قال الله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِى: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».
الله تبارك وتعالى لا يقبل عملاً إلا إذا كان خالصاً له، لا رياءَ فيه ولا سُمْعَة، فمهما كان العمل صغيرًا فهو عند الله عظيم إذا كان خالصاً لوجهه الكريم، ومهما كان العمل كبيراً فهو عند الله عز وجل حقير إذا لم يكن خالصاً لله سبحانه وتعالى (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا).
جاءت الرسالاتِ السماويةَ منذ مَبْعَثِ آدمَ عليه السلامُ وإلى مَبْعَثِ رسولِنا الكريم محمدٍ صلى الله عليه وسلم، لإقرار «لا إله إلا الله» في النفوس إقراراً يقينياً.
ومعنى «لا إله إلا الله» معنيً عظيمٌ وجليلٌ، أي لا معبودَ بحق إلا الله، فالذي اتخذ اللهَ إلهاً ينبغي أن يدرك عظمة هذا الإله يقيناً، فإذا أَدْرَك هذه العظمةَ عَبَدَهُ جل جلاله مخلصاً له الدين.
حيثُ يَعْلَمُ حَقَّ العلمِ أنَّ الأُمَّةَ لو اجتمعتْ على أن يضروه بشيء لا يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، ولو اجتمعتْ على أن ينفعوه بشيء لا ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، لذلك تراه دائمَ الخشوعِ لله عز وجل، يَرْتَجِي بأي عمل يعمله وَجْهَ الله عز وجل، فهو سبحانه وتعالى وحده الذي يمده بالعون والمدد والسند في حياته ومعيشته.
وهو وحده سبحانه وتعالى الذي يجيره إذا أَلَمَّتْ به مصيبة من مصائب الحياة، وهو وحده سبحانه الذي يرزقه ويعينه، فمَنْ آمن بهذه الحقائق العظيمة ماكان له أن يتخذ الرياء طريقاً له أو النفاق مسلكاً له في أي عمل من أجل إرضاء المخلوق مهما كانت مكانته.
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة؛ فقد كان شديدَ العناية بالإخلاص لله تعالى، وكان دائمَ التوجيه لأصحابه في هذا الأمر العظيم، فكان يذكرهم بإخلاص النيات لله عز وجل، فعن عُمَرَ بن الخطاب رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».
وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إلى أَجْسَادِكُمْ وَلاَ إلى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ»، قال الله تعالى: «قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ».
وعَن أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رضى الله عنه قَالَ: قَالَ أَعْرَابِيٌّ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، وَيُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، مَنْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهْوَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ».
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَرْوِى عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلى سَبْعِمِئَةِ ضِعْفٍ إلى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً».
فالنية الصالحة تَرْقَى بصاحبها إلى مراتب الفلاح والنجاة، وإنَّ أيَّ عملٍ يعمله العبد يبتغي به وجهَ الله يُثِيبُهُ الله عليه ويُفَرِّجُ به كَرْبَهُ في الدنيا والآخرة.
ونجد أن الصحابةُ رضي اللهُ عنهم قد عرفوا حقيقةَ إخلاصِ العبادة لله عز وجل، فهذا أحدهم يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايعه على الجهاد، ويَخُوْضُ غمار إحدى الغزوات راجياً مرضاة الله وإعلاء كلمته، وعند انقضاء المعركة يَقْسِمُ له رسولُ الله نصيبَهُ من الغنائم، فيقولُ هذا الصحابي الجليل: ما عَلَى هذا بايعتُك يا رسول الله؟
إنما بايعتك على سَهْمٍ يدخل من ههنا ويخرج من ههنا، ويشير إلى حلقومه! وفي المعركة التالية وُجِدَ هذا الصحابي شهيداً بسهم على نحو ما أراد.
كل عبد إذا استشعر عظمة الله في قلبه فإن الله تعالى يقربه إليه ويجعله مع عباده المخلصين المقربين الذين أنعم عليهم مِنَ النَّبِيِّين وَالصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ والصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا.
أشرف محمد شبل
