صحيح أن الطلاق والتعدد مباح في شرعنا، ولكن لا يستخدمه كورقة يعذب بها الطرف الآخر، فيسبب هذا النوع من التهديد الإزعاج والقلق والمرض النفسي لدى الزوجة. تخيل لو عاملك مديرك بهذا الأسلوب، بالطرد أو غيره، كيف تكون نفسيتك وأنت تعمل معه؟ بالطبع سيولد لديك الكره والبغض تجاهه، ولن تعمل براحة وطمأنينة.

فكذلك الزوجة، تعيش معك وهي مكسورة الخاطر، حزينة كئيبة، والمرأة مسكينة تقضي أكثر من ثلث عمرها وهي شبه مريضة، ففي كل شهر تأتيها الدورة الشهرية، فيتعكر مزاجها بذلك، لأنها تشعر بآلام البطن والظهر والصدر، فارحمها وساعدها في مرضها، قال صلى الله عليه وسلم:

«الراحمون يرحمهم الله، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، ولا تعوّد لسانك الطلاق، فسوف تندم عليه حين لا ينفع الندم، بل عوّد لسانك الصدق تحظ به، إن اللسان لما عودته معتاد، إذا عودته الطلاق فسوف تطلق زوجتك وأنت لا تشعر، لأن ألفاظ الطلاق تحمل على الجد، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة جدهن جد وهزلهن جد؛ الطلاق والرجعة والنكاح»، فإذا قال لزوجته:

أنت طالق، ولو كان مازحاً تعتبر طلقة، وإذا قال لها: طالق، من دون كلمة أنت طالق، عند الشافعية لا يقع، وعند الجمهور يقع، بمعنى أن هذه الألفاظ خطيرة جداً ووالله إني أسمع قصصا من زوجات يشتكين من أزواجهن أنهم يتحرشون ببناتهم، فتذكرت كلمة أحد المشايخ الكبار، قال لي:

يستحيل أن الأب يشتهي ابنته، هذا الذي يشتهي ابنته قد يكون عقد الزواج منتهياً بينهما نتيجة ترديده ألفاظ الطلاق مراراً وتكراراً على زوجته، وقد تكون الثالثة وهو لا يعلم، فينجب منها الذرية.

الضرب المبرح: وهذا النوع من الضرب لا يلجأ إليه إلا ضعيف الشخصية، الذي لا يجيد لغة الحوار، والزوجة إذا ضُربت من قبل الزوج، انكسرت نفسياً، والضرب الذي جاء في الحديث هو غير المبرح، الذي لا يكسر عظماً ولا يؤثر فيها شيئاً، بل يجب التدرج في العقاب، كما جاء في الحديث الذي ذكرناه آنفا، في حالة نشوز الزوجة على زوجها:

أولا: الوعظ، لأن بعض الزوجات يستجبن بالوعظ، وإذا لم ينفع الوعظ لجأ إلى: الهجر، والهجر يكون في الفراش؛ أي في الغرفة، يعطيها ظهره لمدة معينة حتى تتعظ، وإذا لم ينفع الهجر لجأ إلى: الضرب غير المبرح، أن يغلب على ظنه أن هذا الضرب سيؤدي إلى فائدة بتوبتها ورجوعها عن النشوز، قال تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان علياً كبيراً) سورة النساء.

الضرب ليس على إطلاقه، بل له عدة شروط: أن تصر المرأة على النشوز والعصيان، وأن يتناسب نوع العقاب مع نوع التقصير، وأن يراعي الرجل مقصوده من الضرب وأنه للعلاج والتأديب لا غير، فينبغي التخفيف منه قدر الإمكان، ويتحقق ذلك كما ذكره أهل العلم (باللكزة ونحوها أو بالسواك)، ولهذا وصى النبي صلى الله عليه وسلم، أمته في حجة الوداع قائلاً: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله.

وإن لكم عليهن أن لا يطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح)، وقد عدّ الألوسي الضرب غير المبرح بأنه (الذي لا يقطع لحماً، ولا يكسر عظماً) روح المعاني.

وقال عطاء: قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرح؟ قال: السواك ونحوه، ويتجنب المواضع المخوفة كالرأس والبطن، وكذلك الوجه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ضرب الوجه نهياً عاماً، ولذا ذكر المحققون من أهل العلم كالنووي: بأن الرجل لو ابتلي بضرب زوجه، وأفضى ذلك إلى تلف بعض أعضائها، بأن زوجها يجب عليه الغرم، لأنه كما قال النووي تبين بأن ذلك منه للإتلاف لا للإصلاح.

وقد أخرج أبو داوود من حديث معاوية بن حيدة القشيري رضي الله عنه قال: (أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت أو اكتسبت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت)، قال الألباني (حسن صحيح). فهذا هو موقف الإسلام من ضرب الزوجات، وهذا رد على العلمانيين الذين يقولون إن الإسلام يأمر بضرب المرأة وإهانتها.

فالأزواج هم المسؤولون عن إنجاح الزواج، ولن ينجح إلا بالتفاهم والحوار الصريح المفتوح والعبارات الجميلة الرنانة التي تغير ما في القلوب والنفوس، والابتعاد عن العنف، يروى عن علي رضي الله أنه دخل على زوجه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدها تستاك بعود آراك، فأراد أن يلاطفها فسحب عود الأراك من فيها ووضعه أمام عينيه وقال: خفت يا عود الأراك أراك، لو كنت من أهل القتال قتلتك، ما فاز مني سواك سواك.

كم لهذه الكلمات من أثر كبير وعميق في نفس الزوجة.

عبدالله موسى