أكد خبراء قانونيون وشرعيون على أهمية توافر بنية قانونية متكاملة تعزز نمو وازدهار المصارف الإسلامية وتمكن السلطات الرقابية من فحص وتدقيق المنتجات المالية بناء على مرجعية إسلامية وليس مرجعية ربوية.

وأعرب البعض عن استغرابه من أن كثيراً من البلاد التي لديها بنوك ومؤسسات مالية إسلامية تتركها تعمل دون قانون يحدد خصائصها، وحوكمتها، ومعالم ضوابط الرقابة عليها. مشيرين إلى أن عدم تقنين أحكام الشريعة الإسلامية يشكل أحد أسباب استبعاد تطبيق أحكام الشريعة في عقود المؤسسات المالية الإسلامية.

ورأى الخبراء أن عناصر البنية القانونية الداعمة للمصارف الإسلامية تكمن في الاعتراف بعقود التمويل الإسلامي في القانون المدني، وأن يصدر قانون للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية حتى تتمكن السلطات الرقابية من فحص وتدقيق المنتجات المالية بناء على مرجعية إسلامية وليس مرجعية ربوية، وأن توضع ضوابط لحوكمة الهيئات الشرعية العاملة لدى البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية.

واعتبر الخبراء أن تحقيق الكفاءة في قطاع التمويل يؤدي إلى توزيع الموارد المالية على أفضل الاستخدامات الممكنة، بحيث يتحقق تعظيم الإنتاج على نحو لا يتصور معه إمكان زيادة إنتاج الدولة عبر إعادة تخصيص الموارد، لأن تخصيص الموارد يكون قد وصل إلى مستواه الأمثل، إذ يتكون الهيكل المؤسسي لقطاع التمويل من أربعة مكونات رئيسية: البنوك والمؤسسات المالية.

وأسواق النقد والمال، والأدوات المالية والنقدية، وسلطات الإشراف والرقابة. ويقوم قطاع التمويل على تخصيص الموارد المالية التي يجتذبها من أصحاب الأموال بين الاستخدامات المختلفة في الاقتصاد.

غياب الإطار القانوني

ويحدد الدكتور معبد علي الجارحي الأمين العام لهيئة الفتوى والرقابة الشرعية بسوق دبي المالي معالم مشكلة غياب الإطار القانوني المنظم للمصارف الإسلامية، بإشارته إلى أنه باستثناء قلة من البلدان (البحرين، وإيران، وماليزيا، والسودان، ومؤحرا كازاخستان) ليس هناك ذكر لعقود التمويل الإسلامي في القانون المدني.

كما أن القضاء لا يطبق قاعدة العقد شريعة المتعاقدين. فغالبا ما تلجأ المحاكم إلى تفسير العقد على نمط ما هو شائع في السوق، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى إسقاط عقد التمويل الربوي على كافة عقود التمويل الإسلامية.

والغريب أن هذا ما يحدث في غالبية الدول الإسلامية، على خلاف ما استقر عليه القضاء البريطاني من معاملة عقود التمويل الإسلامية كعقود مستقاة من الشريعة وليس من القانون الوضعي.

واستدرك شارحا: من الملاحظ أن دولة الإمارات لديها ثمانية بنوك إسلامية، أربعة منها في دبي وحدها. ولكن القانون المدني لا يتطرق إلى عقود التمويل الإسلامي الاثني عشر. كما أن المحاكم تتعامل مع تلك العقود كعقود ربوية. وهذا يعني أنه في حالة النزاع بين مصدر الصكوك وحملتها، لن تعترف المحكمة بالعقد الشرعي ولا بملكية حملة الصكوك للموجودات.

فإذا نظر للصكوك خارج إطارها الشرعي، بصفتها «سندات إسلامية»، سوف تغلب عليها صفة السندات، وتعامل كأداة مالية تقليدية. وبذلك، يفقد حملة الصكوك حقوق ملكيتهم للأصول، وتتعرض مصالحهم لتدهور شديد. الأمر الذي يمكن أن يفقد الصكوك مصداقيتها تماما لديها بنوك ومؤسسات مالية إسلامية تتركها تعمل دون قانون يحدد خصائصها، وحوكمتها، ومعالم ضوابط الرقابة عليها.

وأعرب الدكتور عن استغرابه بأن كثيرا من البلاد التي لديها بنوك ومؤسسات مالية إسلامية تتركها تعمل دون قانون يحدد خصائصها، وحوكمتها، ومعالم ضوابط الرقابة عليها.

مشيراً إلى أنه من المستغرب أكثر أن تكون الإمارات من بين تلك الدول، بالرغم من قيامها بإصدار قانون خاص للمصارف الإسلامية، إلا أنه لم تصدر لائحته التنفيذية.

محاذير وتحديات

وفي هذا السياق، رصد الدكتور معبد علي الجارحي أوجه المحاذير الناجمة عن غياب إطار قانوني يحكم التمويل الإسلامي في النقاط التالية:

1. أن البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية تنشأ بترخيص خاص، قد تختلف شروطه وتفاصيله من حالة إلى أخرى وليس وفقا لقواعد عامة شاملة تخضع لها كافة البنوك.

2. أن البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية تتم مراقبتها والإشراف عليها وفقا لنفس القواعد التي تطبق على البنوك التقليدية، باستثناء ما تقرره السلطات الرقابية من وقت لآخر، دون قاعدة قابلة للتعميم وتكرار التطبيق.

3. أن المنتجات المالية الإسلامية يتم فحصها وتدقيقها من جانب أجهزة الرقابة والإشراف بناء على مرجعية ربوية، لا تقبل اختلافات جوهرية بين المنتجات المالية الإسلامية والمنتجات التقليدية.

وخلص إلى القول بأن السلطات الرقابية يمكن أن تستحل لنفسها إصدار أوامر وتوجيهات عامة إلى البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية لا تتفق مع شروط ترخيصها بصفتها بنوك تعمل بالتوافق مع الشريعة.

تحسين أساليب الرقابة

وعلى نفس المنوال، لفت الدكتور عبد العظيم جلال أبو زيد المستشار بمصرف الإمارات الإسلامي إلى أنه من غير الممكن القيام بالرقابة والإِشراف على إصدار وتملك وتداول الصكوك بدون توفر بنية أساسية مناسبة تضمن من ناحية سهولة إصدار صكوك متوافقة مع الشريعة، ومن ناحية أخرى تحقق قدرة السلطات الرقابية على التعامل مع ما قد يتصل بها من انحرافات، وقائياً وعلاجياً.

وعرض أبو زيد بعض التوصيات بشأن أهداف الرقابة على الصكوك، وكيفية التوصيات حول كيفية القيام بها. في النقاط التالية:

أولا: الحرص على خاصية التوافق مع الشريعة، وبالتالي التأكد من أن الصكوك تتصف بخصائص لا تتنافى مع الشريعة.

ومصلحة السلطات الرقابية في ذلك، أنه إذا لم تتوافر الشروط الشرعية في الصكوك، فإنها تهدد الأدوات المالية وكذلك المؤسسات المالية التي كانت فاعلة في إصدارها بسوء السمعة وفقدان الثقة فيها.

وقد يتطرق سوء السمعة وفقدان الثقة إلى النظام النقدي والمالي بأسره، مما يهز أركان النظام الاقتصادي، ويضر بالمصالح الاقتصادية لعدد كبير من الأفراد والمؤسسات على المستويين الوطني والمحلي.

ثانيا: الحرص على أن حملة الصكوك يمتلكون حصصا على المشاع في موجودات حقيقة، لأن هذا شرط من شروط التوافق مع الشريعة ينعكس عدم توفره سلبا على سمعة الصكوك ومصدريها، كما أنه ضمان لحقوق حملة الصكوك.

ثالثا، الحرص في كل الأحول على خلو استخدام حصيلة الصكوك من مخاطر النزوع السيئ، بمعنى أن بائع الصكوك سوف يستخدم الحصيلة فيما خصصت له. وهذا يضمن قدرة بائع الصكوك على خدمة موجودات الصكوك من حيث الصيانة والحفاظ على منافعها، وكذلك دفع أقساط الإيجار وغيرها من مستحقات حملة الصكوك.

رابعا: الحرص على أن كافة الاحتياطيات قد اتخذت لكل لا يكون لدى حملة الصكوك حاجة إلى التصرف في موجوداتها بتأجيرها إلى جهة أخرى أو ببيعها. لأن حدوث ذلك، سوف ينزع من الصكوك عنصر الاستقرار، ويهدد السوق المالية كلها بالانهيار.

هذا بصرف النظر عن تحمل حملة الصكوك لخسائر أو حتى تحقيقهم مكاسب من جراء التصرف في موجودات الصكوك. لأنه حتى ولو تحقق الحفاظ الكامل لحقوق حملة الصكوك، فإن مجرد تصرفهم في الموجودات يدخل عاملا من الاضطراب في أسواق المال، يمكن أن يضر بالاقتصاد ككل.

تقنين أحكام الشريعة

وعلى نفس المنوال اعتبر الدكتور عبد الستار الخويلدي الأمين العام للمركز الإسلامي الدولي للمصالحة والتحكيم بدبي عدم تقنين أحكام الشريعة أحد أسباب استبعاد تطبيق أحكام الشريعة في عقود المؤسسات المالية، وشرح هذه النقطة بإشارته إلى أن المؤسسات المالية الإسلامية تعمل في محيط تسيطر فيه القوانين الوضعية.

وهي عادة قوانين مصاغة في شكل مواد مبوبة ومترتبة في مجلات وهو ما يعرف بالتقنين (التدوين). وإلى جانب التقنين هناك فقه قضاء ثري وجريء بفضل تراكم الخبرات.

وبالتالي هناك تنافس بين نظامين مختلفين، ويسعى القانون أن يغطي جميع المجالات بحيث لا يترك فراغا لغيره من الأنظمة إلا اليسير مثل الإشارة إلى العرف في المجال التجاري. وفي هذا المجال، نجد أن سعي القانون الوضعي لاستبعاد أحكام الشريعة الإسلامية ينقسم إلى صنفين: استبعاد مطلق بحيث لا تطبيق الشريعة الإسلامية، واستبعاد يقبل بأحكام الشريعة لكن يطبقها على شاكلته بحيث يسيء تطبيقها.

وتابع شارحا: أصبح النص على تحكيم مبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية دون سواها من القوانين أمرا نظريا في العقود الدولية. وهذه حقيقة. فقد حل محل الشرط الموحد (وهو الكفيل بتطبيق أحكام الشريعة مطلقا) الشرط المزدوج وهو الشرط الذي يجمع بين الاحتكام للقانون الوضعي والشريعة الإسلامية.

ومن أمثلة هذه الصيغ نجد: «تخضع هذه الاتفاقية للقانون البريطاني بما لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية»، أو «تخضع هذه الاتفاقية للقانون البريطاني إلا إذا خالف أحكام الشريعة الإسلامية، عندها ترجح أحكام الشريعة الإسلامية».

وهذه الصيغة هي الأكثر انتشارا في عقود المؤسسات المالية الإسلامية والأكثر صعوبة عند التطبيق. إن سوابق تطبيق هذه الصيغة على الأقل كما جرت أمام المحاكم البريطانية، لم تكن منصفة للشريعة الإسلامية حيث استبعدتها المحاكم البريطانية.

المعاملات المالية

ورأى الدكتور عبد الستار الخويلدي أن القانون الواجب التطبيق في المعاملات المالية الإسلامية عموما والدولية منها خصوصا يحتاج إلى موقف واضح. مشيراً إلى الهيئات الشرعية في المؤسسات المالية الإسلامية وقد تفطنت إلى هذا الموضوع، وسوف تصدر هيئة المحاسبة والمراجعة معيارا في هذا الموضوع، وأورد بعض المقترحات التي قد تساعد على الاهتداء لأنسب الحلول في النقاط التالية:

1 - الأصل الاحتكام لمبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية وعدم تفويض القانون الوضعي ليحكم المعاملات المالية الإسلامية لما قد يصدر عن هذا القانون من إعادة تكييف للمعاملات يغير طبيعتها. ومن أمثلة ذلك تنظير الصكوك على السندات التقليدية.

2 - الاهتمام بصياغة عقود المعاملات المالية الإسلامية لحمايتها من سوء التفسير ولتفادي النزاع، وذلك مهما كان القانون الواجب التطبيق وجهة فض النزاع، ومن أمثلة الصياغة المفضية إلى حماية قانونية وشرعية اعتماد التفصيل الوافي في صياغة الشروط ولا سيما تلك التي تختلف فيها أحكام الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي اختلافا بينا.

ومن أمثلة ذلك غرامات التأخير، ومفهوم الشرط التغريمي، والسداد المبكر في عقود البيع، وتعريف هامش الجدية، وتعريف الصكوك تعريفا يوضح الفرق بين الصكوك الإسلامية والسندات.. إلخ.

3 - الحرص على التأهيل الشامل مع اعتماد التخصص. ومن أمثلة ذلك تأهيل خبراء لاقتراح الحلول وفض النزاعات ولا يتم ذلك إلا بالجمع بين التأهيل القانوني والتأهيل الشرعي.

وفي هذا السياق أريد الإفادة بأن المركز الإسلامي الدولي للمصالحة والتحكيم قد شرع وبالتنسيق مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية في دورات تدريبية تهدف إلى تقديم تأهيل متكامل بغرض إعداد محكمين يجمعون بين الجوانب الشرعية والقانونية والإجرائية بحيث يمكّن التأهيل أصحاب الشهادات من معالجة المسائل القانونية والشرعية بيسر ووضوح.

حوكمة المؤسسات المتصلة بإصدار الصكوك

دعا الدكتور معبد علي الجارحي الأمين العام لهيئة الفتوى والرقابة الشرعية بسوق دبي المالي إلى حوكمة المؤسسات المتصلة بإصدار الصكوك، مشيراً إلى أن الهيئة ذات الغرض الخاص التي تقوم بشراء الموجودات، وإصدار وتوزيع الصكوك تمثل في النهاية مصالح حملة الصكوك.

واقترح الجارحي أن يمثل حملة الصكوك حصصا على المشاع في الهيئة الخاصة بنسبة ما يحمله كل منهم من الصكوك. ومن الممكن أن ينضم إليهم منشؤو الموجودات كشريك بما يحملونه من الصكوك.

وأوضح أنه من المعتاد أن تكون هذه الهيئة مملوكة لمنشئ الموجودات، والمنتفع بحصيلة الصكوك فيه، وهو ما يخلق نوعا من تضارب المصالح.

مشيراً إلى أنه من حق حملة الصكوك أن يكونوا على اطلاع دائم على تطورات العملية الاستثمارية ولضمان اطلاعهم على مسيرة العملية الاستثمارية، فمن الواجب أن يمثلوا بجهة مستقلة عن الجهة التي تتولى إدارة الصكوك تحقيقاً للمصداقية.

دبي ـ مجدي عبيد