عن أبى مالك الحارث بن عاصم الأشعري ـ رضي الله عنه: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك ؛ كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها) .

في الحديث الشريف من اللطائف البلاغية ما يلي:

مفردات الحديث الشريف: فصيحة خالصة ما يشوبها ؛ فلا غرابة، ولا غموض، ولا استكره. والجمل فصيحة التعبير جميلة الإيقاع؛ منغمة الفقرات؛ يزينها السجع، ويحليها حسن التقسيم.

الجمل خبرية جاءت من الصادق المصدوق ـ صلى الله عليه وسلم ـ غير مؤكدة إلا بمؤكد واحد هو: اسمية الجملة؛ إذ نزل الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ منزلة السائلين لتشوفهم إلى ما يقوله النبي- صلى الله عليه وسلم.

الفصل والوصل: الوصل واضح بين الجمل ما عدا جملة: ( كل الناس يغدو..) فقد فصلت عما قبلها؛ والسر في وصل تلك الجمل بالعطف: هو: أن العطف يقتضى المغايرة؛ وكل جملة فيها لها حكم مختلف عما قبلها؛ فاقتضى ذلك عطفها.

وأما السر في الفصل: (كل الناس يغدو) عما قبلها هو: أن الجملة الثانية بيان للأولى؛ فبينهما ما يسميه البلاغيون: (كمال الاتصال)؛ فإن وصلت بالأولى بعطف صارت كأنها مغايرة لها؛ مع أنها بيان لها.

وسر العطف بالفاء: (يغدو فبائع نفسه) هو أن بيع المرء نفسه لله تعالى، أو للشيطان يحدث عقب سعيه مباشرة.

الاستعارة المكنية في: (الطهور شطر الإيمان) و(الحمد لله تملأ الميزان) و(سبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض) وشطر الإيمان يعنى:

نصفه؛ وإنما قال: (شطر) ولم يقل (نصف) للإشارة إلى أن الطهارة جزء لا يتجزأ من الإيمان؛ فلا عبادة بدون طهارة القلب والجسد؛ وفي الجملة استعارة مكنية؛ فقد شبه الإيمان بجسم من الأجسام يشطر، أي: يقسم نصفين ثم حذف، وأبقى لازمه وهو (الشطر).

وفى ( الحمد لله تملأ الميزان) إيجاز بالحذف: أي: ثواب الحمد لله تملأ الميزان؛ وفيها ـ أيضاً ـ استعارة مكنية؛ حيث شبه الثواب ـ وهو أمر معنوي- بشيء حسي بوزن وكذلك يقال في: ( سبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض). التشبيه البليغ في: ( الصلاة نور) وفى ( الصدقة برهان) .

وفى ( الصبر ضياء) وفى ( القرآن حجة). وإنما جعل الصلاة نوراً: لأن المصلى عندما يترك شواغل الدنيا جانباً، ويقف أمام الله تعالى خاشعاً خاضعا، تنقشع أمام عينيه ظلمات الحياة، ويرى طريق الهداية؛ يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم: «بشر المشائين في ظلمات الليل إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة».

وجعل الصدقة برهاناً؛ لأنها دليل على صدق إيمان المؤمن. وجعل الصبر ضياء: والضياء ذاتي للجسم المضيء؛ فهو أقوى من النور؛ لأن النور مستمد منه ـ لأن الصبر على الشدائد في سبيل الله تعالى مما يقوى الإيمان ويزيده إشراقاً؛ وجعل القرآن حجة؛ لأنه يشهد للمرء يوم القيامة بصدق الإيمان، أو يشهد عليه بالكذب والنفاق.

حسن التقسيم؛ وحسن التقسيم محسن بديعي: فقد قسم النبي - صلى الله عليه وسلم- الحجة إلى قسمين: حجة للمرء بصدق الإيمان، وحجة عليه بالكذب والنفاق؛ ولا ثالث لهما؛ ثم قسم الناس في سعيهم في الحياة إلى قسمين: بائع نفسه لله تعالى؛ فمعتقها من النار، وبائع نفسه للشيطان؛ فمهلكها؛ ولا ثالث لهما كذلك.

السجع: نجد السجع ذا الإيقاع المستحب في الآذان، والنغم المعشوق للأسماع في فاتحة الحديث الشريف عند قوله: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان) وفى خاتمته عند قوله: (فمعتقها أو موبقها). وكذلك الطباق بين (السماء والأرض) بين (لك أو عليك) وبين ( معتقها وموبقها).

د. حسن إسماعيل عبد الرازق