كشفت دراسات عديدة أن الإسلام يتعرض للهجوم الحاد عبر «شات» المواقع حتى بلغ نصيب المعادين للإسلام على الشبكة العنكبوتية حوالي 91% من مساحتها الكلية، مقابل 9% فقط للمواقع الإسلامية حسب متابعات ودراسات، ما جعل كثيرًا من علماء المسلمين يلقون باللوم على المؤسسات الدينية العربية، متسائلين في الوقت ذاته: أين شباب المسلمين على الإنترنت؟ أين أكثر من مليار مسلم على وجه الأرض؟ هل صرنا كما قال الرسول: «غثاء كغثاء السيل»؟. علماء مسلمون اتهموا الأمة بأنها لا تستخدم الإنترنت بشكل مثالي في مجال الدعوة الإسلامية، فقد ترك المسلمون الساحة لأعداء هذا الدين، بحسب المفكر د.محمد رأفت عثمان، عضو مجمع البحوث الإسلامية؛ لكي يتلاعبوا بعقول الشباب، فضاعت من المجتمع الإسلامي قيم الحلال والحرام، وصارت قيمنا هيكلاً هشًا، ولم نستفد من ساحات الإنترنت لعرض ما لدينا من قيم إسلامية شاملة بدلاً من الانشغال بقضايا وفتاوى بعيدة عن الحياة أو بتفاهات غرائزية تودي بنا إلى الهلاك.
أضاف عثمان أن الإحصاءات قدرت مستخدمي الإنترنت بحوالي 300 مليون شخص، وعلى الرغم من ذلك نرى الوجود الإسلامي على الشبكة ضعيفًا جدًا، ورغم أن للإعلام «سطوة»، إلا أننا أهدرنا فرصًا أتاحتها لنا الظروف السياسية، آخرها الأزمة المالية العالمية، فقد كان من الممكن أن يعرض المسلمون فكرهم الاقتصادي، ومن قبل ذلك فاتت علينا فرصة أحداث 11 سبتمبر، وأدت إلى خراب حلَّ بكل ما هو إسلامي على هذه الأرض، فتعرض الإسلام ـ ولا يزال ـ إلى حملة ظالمة في غياب أهله عن الوعي، وارتدادهم إلى الوراء بشكل يثير الدهشة، تاركين المساحة للآخر يقول ما يشاء دون ردٍ فعَّال. 1 إلى 1200
ومن الدراسات التي تعزز فكرة «غثاء السيل» أيضًا دراسة للباحث أحمد أبو زيد عن المواقع الدعوية على الإنترنت، التي جاءت تحت عنوان «الدعوة الإسلامية عبر الإنترنت»، وقد أكدت الدراسة أن عدد المواقع الدعوية الإسلامية على الشبكة العنكبوتية مازال محدودًا، كما كشفت أن نسبة المواقع الدعوية الإسلامية إلى مواقع الأديان الأخرى من 1 إلى 1200، ما يؤكد الضعف الذي أصاب الأمة الإسلامية في مقتل، وحسب دراسة أخرى حديثة تأكد أن المنظمات المسيحية وحدها تحتل نسبة 62% من المواقع على الإنترنت، تليها المنظمات اليهودية.
من جانبه أوضح د.جمال النجار، أستاذ الإعلام، أن هذه المواقع غير الإسلامية ليست بالضرورة أن تكون معادية للإسلام صراحة، لكن يتم الدخول بأسماء وهمية تطرح طرحًا مغريًا بطريقة «السم في العسل»؛ لمعرفتهم بضعف خلفية الشباب المسلم الدينية؛ ولغياب التربية الدينية في المدارس، وهذا ما كشفت عنه كثير من الممارسات في الزواج غير الشرعي تحت مسميات وهمية من أجل الزنا، كالجماعات التي تطلق على نفسها مسميات مثل «عبدة الشيطان» وغيرها، وقد رد د.النجار هذا التراجع في الخلفية الدينية إلى المؤسسات الدينية والتعليمية التي لم تقم بدورها كاملاً، وتساءل: «لماذا لا تقوم مؤسساتنا الإسلامية الكبرى، التي تعد من أغنى المؤسسات في العالم، بدورها؟»..
وأضاف أن الجهود التي تحارب الإسلام ليست جهودًا فردية، لكن تقوم بها مؤسسات من خلال رؤية فكرية ومنهجية، أما نحن فلا نستغل الإمكانات التي نملكها، فبدلاً من الكليبات الفضائية، والبرامج المتكررة التي لا تخدم إلا أفرادًا، يمكننا توظيف آلتنا الإعلامية لخدمة ديننا بدلاً من الحروب الفارغة التي نخوضها ضد أنفسنا.
فيما اعتبر المفكر الإسلامي د.محمد البرِّي أن عدم إدراك المسلمين أهمية الرهان التكنولوجي مشكلة خطيرة.. مشيرًا إلى أن المؤسسات الدينية تعبث بالمال العام في مواقع ومنافذ تناقض الهدف منها، فالمؤتمرات الكلامية والسياحية كلها ممارسات لا طائل منها.
أضاف أن الإنترنت وسيلة فاعلة؛ لذا أدعو إلى إنشاء صندوق يشارك فيه كل مسلمي العالم لجمع التبرعات من أجل إيصال الرسالة الصحيحة عن الإسلام من خلال مواد يتم مراجعتها وطرحها بكل لغات العالم عن طريق علماء لديهم الإمكانات في هذا الأمر.
كما انتقد البري المسلمين لتأخرهم في المجال التكنولوجي، مؤكدًا أن تراجعنا ترك لأعدائنا الفرصة لدخول عقول أبنائنا؛ ليعبثوا بها ويشكلوها كيفما يريدون؛ لضرب هذا الدين في مقتل، مشيرًا إلى أن الدول الإسلامية لا تدعم الدعوة بقدر ما تهتم بمؤتمرات ومهرجانات الفن، فقط تتحدث عن مشروعات منذ أعوام طويلة لخدمة الإسلام، ولم يظهر من هذه المشروعات شيء إلى الوجود مثل الحديث عن قمر صناعي إسلامي.
أما الداعية د. عبدالصبور شاهين فقد وجه نداءً إلى الشباب المسلم للتحرك من خلال مواقعهم وبريدهم الإلكتروني أو ال«فيس بوك» من أجل إرسال رسائل تتضمن الدعوة إلى الله والإسلام، والنهي عن المنكر بالتي هي أحسن، ومخاطبة الآخر في كل بقاع الأرض عبر وسائل غير مكلفة، وهي الوسائل التكنولوجية التي سهلت الدعوة إلى الدين، وذلك من خلال الحصول على عناوين الصحف والمجلات التي تهتم بنشر عناوين قرائها، وكذلك الاستفادة من المنتديات وغرف النقاش لطرح حوار حضاري، وتبادل المعلومات مع الآخرين، بدلاً من البكاء على اللبن المسكوب، أو انتظار مؤسسات أصابها العطب.
أضاف: «لقد أصابتنا فكرة العجز أمام الآخر، وتوهمنا أنه وحده يمتلك الإمكانات الأعلى؛ لذا علينا أن نهدم هذه الفكرة داخلنا أولاً؛ لكي نستطيع أن نؤكد وجودنا، وعلينا أن ندرك أن العالم الإسلامي يعج بالعلماء والمفكرين، وشباب المسلمين اليوم يمتلكون خبرات كبيرة في إنشاء المواقع والتعامل معها، لكنه الانشغال بأمور أخرى، وليس ضعف الإمكانات، فنحن نكتفي بالتقليد الشكلي للغرب اتفاقًا مع مقولة ابن خلدون في مقدمته: «إن المغلوب مولع دائمًا بتقليد الغالب». فيما رأى بعض المفكرين ضرورة إيجاد العديد من المقترحات والأفكار من أجل الاستخدام الأمثل للإنترنت لخدمة الدعوة الإسلامية، وتصحيح صورة الإسلام التي شوهتها تلك المواقع المشبوهة، واستند هؤلاء إلى بحث حديث في هذا الاتجاه دعا إلى تقوية برامجنا الدعوية عبر شبكة الإنترنت، وهذا أمر متاح بالصوت والصورة، وكذلك العمل على تلافي سلبية المواقع الإسلامية؛ لأنها تقوم على طابع فردي اجتهادي، وأشار البحث إلى أهمية نقل الدروس الدينية والعلمية وتوفيرها في الإنترنت للإعلان عن أنشطة المواقع الإسلامية الدعوية، ومساعدة المسلمين المتخصصين في مجالات التكنولوجيا، وتفعيل دورهم، كذلك فإن هذا الأمر يتطلب إنشاء أكبر قدر من المواقع التي تعرض الإسلام بشكل صحيح.
كانت مجموعة من الناشطين في مجال الإنترنت قد قامت بالتضامن مع علماء مسلمين باتباع طرق فعّالة لنشر الإسلام عن طريق الإنترنت، وأكدت أن وقوف المسلمين في موقع المدافع طوال الوقت يجهض دور الدعاة، وبالتالي فإن أهم الوسائل لتعرية المعُادين للإسلام هي طرح الإسلام الصحيح، كما دعت إلى إنشاء موقع متخصص في الفتاوى بجميع أشكالها ومراعاتها لكل زمان ومكان، ووضع المجلات الإسلامية على الإنترنت، وإنشاء قاعدة بيانات ضخمة للكتب الإسلامية ونشرها على الشبكة الدولية للمعلومات.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية


