عندما شقت «طيران الإمارات» و«الاتحاد» طريقهما إلى طوكيو في رحلتيهما الافتتاحيتين في يوم واحد، أخيراً، وفي أعقابهما «القطرية»، كان ذلك تجسيداً آخر لاهتمام عالمي متزايد بالعاصمة اليابانية طوكيو، التي يحلو للبعض أن يصفها بمدينة المتناقضات.
ويشير المؤرخون إلى أنها المدينة التي انتزعت لقب أكبر مدينة في العالم عام 1720 عندما ضمت مليون نسمة هم إجمالي سكانها وقتذاك، ويتوقع المهتمون بها أن تؤدي على امتداد العالم دوراً متزايد الأهمية، رغم الزحف الصيني النشط لانتزاع لقب ثاني أكبر اقتصاد في العالم منهاوتتعدد المؤشرات في هذا الاتجاه، ويلفت نظرنا في هذا الصدد تأكيد كوسوبورو مونواكا الرئيس التنفيذي لمطار ناريت الدولي أن المطار سيبدأ في 17 يوليو المقبل تطبيق سياسة المساء المفتوحة، وسيقدم المزيد من الخدمات الأفضل عالمياً لشركات الطيران في إطار سعيه إلى توسيع نطاق خدماته في المستقبل.
ويتزامن هذا مع تأكيد خبراء في عالم الفندقة أن الأسماء الكبيرة في دنيا الفنادق العالمية ستشق طريقها إلى طوكيو عبر حضور مكثف، على الرغم من الصعوبات التي تعترض افتتاح فنادق جديدة في طوكيو، وفي مقدمتها الارتفاع الهائل لأسعار الأراضي فيها. هكذا تكلم بارت وتبدو طوكيو، بامتدادها الهائل، كياناً حضرياً مميزاً بالنسبة للكثير من زوارها، فهناك من يعتقدون أنها مدينة بلا مركز، يحتل القصر الإمبراطوري مركزا مرتبكاً فيها، مع اتجاه تركزها من الشرق إلى الغرب. غير أن القصر في حقيقة الأمر يشكل جوهراً حقيقياً للمدينة، ولم يكن من قبيل المصادفة أن يقول رولان بارت عن طوكيو: «إن لها مركزاً.. وهذا المركز خال».
ووصف «خال» هذا الذي ذكره بارت يقصد به أن المدينة لم تملأ هذا المركز، حيث يتألف من جزيرة من الخضرة تضم 110 أفدنة، وتمرح فيه الأرانب وطيور التدرج، ويشمخ تحت آفاقها القصر والمباني المجاورة له.
وقد كانت القلعة في وقت من الأوقات بما تضمه من ممرات تمتد أميالاً، ومن قاعات وغرف رحبة وأفنية وجدران حصينة تعد أكبر قلعة في العالم، واليوم يتاح للزائر أن يطل على القلعة من ساحة القصر الإمبراطوري، حيث تصافح أشجار الصنوبر، ويخيل إليه أنه يشاهد القصر، لكنه في واقع الأمر يرى جسوراً حديثة نسبياً والمبنى الواقع خلفها ليس جزءاً من القصر، وإنما هو برج فو شيمي الذي يعد بناء من أبنية قليلة من القلعة الأصلية قدر لها البقاء حتى الآن، ويرجع تاريخه إلى النصف الأول من القرن السابع عشر.
ولا يتاح للجمهور دخول المناطق المفضية إلى القصر إلا في يومين محددين من العام، وهما الثاني من يناير والتاسع والعشرين من أبريل، وهما اليومان اللذان يطل فيهما الإمبراطور وأعضاء العائلة الإمبراطورية من شرفة القصر لتلقي التحية من الألوف المحتشدة من الجماهير بمناسبة العام الجديد في اليوم الأول وعيد ميلاد الإمبراطور في اليوم الثاني.
ويحلو للكثير من السياح والزوار أن يلتقطوا الصور هنا، بحيث يبدو في الخلفية «نيجو باشي» أي جسر طوكيو الإمبراطوري.
وسواء كنا نوافق بارت على ما يقوله أو نختلف معه، فإن قلب طوكيو «الخالي» هذا لا يزال يسيطر بقوة على الأرخبيل الياباني.
في عالم الرموز
وما دمنا ننطلق إلى عالم الرموز، فلا بد لزائر طوكيو من المضي إلى مزار ميجي، الواقع على الجانب الآخر محطة هار جوكو، والذي شيد بتبرعات من الشعب الياباني وأهدى إلى الإمبراطور ميجي الذي اقترن اسمه بالنهضة الحديثة في اليابان. وأول ما يلفت النظر في المزار معماره الشنتوي الرشيق الذي يصافح العين منطلقاً من قلب حديقة كثيفة أقرب إلى الغابة، وفي شهر يونيو يتاح للزوار أن يطلوا على زهور السوسن في الحديقة التي تنتج لتملأ الأفق بالبهجة والحيوية.
ويوحي موقع هذا المزار بأجواء تشبه أجواء الحكايات الخرافية والأساطير، فهو ينهض في وسط غابات الأبنية ليفاجئ الزوار بخضرته الغامرة وأشجاره الشاهقة، وعندما يقترب المرء من المزار يلاحظ الحضور القوي لتأثير الحياة التجارية فعلى اليمين تحشد شركات الساكي اليابانية براميل تحمل أسماءها في إعلان مباشر عن منتجاتها، وعلى اليسار تنفرد شركة مشروبات فرنسية بالإعلان عن منتجاتها عبر براميل مماثلة، وذلك لقاء تبرع هذه الشركات بمبالغ طائلة للمزار.
ومع الاقتراب أكثر من المزار، تنطلق الحشود إلى ما يمكن أن تسميه بالمطهر، حيث تستخدم أداة خشبية لغرف الماء، ومس الأيدي بالماء وكذلك الوجه ثم صبه على الأداة الخشبية نفسها قبل الانطلاق بعيداً عن الماء وبرودته الجليدية.
التصوير محظور
التصوير داخل المزار، بالطبع محظور، وتلفت النظر الطبول الهائلة داخل المزار، التي تستخدم في المهرجانات التقليدية، وتلمح من يؤدون الصلاة على الطريقة الشنتوية بالتصفيق أولاً والانحناء مرتين ثم الدعاء الصامت والانحناء مرة أخيرة قبل الانصراف، وعلى جانب من المدخل تلمح قطعاً خشبية يكتب عليها المترددون على المزار أمنياتهم أو ما يختارونه من نصوص، ويعلقونها على أمل ان تتحقق أمنياتهم.
وغالباً ما تضم زيارة طوكيو للمرة الأولى الانطلاق إلى منطقتين هما هاراجوكو وأوموتساندو، وهذه الأخيرة يحلو للشباب ان يطلقوا عليها لقب شانزليزيه طوكيو، حيث يجد الزائر نفسه على موعد مع حشد هائل من المتاجر والبوتيكات التي تقدم أحدث الصرعات في عالم الملابس والأزياء، ولما كانت هاراجوكو هي على وجه الدقة «مدينة الشباب»، فإن من الطبيعي ان نرى الكثيرين منهم وقد فرضوا حضورهم على المنطقة.
ويحرص زوار طوكيو على الانطلاق لزيارة برج طوكيو، الذي يعتبر أعلى برج في العاصمة اليابانية، حيث يصل ارتفاعه إلى 333 متراً، وقد شيد في عام 1958، في منطقة ميناتو ليستخدم في أغراض البث في اقليم كانتو.
ويتضمن منصتين للإطلال على البانوراما الهائلة للمدينة المترامية، وابتداء من التسعينات استخدم في بث إرسال ثماني قنوات تلفزيونية والعديد من محطات الإف. أم وعدد من القنوات التي تبث المعلومات ذات الأهمية للجمهور، مثل تقارير الطقس والحرائق.
منصة الرصد
ويلفت النظر لدي الانطلاق إلى منصة الرصد الخاصة التي يبلغ ارتفاعها 250 متراً النظام الدقيق الذي ينطلق به الجمهور إلى أعلى في صفوف تزحف وئيدة نحو المصاعد، التي يتم دخولها في هدوء وبانتظام بالغين، ولدى الوصول إلى منصة المراقبة يلاحظ الازدحام الكبير هناك، واقبال الزوار على شراء الهدايا والتذكارات من المتجر الصغير المخصص لهذا الغرض.
وإذا كنت محظوظاً، فإنه سيتاح لك في يوم صاف ان ترى الأفق حتى جبل فوجي وجبل تسوكوبا، أما في الليل فيبدو مشهد مباني المدينة المضاءة مدهشاً حقاً، خاصة إذا تذكرت ان إنارة العاصمة اليابانية تعتمد بصفة أساسية على النفط المستورد من العالم العربي.
ويحرص أبناء طوكيو في حديثهم عن البرج إلى الإشارة بأنه أكثر ارتفاعاً بـ 13 متراً من برج ايفل في باريس الذي يبلغ ارتفاعه 320 متراً، ولكن البرج الياباني لا يتجاوز وزن 4000 طن في حين يبلغ وزن برج ايفل 7000 طن.
وربما ينسى الكثيرون في غمار بحثهم في أعماق طوكيو عن أسرار هذه المدينة الساحرة أنها مدينة ذات واجهة بحرية مدهشة، لكن زيارة قصيرة إلى أودايبا وأكواسيتي وفينوس فورت كفيلة بإعادة هذه الحقيقة بقوة إلى الذاكرة.
حيث يتعين على المرء للذهاب إلى هذه المنطقة المنتزعة من البحر أن يمضي عبر سلسلة من الجسور الحديثة، أبرزها جسر قوس قزح، ليصل إلى جزيرة صناعية وظفت ببراعة لتجمع بين ألوان الترفيه البحرية والشواطئ الصناعية والمتاجر والبوتيكات.
ويتوقف المرء أمام نموذج مصغر لتمثال الحرية يحرص الكثير من زوار جزيرة أودايبا على التقاط الصور التذكارية أمامه، ومن ثم يتاح الانطلاق لهم إلى مجمع مدهش للتسوق يتميز بخصوصيته، فيما يتعلق بالأزياء والملابس والأدوات البحرية، وتلمح حشداً من الشابات اللواتي تجمعن حول متجر غريب، فهو يبيع كل أنواع الأحجار الكريمة وشبه الكريمة، وفي وضعيتها الخام وغير المصقولة وأيضاً بعد تحويلها إلى قلائد وخواتم، وغيرها من أشكال الحلي التي تجتذب الكثيرين.
سوق تسوكيجي
ونظل مع عالم البحر، فأنت في اليابان أمام أرخبيل يحيطه البحر من كل جانب، ولكن الانطلاقة هذه المرة إلى مكان شهير حقاً، هو سوق تسوكيجي الخارجي للأسماك.
وربما يبدو غريباً ان يندرج الانطلاق إلى هذا السوق وسط قائمة زيارة أشهر معالم طوكيو، لكن هذا الشعور بالغرابة سرعان ما يتبدد، عندما تعلم أن هذا السوق يندرج في صميم الحياة الثقافية اليابانية، حيث يعود التعامل مع الأسماك ومختلف الكائنات البحرية إلى التقاليد اليابانية العريقة.
ويعد سوق تسوكيجي واحداَ من أقدم أحد عشر سوقاً مركزياً للبيع بالجملة في طوكيو، وقد أنشئ عام 1935، وعلى الرغم من ممارسة التجارة في العديد من المنتجات في هذا السوق، إلا أنه في المقام الأول سوق للأسماك والمنتجات البحرية التي تباع في إطار نظام التجارة بالجملة المركزي، وفي عام 1988 كان متوسط المبيعات اليومية من الأسماك في تسوكيجي يصل إلى 2735 طناً مترياً، تقدر قيمتها بنحو 5, 2 مليار ين، أي ما يعادل 3, 19 مليون دولار.
والواقع ان تسوكيجي التي يعني اسمها «الأرض المنتزعة من البحر» كانت ذات يوم جزءاً من خليج طوكيو أما اليوم فهي أكبر أسواق السمك في العاصمة اليابانية، وأكثرها شهرة، ولكن يتعين عليك الوصول إلى السوق في الخامسة فجراً لكي تشهد المزادات التي تقام على الأسماك.
وتعد زيارة سوق تسوكيجي الخارجي متعة في حد ذاتها، فخلافاً لما تتوقع لا تنبعث رائحة الأسماك من المكان، حيث يرتقي العاملون في السوق بالتغليف إلى مرتبة الفن الرفيع، وتلاحظ ان كل شيء يباع في السوق طازجاً تماماً، وتتوقف أمام أنواع عديدة من الكافيار وأسماك التونة، التي تعد اليابان أكبر مستورد لها في العالم، وخاصة التونة ذات الزعنفة الزرقاء.
ويلفت نظرك أنه في السوق تباع أشياء لا تخطر لك على بال، فأمامك كل أنواع الأدوات التي تستخدم في تنظيف السمك وإعداده وتجهيزه وشوائه، وقليه، وهناك أيضاً العديد من أنواع المقبلات التي تخطر أو لا تخطر لك على بال.
ولعلك إذا مضيت إلى سوق تسوكيجي يوماً تجد نفسك وقد قمت بما قمت به، حيث خرجت من السوق بشعور غامر بالظفر، متأبطاً كيساً من الشاي الياباني الأخضر الطازج المسحوق.
ولما كانت طوكيو هي مدينة التناقضات بامتياز، فلابد من أن تمضي بك من النقيض إلى النقيض، حيث تنطلق من سوق تسوكيجي الخارجي إلى «ميد كافيه» في حي اكيهابارا.
وهذا المقهى، عندما تصل إليه، ستجد نفسك مضطراً للوقوف في طابور طويل ممتد على رصيف الشارع قبل أن تخطو خطوة واحدة داخله، وربما كان ذلك ملمحاً شديد الدلالة على الحياة الاجتماعية في العاصمة اليابانية.
ربما كان الناس هناك قد غرقوا في العمل إلى حد الإدمان، ونسوا تبادل الحوار الإنساني فيما بينهم، بحيث أصبح الشباب، وبصفة خاصة طلاب الجامعات بحاجة إلى ارتياد هذا المقهى الذي بلغ نجاحه حد وجود مئة فرع له في طوكيو، لكي يتاح للواحد منهم تجاذب أطراف الحديث مع نادلة تقدم له القهوة وترسم بالشيكولاته الشكل الذي يحبه وتحييه قبل أن تنصرف عنه مسرعة إلى غيره من الزبائن، الذين يحتاجون قبل القهوة إلى لمحة، ولو عابرة، من التواصل الإنساني.
الطريف أن النادلات في «ميد كافيه» يرتدين ملابس تجعلهن أقرب إلى صبيات في مقتبل العمر منهن إلى أي شيء آخر، وكأنما في لمسة إضافية تجعل اللقاء معهن وتجاذب أطراف الحديث أقرب إلى أجواء حكاية خرافية أو حلم تحقق منه إلى أي شيء آخر.
وعندما تخرج من هذا المقهى العجيب، الذي يستمر فكرته بالمناسبة من الولايات المتحدة، ولكنه حقق أقصى نجاح له في اليابان، التي تعرف باسم المدينة الكهربائية، وهو اسم لم يأت من فراغ فأنت حيال ما يزيد على 600 متجر من مختلف الأحجام والأنواع، كلها متخصصة في المنتجات الالكترونية بشكل أو بآخر، فهي حقا مدينة من متاجر أجهزة الكمبيوتر والتلفزيونات والمسجلات والهواتف النقالة والأدوات المنزلية ومختلف أنواع الأجهزة الالكترونية التي يمكنك تصورها.
لا تندهش إذا وجدت نفسك وقد توقفت طويلا داخل محل متخصص في بيع جميع أنواع الكاميرات والعدسات المستخدمة بعد إصلاحها وتلميعها وجعلها في وضعية تتحداك من حيث إمكانية تمييزها عن نظيرتها الجديدة، ثم يضاف إلى هذا كله مستوى الأسعار المدهش الذي يجتذبك ويتحداك أن ترفض العروض المدهشة التي تقدم إليك.
وعلى ذمة المصورين المحترفين، فإن مثل هذا المحل يقدم عروضا مدهشة قد تندم إذا لم تبادر إلى الاستفادة منها، وخاصة فيما يتعلق بالعدسات النادرة.
لكن أين طوكيو القديمة؟
مثل هذا السؤال في موضعه تماما، فطوكيو مدينة تضرب جذورها في عشرة آلاف عام من التاريخ، ولكنها عرفت ألوانا من الدمار الكاسح، ربما يمكن أن نذكر منه تأثير الحروب الأهلية الكاسحة في القرن الخامس عشر، والزلزال الذي أطاح بمعظم مباني المدينة في عام 1923، وأعيد تشييد معظمها في عام 1930، وأخيرا الغارات الأميركية الجوية بالقنابل الحارقة، وخاصة في ربيع عام 1945 والتي اكتسحت معظم مباني المدينة.
في حي أساكوسا
ربما لهذا، على وجه الدقة، فإن طوكيو لم يبق منها الكثير مما يمكن أن يوصف بالمباني أو الأحياء القديمة، ولكنك ستجد نفسك أمام استثناء شهير من هذه القاعدة، عندما تمضي إلى حي أساكوسا العريق، الذي تنطلق في شوارعه فتحس كما لو أن روح الروائي الشهير ياسوناري كاواباتا ترفرف محلقة حولك، وأنت تمضي لزيارة معبد أساكوسا والعدد المحدود من المباني العتيقة الذي لا يزال يتشبث.
والذين قرأوا لمحات من الأدب الياباني لا شك أنهم يعرفون أن حي أساكوسا كان معقلا تقليديا لما يعرف باسم «العالم الطافي» أي أماكن اللهو والمتعة في مدينة إيدو القديمة، حيث كانت «كامنياري ـ مون» أو «بوابة الرعد» تشكل مدخلا إلى شارع للتسوق يعرف باسم ناكاميسي ـ دوري، وهو بالمناسبة لا يزال قائما حتى اليوم، ولكن بشكل مختلف بالطبع.
هنا لابد لك من التوقف طويلا أمام «سنسوجي»، أي معبد أساكوسا، الذي أعيد بناؤه، لكن الأبنية القديمة المحيطة به ظلت على حالها، حيث تتيح للزائر لمحة من أساكوسا، الحي العتيد الذي كتب عنه كاداباتا بروح العاشق وبلهفة المحب.
هنا حقا لا يزال ماضي اليابان حاضرا، ومن المؤكد أنك ستكون محظوظا لو أتيح لك زيارة المكان خلال أيام مهرجان سانجا ماتسوري، عندما تضج شوارع أساكوسا بالضحك والمرح، ويعود الشعور بالمهرجان العتيق، الذي يذكر المرء بعهود خلت وبماض عريق، ويذكر المرء بأماكن أخرى ومدن أخرى.
ومن هنا فليس من قبيل الصدفة أن يقول الناقد مارك جيروار: «إذا أراد المرء أن يشعر بما كان عليه مونماتر في تسعينيات القرن التاسع عشر، فإنه يحتمل أن يحس بذلك في حي أساكوسا».
هذا المجمع الفريد لا يضم معبد أساكوسا وحده، وإنما على مقربة منه مزار أساكوسا، الذي يضرب جذوره في المزار المشترك لهنيوكو تو هاماناري وجينكوكا تو تاكيناري، اللذين عثرا على تمثال كانون في نهر سوميدو وكذلك جي نو ماتسوتسي الذي أضفى قداسة على هذا التمثال لدى الناس. والمبنى الحالي للمزار شيده اجيتسو توكوجاوا في عام 1649.
وهو يعد نموذجا لعمارة جونجين التي تعود إلى أوائل عهد إيدو. وأنت لا تمتلك إلا أن تستعيد أجواء رواية «عصابة أساكوسا القرمزية» التي أبدعها كاواباتا عندما تنطلق في جولة قصيرة في الحي باستخدام الريكشو التقليدية.
وهي العربة التي يكلف تصنيع الواحدة منها اليوم أكثر من مليوني ين، وبالتالي فإن الجولة على قصرها تعد باهظة التكلفة، لكنك لا تمتلك إلا القيام بها لاستعادة ماضي الحي العريق والظفر به في صورة تلتقطها العدسة، وكأنها تهرب بقبضة من ذكريات الأمس البعيد في الحي العتيد.
مع براعم الكرز
ومن المؤكد أن أي رحلة لطوكيو ستظل بعيدة عن إغلاق دائرة الاكتمال، ما لم تزر متحف طوكيو الوطني، الذي يعرف أيضا باسم متحف يوئينو الوطني.
هذا المتحف يقع وسط حديقة فريدة من نوعها، كان من حسن حظي أن تزامنت زيارتي للمتحف مع موسم تفتح براعم أشجار الكرز.
وتعود جذور المجموعة التي يضمها المتحف إلى معرض أقامته وزارة التعليم عام 1872، وتم تأسيسه في موقعه الحالي بالحديقة في عام 1881، وهو يضم أروع وأكبر مجموعة من التحف الفنية والآثار اليابانية في العالم.
ويضم المبنى الرئيسي للمتحف المشيد عام 1937 مجموعة الفن الياباني. أما المبنى الثاني فيضم مجموعة الآثار وقد شيد هذا المبنى في عام 1908. وفي المبنى الثالث هناك معروضات تعود بصفة أساسية إلى مرحلة أسوكا الممتدة من عام 593 إلى عام 180 أهدتها سلطات معبد هوريوجي إلى العائلة الامبراطورية في 1878، وهي معارة للمتحف حاليا. وكانت أحدث إضافة إلى مجمع المتحف هي مبنى تويكان، الذي شيد في عام 1968 ويضم أعمالا فنية صينية وكورية وآسيوية أخرى.
ويتميز المعبد بما يضمه من لوحات يابانية تقليدية ولوحات غربية تعود إلى عهد ميجي، بالإضافة إلى العديد من الروائع الخزفية والأسلحة. وتظل طوكيو، بكل تناقضاتها ومفاجآتها، مدينة عجيبة ومدهشة، تستعصي على النسيان، وتدفعك إلى أن تزورها مرارا وتكرارا، وتلويحة الوداع لها مع كلمة «سايونارا» ليست إلا وعدا بلقاء ترجو أن يكون قريبا.
مبنى البرلمان رمز السلطة
يحرص الكثير من الزوار على أن يطل في صورهم رمز آخر من رموز السلطة في طوكيو، وهو مبنى الدايت أو البرلمان الياباني العتيد، وخلافاً لما يتوقع المرء، فإن المبنى صرح مشيد على الطرز الغربية، في تقليد مباشر للمباني الأوروبية المناظرة، حيث اكتمل تشييده في عام 1936.
ويضم المجلس الأعلى للبرلمان الواقع إلى يمين من يدخل المجمع ومجلس النواب الواقع إلى اليسار، ويقع في الحي نفسه مقر المحكمة اليابانية العليا ووزارة العدل ومقر شرطة العاصمة والعديد من الوزارات.
تجربة التحديث اليابانية ليست بعيدة عن تفكير العرب
إذا كانت منطقة الشرق الأوسط تبدو منطقة بعيدة، ونائية بالنسبة لرجل الشارع الياباني، الذي لا ترتبط المنطقة في ذهنه إلا بالنفط وقناة السويس، وليست هناك منطقة أخرى في العالم أبعد بالنسبة إليه إلا إفريقيا جنوب الصحراء، فإن اليابان ليست بعيدة ولا نائية ولا غائبة عن تفكير الكثيرين من العرب. ومنذ مرحلة جد مبكرة من تجربة التحديث اليابانية، اهتم الكثيرون في العالم العربي بما يجري في اليابان، خاصة وأن التحديث الياباني بدأ في وقت لاحق لبدء جهود التحديث في مصر.
بل إن وصول تجربة التحديث في مصر إلى طريق مسدود مع سقوطها تحت نير الاحتلال الإنجليزي في عام 1882 هو نفسه الذي دفع اليابان إلى نبذ الاعتماد على الاقتراض من السوق المالية الدولية كأسلوب لتمويل عملية التنمية والتحديث.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن يتحمس العرب لانتصار اليابان على الامبراطورية الروسية في الحرب اليابانية ـ الروسية ، حيث أدركوا أن بمقدور بلد شرقي أن ينهض وأن يدافع عن نفسه ويحقق الانتصار على قوى كبرى تتربص به.
وبعد الهزيمة التي مُني بها العرب في عام 1967، عاد الكثير من الباحثين العرب إلى تأمل النموذج الياباني، في غمار حرصهم على النهوض ببلادهم من كبوتها.
ومن هنا على وجه الدقة انطلق الحوار الحضاري العربي ـ الياباني، الذي قطع شوطاً لا يمكن وصفه بأنه كبير، لكنه شوط قائم على أي حال ينتظر أن يُضاف إليه المزيد.
اليوم، ومع انطلاق الرحلات المباشرة بين مدن الخليج وطوكيو، يمكنك أن ترى العديد من الوجوه العربية في مختلف أرجاء طوكيو.
هناك بالطبع، صعوبات ليست بالقليلة تعترض تدفق السياح العرب إلى طوكيو، ومنها عائق اللغة، وتعذر تقبل السائح للذوق الياباني في الكثير من الجوانب، كالمطبخ الياباني على سبيل المثال.
لكن الكثيرين يتوقعون رؤية المزيد من السياح الخليجيين في طوكيو، خاصة مع تدفق رجال الأعمال العرب إلى هناك في إطار المشروعات الجديدة المتوقعة.
وهناك من يتصور إمكانية تطور السياحة الخليجية العائلية في طوكيو، حيث التسهيلات الفندقية الراقية والخدمة المميزة وأماكن الترفيه العائلي العديدة، وفي مقدمتها طوكيو ديزني لاند والمتنزهات وحدائق الحيوانات والمتاحف والمعارض ومناطق التسوق وغيرها من عناصر الجذب العديدة.
من يدري، فطوكيو مدينة مدهشة وقادرة على أن تفاجئنا بما يفوق كثيراً ما نتوقعه منها.
أحدث الاتجاهات في عالم الفنادق
تشهد طوكيو اتجاها حديثا في عالم الفندقة يجمع في تصميم الفنادق وصياغة خدماتها بين ما توصلت إليه سلاسل الفنادق العالمية الغربية وبين الفنادق اليابانية ومخاطبتها للذوق الياباني خاصة والشرقي بصفة عامة.
ويقول مالكولم تومسون، المدير العام لفندق بنينسولا الذي يُعد من أبرز الفنادق في العاصمة اليابانية إن الأسماء الكبيرة في عالم الفندقة على المستوى الدولي تتجه اليوم إلى طوكيو لتحتل المكان المناسب لها في سوق يزداد ازدهاراً كل يوم على الرغم من الوضعية الاقتصادية العالمية.
وأشار إلى أن هذا الاتجاه يفرض نفسه بقوة على الرغم من الصعوبات التي تعترض محاولات إقامة فنادق جديدة في طوكيو، وأبرزها الارتفاع الكبير في أسعار الأرض، الأمر الذي جعل إنشاء فندق جديد تحت أفق طوكيو مرتبطاً بهدم مبنى قديم.
وقال إن سلسلة فنادق بنينسولا تتجه في الوقت الحالي إلى شق طريقها في غرب أوروبا، وعلى وجه التحديد في بريطانيا وفرنسا بعد النجاح الذي حققته في كبرى مدن الشرق، وخاصة هونغ كونغ وطوكيو. وأضاف أن الموقع المميز للفندق في طوكيو يشكل إلى جانب الخدمة الراقية والجمع بين أفضل ما في العالمين الغربي والياباني أبرز العناصر التي تستقطب النزلاء إلى الفندق وبينهم عدد كبير من رجال الدبلوماسية والأعمال العرب.
وبدوره قال بيورن كوريج، مساعد المدير التنفيذي لفندق مندرين أورينتال إن الفندق يشكل واحة متميزة في قلب المركز المالي الراقي في طوكيو، حيث يُعد حي نيهونباشي، الذي يقع فيه الفندق، مركز طوكيو التاريخي والثقافي بامتياز.
وأوضح أن هذا الفندق، الذي يضم 157 غرفة و22 جناحاً، تمكن من خلال جمعه بين عناصر التصميم الغربية ونظيرتها اليابانية من الفوز بمرتبة الفندق الأول في طوكيو في دليل ميشلين والمرتبة العليا في «فايف ريد بافليون».
إضافة إلى حصول ثلاثة من مطاعمه على تقدير ميشلين ستارز وتصنيف أفضل فندق في «تريب أدفايزر» في اليابان وجائزة الجودة الماسية ذات الست نجوم من الأكاديمية الأميركية لفن الضيافة. وشدّد كوريج على أن فندق مندرين أورينتال يحافظ على أبرز عناصر العراقة والأصالة التي تربطه بمرحلة إيدو التاريخية، وفي الوقت نفسه يتبنى أحدث اتجاهات المعاصرة الفائقة.
طوكيو ـ كامل يوسف


