أصدر صندوق النقد الدولي تقريره أمس حول آفاق الاقتصاد العالمي، لافتاً إلى تراجع المخاطر التي كانت تهدد الاستقرار المالي مع اكتساب التعافي الاقتصادي مزيداً من القوة، لكن المخاوف بشأن المخاطر السيادية المرتبطة بالبلدان المتقدمة يمكن أن تنال من مكاسب الاستقرار وتتسبب في طول مدة الانهيار الائتماني .
وبغير إعادة الميزانيات العمومية في القطاع المالي وقطاع الأسر إلى وضعها السليم، يمكن أن تتفاقم مستويات الدين العام غير القابلة للاستمرار وتنتقل مجدداً إلى النظم المصرفية أو إلى البلدان عبر الحدود .
وعلى ذلك ينبغي وضع سياسات تحقق ما يلي: «1» تخفيض مكامن الخطر السيادي، بما يشمله ذلك من ضرورة تقديم معلومات موثوقة عن خطط ضبط أوضاع المالية العامة على المدى المتوسط؛ «2» ضمان استمرار العملية الجارية لتخفيض نسب التمويل بالديون على نحو سلس؛ «3» المضي بحزم في استكمال جدول الأعمال التنظيمي بغية الانتقال إلى نظام مالي عالمي أكثر أماناً وصموداً وديناميكية .
وبالنسبة لبلدان الأسواق الصاعدة، حيث أدت طفرة التدفقات الرأسمالية الداخلة إلى ظهور مخاوف من احتمالات التضخم وفقاعات أسعار الأصول، يُنصح باعتماد منهج عملي يجمع بين السياسات الاقتصادية الكلية والسياسات المالية الاحترازية .
وقال التقرير إن المخاطر التي كانت تهدد الاستقرار المالي انحسرت مع استمرار تحسن الاقتصاد العالمي .
ملامح المخاطر
ومع ذلك فقد تغيرت ملامح المخاطر العالمية بسبب تدهور أرصدة المالية العامة وسرعة تراكم الدين العام، فأصبحت المخاوف بشأن مدى استمرارية الميزانيات العمومية الحكومية هي المنبع الأساسي والمتزايد لمكامن الخطر القائمة .
وفي بعض الحالات، يمكن أن تتحول مخاوف الاعمار على المدى الأطول إلى ضغوط قصيرة الأجل في أسواق التمويل حيث يشترط المستثمرون عائداً أعلى لتعويض المخاطر المستقبلية المحتملة . ويمكن أن تتسبب هذه الضغوط في تكثيف تحديات التمويل قصير الأجل التي تواجه بنوك البلدان المتقدمة وقد يكون لها انعكاسات سلبية على تعافي الائتمان الخاص .
وثمة تحسن عام في صحة النظام المصرفي بالتوازي مع تعافي الاقتصاد واستمرار تخفيض نسب التمويل بالديون واستعادة الأوضاع الطبيعية في الأسواق . وقد تراجعت تقديراتنا لتخفيضات قيم القروض المصرفية منذ بدء الأزمة وحتى عام 2010 إلى 2 .3 تريليون دولار بعد أن بلغت 2 .8 تريليون دولار في عدد 2009 من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي .
ونتيجة لذلك، حدث انخفاض كبير في احتياج البنوك لرؤوس الأموال، وإن كانت بعض قطاعات النظم المصرفية في بعض البلدان لا تزال تعاني نقصاً في رأس المال، الأمر الذي يرجع في الأساس إلى خسائر العقارات التجارية .
وبالرغم من هبوط احتياجات رأس المال، فلا تزال البنوك تواجه تحديات كبرى تتمثل في التمويل الضخم قصير الأجل الذي ينبغي إعادة تمويله في العامين الراهن والمقبل، ورأس المال الأكبر والأفضل جودة الذي يرجح أن يكون مطلوباً لطمأنة المستثمرين على خلفية التشديد المرتقب في المعايير التنظيمية، وحالة الخسائر التي لم يشطب بعضها حتى الآن .
وإضافة إلى هذه التحديات، سوف تتطلب القواعد التنظيمية الجديدة من البنوك أن تعيد النظر في استراتيجيات العمل المطبقة لديها . ومن المرجع أن تفرض كل هذه العوامل ضغوطاً خافضة للربحية .
وفي مثل هذا المناخ السائد، يُرجح أن يصبح الائتمان المقدم للقطاع الخاص محدوداً، حيث يكون الطلب على الائتمان ضعيفاً وحجم المعروض منه منخفضاً . وينبغي أن تعمل الأسر والشركات على تخفيض مستويات مديونيتها واستعادة سلامة ميزانياتها العمومية .
وحتى مع مستوى الطلب المنخفض، قد تصطدم احتياجات التمويل السيادية المتضخمة مع حجم العرض الائتماني المحدود، مما يساهم في الضغوط الرافعة لأسعار الفائدة «راجع القسم دال في الفصل الأول» وفي تكثيف ضغوط التمويل على البنوك .
كذلك يُلاحظ أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تستشعر تأثير انخفاض الائتمان . وعلى ذلك، قد يكون اعتماد سياسات لمعالجة نقص المعروض أمراً لا يزال مطلوباً في بعض الاقتصادات .
طفرة تدفقات
وفي المقابل، شهدت بعض اقتصادات الأسواق الصاعدة طفرة جديدة في التدفقات الرأسمالية . وتأتي تدفقات رؤوس أموال الحافظة الداخلة إلى آسيا «باستثناء اليابان» وأميركا اللاتينية «راجع القسم هاء في الفصل الأول والفصل الرابع» على خلفية حالات التعافي القوي، وتوقعات ارتفاع أسعار صرف العملات، ووفرة السيولة وانخفاض أسعار الفائدة في البلدان المتقدمة الكبرى .
ورغم أن استئناف التدفقات الرأسمالية يشكل تطوراً محل ترحيب، فقد أدى في بعض الحالات إلى مخاوف من احتمال نشوء الضغوط التضخمية وفقاعات أسعار الأصول، مما يمكن أن يهدد الاستقرار النقدي والمالي . غير أن الأدلة المتوافرة محدودة على حدوث ذلك بالفعل، عدا ما تشهده بعض أسواق العقارات المحلية .
أهم الرسائل بشأن السياسات
ولمعالجة المخاطر السياسية، ينبغي اعتماد خطط موثوقة تحظى بتأييد جماهيري لضبط أوضاع المالية العامة على المدى المتوسط، وهو ما يمثل التحدي الأكبر أمام الحكومات في الأجل القريب .
وينبغي أن تتسم هذه الخطط بالشفافية وأن تتضمن تدابير للطوارئ تحسباً لاحتمال نقص الموارد العامة عن المستوى المتوقع . وسوف يساعد تحسين أطر المالية العامة وإجراء إصلاحات هيكلية داعمة للنمو على ترسيخ ثقة الجماهير في توافق العملية الجارية لضبط أوضاع المالية العامة مع أهداف النمو طويل الأجل .
ومن حيث المدى القريب، لا يزال من الضروري توجيه الاهتمام إلى النظم المصرفية في عدد من البلدان حتى يعاد تحديد مجموعة أساسية من البنوك التي تتمتع بأوضاع سليمة تتيح لها الاستمرار في مزاولة النشاط وتستطيع إعادة التدفقات الائتمانية إلى القطاع الخاص .
ويتعين أن تركز السياسات على «ترشيد حجم» النظام المالي الذي ينبغي أن يكون حيوياً وسليماً . ذلك أن ضغوط التمويل والضغوط على جانب الالتزامات في الميزانيات العمومية للبنوك بدأت تحتل موقعاً بارزاً في الآونة الأخيرة، رغم أن تخفيض نسب التمويل بالديون جاء في معظمه على جانب الأصول في هذه الميزانيات .
ولا يزال من الضروري بذل جهود أكبر لمعالجة أوضاع عدد من البنوك الضعيفة حتى تخرج دون مشكلات من مرحلة الاعتماد على الدعم الاستثنائي الذي تقدمه البنوك المركزية في شكل تمويل وسيولة .
والمهم في هذا الخصوص هو أن يكفل صناع السياسات المنافسة العادلة بما يتوافق مع إرساء نظام مصرفي كفء وآمن . وبينما قد تتطلب الظروف من بعض البنوك المركزية والحكومات الاستمرار في تقديم بعض الدعم، فإن البنوك الأخرى ينبغي أن تظل مستعدة لاستئناف تقديم الدعم عند الاقتضاء، بغية تجنب العودة إلى انقطاع التمويل في الأسواق .
الاصلاحات
وفي سياق التقدم في الإصلاحات التنظيمية لمعالجة المخاطر النظامية، ينبغي توخي الحرص في وضع التدابير اللازمة بحيث تحقق التوازن الصحيح بين الأمان والابتكار والكفاءة في النظام المالي . ومن السبل الجاري بحثها لزيادة أمان النظام المالي تطبيق رسوم رأسمالية تتحدد حسب مساهمة كل مؤسسة في المخاطر النظامية .
ويعرض الفصل الثاني منهجية لوضع رسم إضافي على رأس المال يقوم على مدى ترابط المؤسسات المالية ـ بحيث يعتمد في الأساس على تحصيل الرسوم من المؤسسات المؤثرة على النظام المالي نظراً للعامل الخارجي الذي تفرضه على النظام ككل ـ أي التأثير الذي يمكن أن يحدثه فشلها على المؤسسات الأخرى، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة تأييد هذا الفصل لاستخدام هذا الرسم .
وتعتمد المنهجية على أساليب إدارة المخاطر التي تستخدمها الأجهزة الرقابية والقطاع الخاص بالفعل .
وبطبيعة الحال، يمكن استخدام تدابير تنظيمية أخرى، كالتي يناقشها القسم «و» في الفصل الأول، وهي تستحق مزيداً من التحليل .
وخلاصة القول إن جدول أعمال الإصلاح المستقبلي في مجال التنظيم المالي لا يزال عملاً قيد الإنجاز، لكن التقدم في تنفيذ بنوده الأساسية على الأقل ينبغي أن يبدأ في القريب العاجل .
فقد تضيع الفرصة السانحة لمعالجة مشكلة المؤسسات الأكبر من أن تفشل، وهي فرصة يتعين عدم إهدارها لأسباب ليس أقلها أن بعض هذه المؤسسات قد أصبح أكبر وأكثر هيمنة مما كان عليه قبل تفجّر الأزمة . وينبغي لصناع السياسات النظر بجدية في ما يجعل هذه المؤسسات مؤثرة على النظام المالي وكيف يمكن تخفيف المخاطر التي تفرضها عليه .
