديد من بدائل السكن بما في ذلك المنزل الياباني التقليدي المعروف باسم «رايوكان» بل والمنزل الذي يقدم الفراش والإفطار والمسمى «مينشوكو».

ولكن الراغبين في النزول في المنزل التقليدي «رايوكان» عليهم أن يتذكروا أن هذا النزل يوجد غالبا خارج طوكيو، والأعداد القليلة الموجودة منه في العاصمة اليابانية تقتضي حجزا مسبقا للنزول فيها، وهي جميعها يكلف النزول فيها قدر تكلفة النزول في فنادق الدرجة الأولى وربما أكثر منها، ويمكن لزائر طوكيو اكتشاف أمكنتها وتكلفة النزول فيها، إما من خلال المجلات السياحية التي تصدر باللغات الأجنبية أو من خلال مركز المعلومات السياحية في منطقة يوركوتشو.

وتتعدد الخيارات المتاحة أمام زوار طوكيو بين النزول في فنادق الأعمال، المصممة أصلا لنزول رجال الأعمال في المدينة وقضاء الليل هناك، وهي غالبا فنادق عملية، وتتسم بالتقشف، وعادة ما تكون غرفها وحماماتها صغيرة، فهي أماكن للرقاد لا أكثر.

وهناك بدائل أقل تكلفة مثل الفنادق المعدة للشباب والمساكن التي تديرها العائلات، وبعض المعابد البوذية تستوعب أعدادا من النزلاء. وفي ذيل قائمة الخيارات تأتي الفنادق المعروفة باسم «فنادق الكبسولات» حيث يضم الفندق منها عشرات من «كبسولات النوم»، إحداها فوق الأخرى، والتي قد يجدها من لم يعتادوا عليها كابوسية حقاً.

في نهر سوميدا

تضم طوكيو نهرا يدعى نهر سوميدا، ولكن هذا النهر لم يعن يوما بالنسبة للعاصمة اليابانة ما كان نهر السين يعنيه لباريس أو ما يعنيه الأرنو بالنسبة لفلورنسا، فطوكيو لم تنشأ حول هذا النهر، ولم يتم اختيار موقعها بسبب قرب النهر من هذا الموقع، ذلك أن مدينة إيدو.

وهو الاسم القديم لطوكيو، إنشئت بمرسوم، تماما مثل بكين، وواشنطن العاصمة، وتضمن المرسوم إنشاء مدينة على المرتفعات المقابلة للخليج، أما كون نهر سوميدا يجري قرب هذا الموقع فهو أمر لم تكن له أهمية تذكر بالنسبة لمن أصدروا هذا المرسوم.

ربما لهذا، بالضبط، كان هناك ولا يزال نوع من الحيرة أو التضارب فيما يتعلق بنهر سوميدا والأراضي التي تعانق ضفافه، التي تشكل منطقة «كاوا نو موكو» التي يعني اسمها حرفيا «عبر النهر»، ومن المدهش أن هذه المنطقة استخدمت كمنفى، فعندما كانت حكومة إيدو تقرر التخلص من العناصر غير المرغوب فيها كانت تبادر إلى طرد هذه العناصر عبر النهر، الأمر الذي أدى إلى إيجاد حي يوشيوان، الذي كان يقصده من يسعون وراء الأضواء الحمراء.

وفي وقت لاحق، أطلق على امتداد نهر سوميدا دور الجيش ومشارب الشاي، ونزولا مع النهر أقام مصارعو السومو حي فوكاجاو الخاص بهم وأقام الوافدون الأوائل إلى اليابان أولى دورهم في منطقة تسوكيجي، وامتد هذا كله بمحاذاة النهر، أي بعيدا عن القلعة والحكومة.

ومن قبيل المفارقة حقا أن هذه المناطق المهملة كانت من بين أكثر أرجاء المدينة إدخالا للسرور على نفوس الناس، ولطالما توقفت عند الإشارات في الأدب الياباني المبكر إلى الرحلات بالقوارب في نهر سوميدا عند الغسق، والحقول المترامية المليئة بالحباحب على امتداد ضفاف النهر، وأصوات الحشرات البهيجة في فصل الصيف، ذلك أن إيرو كانت مدينة تطل على الماء وتستوعبه، بغض النظر عن الرأي الرسمي، وكان سوميدا المجرى المائي الرئيسي فيها.

وعندما أتيح لي الانطلاق مع الوفد الإعلامي المرافق للرحلة الأولى لطيران الإمارات على خط طوكيو دبي للقيام بالنزهة التقليدية المعروفة باسم «ياكاتابوني» أي النزهة بالقوارب التقليدية في نهر سوميدا، كان في استقبالنا الكثير من ندف الثلج التي همت من السماء، والتي لم تتناقض مع الإطلالة الأولى لموسم تفتح براعم الكرز على ضفتي النهر.

كانت هذه الرحلة أصلا لونا من الترفيه يعود إلى المرحلة الهايينية، تحظى به الطبيعة الارستقراطية التي ينطلق أبناؤها لمشاهدة تفتح البراعم وإنشاد قصائد الهايكو. وقد ازدهرت هذه الرحلات بصفة خاصة حوالي العام 1680. وبدأت في الانحسار بسبب قانون صدر في عام 1682 يحظر استخدام السفن لهذا الغرض، ولكن الرحلات استمرت في اجتذاب الناس إليها، حتى بعد إصلاح ميجي في 1868.

واليوم يمكنك الانطلاق على متن الزوارق النهرية المغطاة للقيام بجولة في نهر سوميدا، حيث يتاح لك مشاهدة عروض فتيات الجيش، وتجاذب أطراف الحديث معهن، خلال تناولك العشاء الياباني التقليدي المؤلف من التمبورا، وهي وجبة تجمع بين المأكولات البحرية والخضر.

وعلى الرغم من أن هذه الرحلة من خلال جمعها بين أجواء الجيش وأصداء العصر الهاييني وتفتح براعم الكرز يفترض بها أن تمضي بك إلى أجواء تحمل رهافة الحلم، إلا أن التقنية الحديثة تفرض حضورها عليك، ففتيات الجيش يرددن أغانيهن على خلفية من الموسيقى المسجلة التي يقمن بتشغيلها على أحدث الأجهزة، كما أن الكثير ممن ينطلقون في هذه الرحلات يتاح لهن استعراض براعتهم في الغناء من خلال أجهزة الكارلواكي التي تتاح، في يسر للجميع.

وإذا أردت الصعود إلى سطح الزورق النهري للاستمتاع بمشاهدة تفتح البراعم عن قرب أكبر، فما عليك إلا الاستعداد للانتقال الحاد والمفاجئ من أجواء التدفئة داخل الزورق إلى البرد الشديد على السطح، ومعك الكاميرا، لعلك تفلح في التقاط صور نادرة لتفتح البراعم على ضفة النهر القريبة منك، والتي تبدو بقعة حالمة، كأنما أقبلت من قلب أسطورة قديمة، ستعلق طويلا بذاكرتك، متحدية مرور الزمن أو طيف النسيان.

ولكن قبل أن ينهي الزورق جولته في النهر العتيد، لابد لك من أن ترحل على جناحي الذاكرة لتقارن بين أداء فتيات الجيش في طوكيو على نحو ما شاهدته خلال هذه الجولة وبين أداء نظيراتهن الذي سبق لك أن شاهدته في كيوتو.

وأول ما يلفت نظرك هو أن فتيات الجيش في كيوتو قدمن عزفهن على إيقاعات الموسيقى الحية من خلال عزفهن، فارتحلن بك على جناحي حلم يتحدى النسيان حقا، على حين كان من اليسير والمألوف على نظيراتهن في طوكيو الاستعانة بالموسيقى المسجلة.

وهناك فارق آخر مهم، هو حرص جيش كيوتو على تأكيد انتمائهن إلى عالم يضرب جذورك في التاريخ، ويتسم بالعراقة، ويتسم بتقاليد موغلة في القدم، أما جيش العاصمة الياباينة فإن أداءهن يضرب جذوره في أرض اليوم، وليل الأمس، وهن لا يسمحن لأحد بأن ينسى هذه الحقيقة، حتى ولو كان ممن يحرصون على التحليق في أجواء الحلم الياباني القديم.

تحت آفاق ياسوكوني

لا يمكن لمزاد ياسوكوني إلا أن يرتبط في الذهن بكل ما هو مثير للجدل والخلاف، فهذا المزار مكرس لأرواح الموتى اليابانيين في حرب المحيط الهادئ وبينهم عدد ممن أدينوا بارتكاب جرائم حرب خلال هذا الصراع الوحشي الذي امتد طويلا، ولطالما تعرض قيام رؤساء وزراء اليابان بزيارة هذا المزار لانتقادات عارمة من العديد من الدول، وفي مقدمتها الصين.

لكن زيارتنا لهذا المزار لم تكن لها علاقة بهذا الجدل، وإنما كانت لها صلة بعرض نادر من عروض مسرح النو، قدم على خشبة المسرح الملحقة بهذا المزار، ولم يكن من المقرر أن يستمر إلا عبر ثلاث ليال لا غيرها.

ومن هنا فقد جاءت دهشتنا عندما اكتشفنا أن المسرح، وهو في الهواء الطلق بالمناسبة وفي ظل برد شديد، حيث كانت درجات الحرارة خمسا لا غيرها، ليس به مقعد واحد خال، فكل المقاعد مشغولة حتى آخر مقعد في آخر صف.

بدا لنا هذا أمرا مذهلا حقا، فمسرح النو هو الشكل الأكثر قدما من بين أشكال المسرح الياباني التقليدي، ويضرب جذوره في القرن الرابع، وهو يحافظ على كل ما فقدته المسارح الأخرى المهمة، فجذره الحقيقي يعود إلى الطقوس، وهو في جوهره يعكس الرؤية البوذية للوجود، والأداء يبدو ويتردد صوته.

كما لو كان ملاحظة رصينة بأكثر مما هو حياة، والممثلون يؤدون أدوارهم بيابانية قديمة مؤسلبة يحتاج أبناء اليابان اليوم إلى جهد كبير لاستيعابها وفهمها، والمسرح يبدو عاريا تماما، ويعتمد على المشاعل التي تضرب جذورها في قرون الماضي، وإلى هذه الخشبة العادية تضاف قوى ومؤثرات محدودة، فهناك جوقة تتألف من ستة أو ثمانية أعضاء، يرتدون ملابس شديدة التقشف، ثم تأتي الشخصية المساندة التي تعرف تقليدياً باسم «واكي».

والذي يرتدي ملابس أنيقة وغالباً ما يكون كاهناً، ثم تبرز الشخصية الرئيسية التي تعرف تقليدياً باسم «شايت» لتعطي على الجمهور وسط عزف الناي وقرع الطبول من الممر الجانبي الطويل المفضى إلى الخشبة الرئيسية، وعادة ما يكون قد أسدل قناعاً على وجهه. ومن إيقاعات هادفة، ومن قلب الموسيقى والصوت والحركة، وليس من الأداء المسرحي، يتم إبداع الزمان والمكان والقضاء عليهما.

اللغة، في هذا المسرح العجيب، هي في الغالب لغة شعرية عنيفة، والملابس ثرية وثقيلة، والحركة حتى لو كانت رقصا هي حركة مؤسلبة ومتعمدة. وتسعى الشخصية الرئيسية أو «شايت» للحصول على الوساطة أو الشفاعة من الشخصية المساندة، «واكي»، وبعد الحصول عليها فإن هذه الشخصية تعود إلى الظلام متحررة من قدرها أو مصيرها.

وبعيداً عن التفاصيل الفنية الرقيقة المتعلقة بمسرح النو، الذي يعد الشكل الأكثر أصالة وعمقاً من بين اثني عشر شكلاً من المسرح التقليلدي الياباني، نتذكر أن العرض الذي حضرناه، كان يضم ثلاث مسرحيات، تقدم كل منها في مقطع قائم بذاته.

تنتمي المسرحية الأولى إلى مسرح الكايوجين، وتحمل عنوان «الكرف الناقص»، وتضم أربع شخصيات لا غيرها، الشخصية الرئيسية من بينها، أي «شايت» هي شخصية مسافر راحل، وهناك شخصية النبيل ثم مساعده تارو كاجو وأخيراً شخصية المرأة.

عندما يستهل العرض، نجد المسرح والخشبة غارقين في الظلام، وتطل الجوقة في صمت حاملة المشاكل، وتثبتها حول خشبة العرض، ومن ثم تخرج ليبدأ العرض.

مع بداية العرض نلتقي بالنبيل الذي يمضي بصحبة مساعده تارو كاجا لزيارة معبد كيوميزو ديرا في كيوتو، للصلاة من أجل العروس التي يرغب في اتخاذها زوجة، وهو يبقى هناك لقضاء الليلة، وفي غمار حلم يتلقى إلهاماً بأنه سوف يجد العروس التي طلبها في انتظاره عند البوابة الغربية للمعبر، وبالفعل يجدها هناك، فيبعث إليها مساعده ليسألها عن المكان الذي تقطن فيها ليتاح له زيارتها والاقتران بها.

وفي معرض الرد على سؤال تارو كاجا، تلقي المرأة قصيدة تقول فيها «إن كنت تحبني، فتعال إلى داري في أرض آيمي في مدينة أيمي تيراموتو»، ثم تسارع المرأة بالاختفاء.

يحدث كل شيء بسرعة بحيث أن تارو كاجا ينسى قطعاً من اسم المكان الذي ذكرته المرأة، وهكذا فإن النبيل ومساعده يقرران إنشاء بوابة لتكون جاهزة على الشارع الرئيسي وإجبار العابرين على مساعدتهما في تذكر بقية القصيدة لكي يتمكن النبيل من الذهاب إلى دار زوجته.

ويمر مسافر بالحاجز، ويوضح له تارو كاجو الموقف، فيتذكر اسم المكان، ويتذكر تارو كاجا بدوره النطق الصحيح للقصيدة، وبمزيد من الحماس ينطلق الثلاث منغمسين في الرقص والغناء عبر الطريق إلى دار الزوجة الموعودة.

ويضم العرض أيضاً مسرحتين أخريين هما «كوجو» و«كوروزوكا هاكوتا». والمدهش حقاً أنه ما من أحد يتحرك خلال العرض، والحركة الوحيدة كانت إلى خارج مكان العرض لاستئجار البطانيات لاتقاء البرد الزاحف نحو درجة الصفر، بينما الجمهور غارق في الاستماع بهذا العرض الفريد.

ويبقى السؤال الذي يؤرق الذهن العربي هنا مطروحاً بقوة، كيف أمكن للوعي الياباني الحفاظ بهذه القوة على تقليد مسرحي يعود إلى القرن الرابع عشر، وأن يواصل الصمود به عبر لغة قديمة لا يتحدثها أحد بمن في ذلك اليابانيون أنفسهم، وسط متغيرات هادرة تكتسح أمامها كل شيء؟

حدائق تتحدى النيران

هذا السؤال الصعب حول السر في صمود مسرح «النو» على امتداد قرابة خمسة قرون من الزمان يوازيه سؤال آخر يدور حول السر، أو الأسرار، في صمود الحدائق التقليدية اليابانية في طوكيو.

ونحن نعرف أن طوكيو تعرضت للقصف بالقنابل الحارقة بشكل اكتسح ملامحها كلها تقريباً، وبصفة خاصة في ربيع عام 1945، وقبيل إعلان إمبراطور اليابان استسلام بلاده للقوات الأميركية، فكيف أمكن للحدائق اليابانية أن تفلت من إعصار النار هذا، وتحتفظ بمكانها في أكثر المواقع أهمية في قلب طوكيو؟

يكاد هذا السؤال يستعصي على كل محاولات الإجابة عنه، ربما لهذا على وجه الدقة حرصنا على أن نستطيع في الوقت المحدد المتاح لنا القيام بجولة تسوق في منطقة جينزا، التي تعد إحدى أشهر مناطق التسوق في العالم، للقيام بزيارة حديقة هاماريكايو.

هذه الحديقة التي تبلغ مساحتها 25 هكتاراً تقع عند معبر نهر سوميرا في منطقة تشوو بطوكيو. وهي اليوم حديقة تابعة لبلدية طوكيو، ولكنها كانت في وقت من الأوقات موقعاً لدار عائلة ماتسوديرا المنتمية إلى مقاطعة كاي، التي تعرف اليوم باسم مقاطعة ياماناشي، ثم غدت مملوكة للعائلة الإمبراطورية، وانتقلت إلى ملكية مدينة طوكيو، وفتحت أمام الجمهور بعد الحرب العالمية الثانية.

ويلفت النظر في هذه الحديقة الحرص على استثمار كل شبر من أرضها، وعلى الرغم من قربها من نهر سوميرا، إلا أن البحيرة الرئيسية التي تشكل أجمل ملامحها هي بحيرة مياه مالحة مستمدة من المحيط.

وتمتد صفوف انتظار طويلة في قلب الحديقة، ليتاح للواقفين فيها أخذ مكانهم في بيت الشاي التقليدي القريب من البحيرة والمطل عليها، والذي تقام فيه مراسم حفل الشاي التقليدي بكل البهاء الأرستقراطي الذي كان له ذات يوم.

ومن الحدائق المميزة في طوكيو حديقة هابور إين الثقافية التقليدية، وهي تأخذ شكل دارة في وسطها بحيرة، ويوظف تصميمها المدهش الأشجار والأحجار والماء والتراب، وهي العناصر الأساسية في تشكيل المعالم الطبيعية، وإلى جوار هذا كله تأتي المباني التاريخية، وفي مقدمتها مشرب الشاي التقليدي.

ويلفت النظر في هذه الحديقة بوابتها المهيبة المزدوجة، التي تعكس قدراً مدهشاً من الرشاقة والرهافة والشخصية المتميزة.

وتلفت أشجار البونساي البديعة نظر من يتجول في الحديقة، حيث تلقى رعاية كبيرة، إذ يعود عمر بعضها إلى أكثر من مائتي عام.

ويحرص الكثير من زوار الحديقة على التقاط صور لهم إلى جوار «التورو» أو مصابيح الحديقة، وهي مصابيح حجرية كبيرة تتأثر في أرجاء الحديقة، وبعضها يعد أعمالاً تاريخية أثرية لا نظير لها.

ويتوقف الزوار أيضاً عند فناء الحديقة، وهو عبارة عن فضاء مخصص للحفلات والتقاط الصور، ويطل على مشاهد بديعة.

في متحف يوئينو

على الرغم من أن طوكيو تظل مدينة حديثة، لا وجود للقديم فيها إلا في تجمعات محدودة للغاية، كتلك التي تجدها في حي أساكوسا العتيق، فإن المدينة تعكس اهتماماً حقيقياً وأصيلاً بالتاريخ.

لهذا بالضبط تكتسب زيارة متحف يوئينو الوطني أهميتها، والمدهش أن المرشدين يحرصون على أن تبدأ زيارة المتحف من آخر مكان تتوقعه، من حديقة المتحف، حيث يتاح لك أن تشاهد التفتح البديع لبراعم الكرز في الأشجار العديدة التي تضمها الحديقة.

هذا المتحف يعد أكبر وأقدم متحف في اليابان بأسرها، وهو يضم أكبر مجموعة أثرية وفنية من جميع أرجاء شرق آسيا مع تركيز خاص على اليابان، ويقوم بإجراء أبحاث وفعاليات متعلقة بهذه المجموعة، ويتألف من قاعات العرض، مركز الأبحاث والمعلومات، المطاعم والمتاجر الواقعة داخل مجمعه، بالإضافة إلى المعارض الخارجية والحديقة التي يحرص الزوار على زيارتها.

وإذا كان من المستحيل ان تلم بكل عناصر مجموعة المتحف، حيث يضم 110000 قطع فنية وأثرية، من بينها 87 كنزاً وطنياً يابانياً و624 مقتنى ثقافياً مهماً، فقد يكون من المناسب ان تتابع جانبين مهمين، أولهما مجموعة السيوف والدروع والقطع الأثرية اليابانية، والثانية مجموعة الأعمال الفنية التي تشكل ملامح بارزة في تطور الفن الياباني.

ومن المؤكد ان الجولة في المتحف لا يمكن ان تكتمل الا بزيارة متجر الهدايا الواقع في الطابق تحت الأرضي في المبنى الرئيسي بالمتحف، ولكن عليك ان تراجع ميزانيتك أولاً قبل دخوله، فقد تخرج منه بكارت بوستال بصور إحدى القطع الفنية في المتحف، وقد تجد نفسك وقد خرجت منه بعمل فني مدهش يكلفك عشرات الألوف من الينات، بادرت إلى دفعها قبل ان تتراجع اذا دققت في حساب قيمتها بالدولار.

جينزا

يطل اسم «جينزا» على منطقة التسوق والترفيه الواقعة في الجزء الجنوبي الغربي من قسم تشوو من طوكيو، والاسم الذي يعني حرفياً «سك الفضة» يشير إلى دار لسك العملات الفضية شُيدت في هذه المنطقة عام 1612 على يد شوجونية توكو جاوا.

وقد أدى افتتاح السكة الحديدية في عام 1872 بين ميناء يوكوهاما وحي شيمباش القريب، وكذلك قرب جينزا من تسوكيجي، حيث كان الكثير من الأجانب يقيمون استيعاب جينزا السريع للثقافة الغربية وتكريسها كمركز لصرعات الأزياء.

واليوم تمتد على جانبي الشارع الرئيسي في منطقة جينزا المتاجر والبوتيكات التي تقدم أحدث وأشهر الماركات الأجنبية إلى جانب أرقى المنتجات اليابانية، بينما تحفل الشوارع الجانبية بحشد هائل من المطاعم والمقاهي والمشارب.

والواقع أنه لم يبق الكثير من جينزا القديمة التي نجد بعض ملامحها في الأدب الياباني، وقد كانت المنطقة أصلاً معقلاً تجارياً، وبعد الحريق الذي اجتاح المنطقة في عام 1872 شيدت مبان حجرية على جانبي الشارع الرئيسي على أحدث الطرز السائدة آنذاك، أما اليوم فلم يعد هناك وجود لهذه المباني الحجرية ولا أشجار الحور التي كانت ممتدة أمامها.

وكثيراً ما يتم تشيبه جينزا بالجادة الخامسة في نيويورك، فهي حقاً معقل التسوق والترفيه الذي يستقطب السياح في طوكيو.

ولكن من المحقق أن المرء سيقضي وقتاً طويلاً في محاولة رصد اللمسات اليابانية وسط هذا الحشد الهائل من الماركات والمنتجات والأسماء الدولية.

أبرز ما في اللمسة اليابانية هنا هو الحلي اليابانية، وخاصة اللؤلؤ الطبيعي والصناعي، وعلى الفور ستلاحظ إلى جوار الأسعار الباهظة، وخاصة في حالة اللؤلؤ الطبيعي وعلى وجه التحديد اللؤلؤ الأسود والرمادي، البراعة الفائقة في الصياغة، والتجديد والابتكار في أشكال الحلي.

ولكن حتماً لو كانت ميزانيتك لا تسمح لك بالاقتراب من مثل هذه النوعية من المنتجات اليابانية، فلابد أنك ستجد ما تشتريه أو ما تهديه إلى من تحبهم وتؤثرهم، فها هي العرائس اليابانية الرقيقة تطل من فوق الرفوف بسحرها المتألق، واللوحات الحريرية البديعة، وهناك تماثيل «النتسومي» التي لها عشاقها وهواتها، وبعض من يشترونها يقولون إنك يمكنك بيعها لمن يعشقونها بعد فترة من شرائها مع تحقيق هامش ربح مدهش.

واذا كنت مثلي من عشاق الأدوات الكتابية، فسوف تجد في متاجر جينزا العادي منها والمخصص للاستعمال اليومي، وستجد أيضاً ما يرتفع إلى مستوى التحفة الراقية التي تضن بها على من لا يفهمون قيمتها سواء أكنا نتحدث عن الأوراق أو الاقلام أو حتى ورق التغليف أو الكراسات النادرة.

طيران الإمارات مرت من هنا

طرقت طيران الإمارات أبواب السوق الياباني لأول مرة في عام 2002 بخدمتها الرائدة التي تمثلت في أربع رحلات أسبوعياً، ما لبثت أن ارتفعت إلى سبع رحلات في 2004، وانضمت إليها خدمتها إلى طوكيو التي تشمل خمس رحلات أسبوعياً، تعلق آمال كبار على إمكانية ارتفاعها إلى سبع رحلات في المستقبل القريب.

تقدم طيران الإمارات تسهيلات وحوافز لاستقطاب السياح الخليجيين للانطلاق إلى طوكيو وأوساكا، عبر عروض تلبي احتياجاتهم تقدمها «عطلات الإمارات».

يعمل 300 ياباني في الوقت الراهن في إطار مجموعة الإمارات.

أنفقت طيران الإمارات 14 مليون دولار خلال العامين الماضيين للتعريف عالمياً بالسوق الياباني وينتظر أن تواصل التحرك في هذا الاتجاه.

وجوه عربية في طوكيو

لا تندهش اذا وجدت الكثير من الملامح العربية تصافح عينيك وأنت تمضي متجولاً في أرجاء طوكيو، فقد مضى ذلك العهد الذي كان سائدا فيه الاعتقاد بأن اليابان خارج نطاق الزوار العرب.

من المؤكد ان ذلك يرجع، في أحد أبعاده إلى انطلاق «طيران الإمارات» و«الاتحاد» إلى العاصمة اليابانية في رحلتين افتتاحيتين بين الإمارات وطوكيو في يوم واحد، وفي أعقابها انطلاق «القطرية» على الدرب ذاته. لكن من المؤكد أيضاً أن هناك عناصر أخرى كثيرة وراء تحول الوجوه العربية إلى مشهد مألوف في الساحة اليابانية.

وكان لابد لي من التساؤل عن هذه العناصر عندما أبلغني أكثر من صديق من أبناء الإمارات بأن هذا الذي أظنه اكتشافاً ليس بالأمر الجديد، وانهم هم وعائلاتهم يرتادون اليابان في إطار رحلات سياحية إلى هناك منذ سنوات، ويعرفون أن كثيرين يقومون بالشيء نفسه. هذا يعني أن ما كنا نظنه عقبات في وجه انطلاق السياح العرب عامة والخليجيين خاصة إلى اليابان لم يعد كذلك، بل أمكن التغلب عليه بشكل أو بآخر.

العقبة الأولى المتعلقة باللغة تم تذليلها من خلال الاستعانة بوكالات تقدم خدمات من المترجمين والمترجمات من اليابانية وإليها بالساعة وبأجور أكثر من معقولة.

العقبة الثانية المتمثلة في المطبخ الياباني تبين أنها ليست عقبة على الإطلاق، بل ربما تحولت إلى ميزة تساعد على إنقاص الوزن وتحقيق الرشاقة، وفي الوقت نفسه الاستمتاع بأطباق يابانية تناسب الذوق العربي.

وتتوالى العقبات التي سرعان ما يتبين أنها كذلك، وإنما أفسحت المجال لمزايا عديدة منها، اهتمام الكثير من العرب المسافرين إلى اليابان باكتشاف آفاق أنشطة أعمال مدهشة لها ما بعدها، ثم أن الكثير من الشباب العرب الذين شدوا الرحال إلى اليابان وجدوا أن امكانية الدراسة في اليابان في تخصصات مهمة مثل الكمبيوتر وعلوم البحار والدراسات المصرفية هي أقرب في التحقيق مما كانوا يتصورون. ومن المؤكد أن مزيداً من الجسور ستوالي الامتداد بين العالم العربي واليابان.

طوكيو ـ كامل يوسف