تفاوتت آراء الخبراء الماليين والمصرفيين بشأن توقيت توجيه لجنة الاوراق المالية والبورصة الاميركية الاتهام الى مجموعة غولدمان ساكس الاستثمارية الكبرى واتهامها لها بتسويق قروض عالية المخاطر كان مصيرها الفشل، في حين اجمع من تحدثت «البيان» اليهم على ان البنوك الاسلامية في مأمن من مخاطر انعكاسات تهمة الاحتيال التي تخيم على المصرف الاميركي الضخم .
فيما كان تأثر البنوك التقليدية في منطقة الخليج ضئيلا بأزمة المصرف الاميركي حيث كانت قد اشترت بعض الديون الرديئة، كما ناقشنا مع ضيوفنا في هذا التحقيق ان كانت الدعوة لمراقبة اداء المؤسسات المالية والمصرفية الكبرى والتي ينعكس اداؤها على اقتصاديات الدول قد يثار الجدل بشأنها في المحافل الدولية بعد الاتهامات الموجهة الى مجموعة جولدمان ساكس الاستثمارية الكبرى.
والتي كانت تحظر بثقة محلية وعالمية كبيرة والتي لا تزال تنفي ارتكابها تهمة الاحتيال التي وجهتها اليها اللجنة وتصر على انها تكبدت خسائر بلغت 90 مليون دولار وانها ستدافع عن سمعتها حتى الرمق الاخير .
قروض خطرة
ويرتبط الاتهام الذي وجه للمجموعة بانهيار سوق العقارات في الولايات المتحدة عام 2007 حيث قالت اللجنة انها ستقاضي المصرف لأنه قام بتسويق قروض عالية المخاطر كان فشلها مؤكدا في حين يصر روبرت كوزامي رئيس لجنة الاوراق المالية على ان الخطأ الذي ارتكبته مجموعة غولدمان ساكس الاستثمارية يستحق العقاب عليه.
وكانت الاسهم الاميركية قد شهدت انخفاضا حادا في تعاملاتها مع تراجع اسهم البنوك في اعقاب توجيه الاتهام لغولدمان ساكس بالاحتيال فيما يتعلق بالرهون العقارية المرتفعة المخاطر ثم عاودت الاسهم الارتفاع بعد ايام قليلة من الكشف عن الاتهام في ظل التقارير التي تحدثت عن انقسام لجنة الاوراق المالية والبورصات (3 مقابل 2) في قرارها حول متابعة اتهامات الاحتيال ضد شركة «غولدمان ساكس».
السوق المالية تعيش حالة من التذبذب خلفتها ازمة الثقة التي خلقها المصرف الاميركي الضخم الذي لطالما تمتع بسمعة كبيرة وبثقة اكبر من العملاء. وتتفق صوفيا البوري مساعدة نائب رئيس بحوث الاسهم والبنوك التجارية والمالية المتنوعة في شعاع كابيتال على تزعزع ثقة العملاء والمستثمرين في مؤسسة «جولدمان ساكس».
حيث قالت للبيان: من الواضح ان احتيال «غولدمان ساكس» قد هز ثقة المستثمرين وثبط من معنويات المستثمرين في الاسواق الاقليمية والعالمية.
توقيت الاتهام
ويتساءل محمد الشريف، كبير المستشارين الماليين في بنك دبي الاسلامي عن توقيت توجيه لجنة الاوراق المالية والبورصة الاميركية الاتهام الى مجموعة جولدمان ساكس الاستثمارية الكبرى بتسويقها قروضا عالية المخاطر ويقول: برأيي ان التوقيت غير طبيعي على الاطلاق لأمرين: ان الكشف قد تم بعد ان كسر مؤشر داو جونز حاجز الالف نقطة في السوق الاميركية.
وثانيا: يتزامن الكشف مع توقيت سعي الحكومة الاميركية الى تمرير ورقة الاصلاحات المالية والتي يسعى الكونغرس لعرقلتها بسبب ضغوط اللوبيات الحالية في الولايات المتحدة.
ويضيف: ان الاعلان عن القضية وتوجيه الاتهام الى مؤسسة مالية ضخمة بهذا الحجم برأيي خطوة ذكية من قبل الحكومة الاميركية ولكنها جاءت متاخرة، وفي تصوري فإن الحكومة الاميركية كانت على علم مسبق بما اقترفته تلك المؤسسة من مخالفات.
ولكنها انتظرت للكشف عن القضية بالتزامن مع توجهها لتمرير ورقة الاصلاحات المالية في وول ستريت التي تطالب بها حكومة باراك اوباما ولكن اذا ما نظرنا للاطار العام فسنجد ان التوجه لتوجيه تهمة الاحتيال لجولدمان ساكس يعد خطوة جيدة لانها تظهر حجم الخلل في اخلاقيات الاعمال المالية.
تأثيرات محدودة
أما فيما يتعلق بانعكاسات اتهام جولدمان ساكس بالاحتيال على اسواق المنطقة الخليجية فيقول محمد الشريف: برأيي ان الاثر لم يكن بحجم تأثر الاسواق الغربية الكبير بهذا الكشف.
كما ان الكشف عن فضائح لمؤسسة مالية بهذا الحجم - حيث كانت تلك المؤسسات على علم مسبق بمنتجات باعتها مرتبطة برهون عقارية رديئة وايضا توجيهها لنصائح خاطئة لعملائها والكشف عن جميع تلك الانتهاكات علانية. هذا الكشف يمثل درجة عالية من الشفافية فيما يتعلق بمحاربة الفساد وهي دعوة صريحة لرفع مستوى الرقابة الحكومية على المؤسسات المالية الكبرى.
برأيي يجب ان يتم اختيار كبار التنفيذيين في المؤسسات المالية بعناية فائقة بعد فحص وتمحيص كبيرين وان لا يكتفى فقط بقرار الجمعيات العمومية لتلك المؤسسات والبنوك في اختيار هؤلاء بل يجب ايضا ان يتم اجازتهم من قبل المؤسسات التشريعية والرقابية الحكومية في الدول.
واعود واؤكد على ضرورة استمرارية الاشراف على المؤسسات المالية الكبرى في العالم حتى لا يعود البعض منها الى ممارسات مالية على درجة عالية من المخاطرة كما كشفت لنا الازمة المالية العالمية الراهنة.
تصكيك الديون الرديئة
من جانبه يقول الدكتور معبد علي الجارحي مدير التدريب والخبير المالي في مصرف الامارات الاسلامي ان ما حصل هو ان جولدمان ساكس الاستثمارية الكبرى قامت باعادة هيكلة الديون العقارية على هيئة اوراق مالية اخرى اي انها قامت بنوع من التصكيك بحيث انها دخلت مع بعض الديون الاخرى واصبحت ورقة مالية جديدة تخفي وراءها اصولا رديئة او مسمومة والكثير من الناس وقعوا في حبال شراء تلك الديون الرخيصة سعيا منهم وراء تحقيق عوائد مرتفعة ولم يدقق هؤلاء ان وراءها ديونا عقارية.
وان كانت مضمونة من قبل مؤسسات عقارية مضمونه الا ان حجم تلك الديون كان اكبر بكثير من طاقة مؤسسات التأمين العقاري اي ان غولدمان ساكس باعت هذه الديون للبنوك التقليدية وبالمناسبة لا يجوز لبنك اسلامي شراء اي ديون على الاطلاق .
وبما ان البنوك وشركات التمويل الاسلامي في الدول الخليجية يصل نصيبها من السوق 20% فإن نسبة 20% تلك تعتبر محصنة من اثار بيع الديون الرديئة، اما بالنسبة للبنوك التقليدية فما وصل للدول الخليجية من الاوراق المالية التي اصدرها غولدمان ساكس تعتبر قليلة جدا وبالتالي البنوك التقليدية في الدول الخليجية لم تتأثر كثيرا بأزمة جولدمان ساكس كونها اشترت ديونا قليلة وبالتالي تأثرها بأزمة المصرف الاميركي كانت قليلة.
ويتابع: اما بالنسبة للشكوك التي تحوم حول توقيت الكشف عن احتيال غولدمان ساكس وبأن التوقيت مقصود فأنا لا اتفق على هذا الرأي لأن فحص المستندات والدفاتر الخاصة بمؤسسة ضخمة بحجم غولدمان ساكس يعد عملية طويلة ومعقدة حيث استغرقت مؤسسات الرقابة الاميركية وقتا طويلا للتوصل الى النتائج التي كشفت عنها كون مؤسسة غولدمان ساكس مؤسسة مالية ضخمة فروعها واعمالها متشعبة في مناطق العالم .
ولكن برأيي القضية الاخطر من علية الكشف بحد ذاتها هي العلاقة التي تربط البنك مع المتعاملين واستغلال غولمان ساكس لسمعته الكبيرة في خداع المتعاملين مع بيعهم اوراقا مالية مبنية على ديون رديئة وهو امر بحد ذاته يعد تعديا كبيرا على قواعد سوق العمل المالي وخرقا للثقة ما بين البنك والمتعاملين معه.
القضية خطيرة كان من الواجب كشفها مبكرا ولكن للاسف الشديد عملية البحث في اوراق وملفات المؤسسة كانت طويلة وبالتالي تأخرت السلطات الاميركية في الكشف عن عملية الاحتيال تلك، برأيي لم تكن هناك اجندة وراء التأخر في الكشف عن ممارسات البنك المتهمة بالاحتيال.
تشديد الرقابة
وبسؤاله عن ما اذا كان اتهام «غولدمان ساكس» بالاحتيال سيدفع الى تشديد المطالبة على مراقبة المؤسسات والمصارف المالية الكبرى والتي تؤثر اعمالها في اقتصاديات الدول رد الدكتور الجارحي بالقول :
إن تشديد الرقابة على المؤسسات والمصارف المالية الكبرى هو حل لجأت اليه كل من الولايات المتحدة الاميركية ودول اوروبا لمنع تكرار حدوث ازمة مالية عالمية ثانية.
وفي رأيي ان هذه المحاولة يائسة وغير ناجعة لأن النظام المصرفي الغربي يعتمد على الاقراض الربوي المبني على اسس خاطئة اقتصاديا وهذه الاسس ينبغي تغييرها ولكن الغرب ليس مستعدا لترك الاقراض الربوي والذي يجلب معه التجارة في المخاطر والطمع والجشع. وبالتالي البديل لديهم هو المطالبة بتشديد الرقابة ولكن تشديد الرقابة لن يمنع اندلاع ازمة مالية مجددا.
مخاطر محتملة
ويرى جمال الجسمي مدير عام معهد الامارات للدراسات المصرفية والمالية ان قضية «غولدمان ساكس» تأتي في اطار الاحتيال المالي واثارها على ثقة المستثمرين بالمؤسسات المالية قد تكون اخطر من انهيار او افلاس مؤسسات مالية.
واود ان اشير هنا الى مثال بسيط في نفس السياق وهو ما حدث قبل فترة قريبة بشأن فضيحة الاحتيال التي قام بها مدير مؤشر ناسداك السابق برنارد مادوف والتي بلغت قيمتها عشرات المليارات من الدولارات، وادت الى خسائر كبيرة لدى العديد من الافراد والمؤسسات.
وهذا الاحتيال المالي جاء من شخص واحد فما بالك لو كان الامر متعلقا بمؤسسة تعتبر سابع اكبر مؤسسة استثمار عالمية مثل «جولدمان ساكس».
ويقول: رأينا ما حصل مباشرة بعد الاعلان عن الفضيحة المالية حيث هوت قيمة أسهم المؤسسة المالية والاستثمارية في اميركا من القيمة السوقية للاسهم الاميركية تبعها بعد ذلك هبوط في مؤشر الاسهم في اوروبا وغيرها من الاسواق المالية الاخرى وكرد فعل طبيعي ونتيجة لترابط الاسواق العالمية بعضها ببضع تأثرت منطقة الخليج بلا شك والاسواق المالية فيها ولكن بنسبة بسيطة نتيجة لذلك ونتيجة لتراجع ثقة المستثمرين.
ويستطرد الجسمي قائلا: حيث ان الموضوع هنا ليس موضوع حسابات وخسائر وتنبؤات اقتصادية فقط بل هو اهم من هذا وذاك لانها زعزعت ثقة المستثمرين من المؤسسات المالية نتيجة لقضايا الاحتيال المالي كما نشهده بين الحين والاخر سواء من افراد ام مؤسسات، قد يؤثر على الاسواق المالية والاقتصاد بشكل عام ويتسبب بخسائر مالية كبيرة فضلا عن عدم الثقة بتلك المؤسسات.
والمطلوب اليوم اعادة الثقة من جديد بين جمهور المستثمرين وبين المؤسسات المالية وخاصة الكبيرة منها من خلال تحديد المسؤولية المالية والشفافية في البيانات.
تحقيق - كفاية أولير
