إنني أفخر كثيراً بديني، حينما أجده وضع اليتيم في سويداء المجتمع، وهدفاً لكل مشاعر الحنان والرعاية والوفاء بحقه كاملاً غير منقوص، وحذر كل متسلط يتطلع إلى اقتناص شيء ولو يسير من حقوقه، إن كان اليتيم قد ورث مالاً..

فإن لم يكن له نصيب من المال، كان أمانة في أعناق الجماعة ومحلاً لعونهم المادي فضلاً عن تغطية كل جوانب العوز والحاجة النفسية والاجتماعية، لأن اليتيم قد يكون ثرياً، لكنه يفتقد ما هو أهم من المال والثروة، كالرعاية والتربية والحنان والشفقة والتنشئة الصحيحة، وهي عين الكفالة والرعاية، وعند إحسان ذلك تترقى جائزة التكافل عند الله إلى درجة مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث يقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم:

«أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى»، ويرفع قدر البيت الذي يحسن فيه إلى يتيم، عن جميع البيوت، فيقول: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يُحسن إليه، وشرّ بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يُساء إليه»!

ولهذا نجد الإسلام ضمن حق اليتيم بجعله أمانة في عنق المجتمع والدعوة إلى رعايته، ولذلك يقول رب العزة: «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً».

(36 النساء) ويعظم أجر من يطعم اليتيم لدرجة غفران ذنبه كله، إن لم يكن من بين ذنوبه ذنب لا يُغفر، فقد روى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قبض ـ أي ضمه ـ يتيماً بين المسلمين إلى طعامه وشرابه أدخله الله الجنة البتة، إلا أن يعمل ذنباً لا يُغفر له».

ويضمن الجنة للمرأة التي تحبس نفسها فلا تتزوج حتى تتم تربية أيتام في حجرها، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة، وأومأ بإصبعيه السبابة والوسطى، امرأة آمت من زوجها ذات منصب وجمال حبست نفسها على يتاماها حتى بانوا ـ أي فارقوها معتمدين على أنفسهم ـ أو ماتوا» رواه أحمد وأبو داود.

ووجه النبي صلى الله عليه وسلم من شكا إليه قسوة قلبه إلى المسح على رأس اليتيم ورحمته فيقول له: «امسح رأس اليتيم، واطعم المسكين».

وحينما نجد كل هذه الرحمة المفروضة لليتيم، ينبض بها ديننا، ثم ننظر إلى واقع المسلمين في عدد من الدول نعجب أشد العجب، لأن أيتاماً كثراً من أيتام المسلمين، مضيعون أشد الضياع بين دعاوى الأغنياء، ومتاجرة السماسرة، وتربص الأعداء، وبلادة وجمود قلوب الكثير من المحسوبين على الإسلام والغافلين عن هديه!

فإن الذي يقرأ ويتابع ما يُعلن ويُذاع عن أنشطة الهيئات والمنظمات التي تعلن عن ميادين عملها وأن من بينها «كفالة اليتيم» وأنها ترعى وتكفل أعداداً متضخمة، يتوهم أن نصف الشعب أصبح من الأيتام الذين ينالون اهتمامها وعطفها ورعايتها، في حين لو نظرت إلى حجم ما يصل إليه في دنيا الواقع المجرد لوجدت الفتات الذي لا يسمن ولا يغني من جوع!

ذلك أن المهارة في استعمال الفن الإعلامي لأولئك السماسرة تجعل أرصدتهم تتراكم وتتورم دون أن يجد الأيتام كفايتهم من حقوقهم المفروضة، والتي تدفقت الأموال وتورمت الأرصدة من أجلها!

ولا بد أن نعلم أن كثيراً من الأيتام من أهل الغنى، ولكنهم أسرى في أيدي الأوصياء الذين لا يرعون حقوق الأيتام في أموالهم، وإنما يفتحون بطونهم لهضم هذه الحقوق وإبعادها عن أهلها، ولذلك يتوعدهم الحق تبارك وتعالى بعذابه الشديد في قوله عز وجل: «إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً».

وكثيرون من الأيتام بحاجة حقيقية إلى المال لتلبية الحاجات الدنيا للإنسان رغم كل ما يُذاع ويُعلن عنه، فغالبية من يريدون تلميع سيرتهم وشراء محمدة الناس وتبييض سمعتهم بين الناس، إما للحصول على مقعد في المحليات أو البرلمانات أو للتغطية على أنشطة مريبة تدور في الخفاء، يتخذون من شعار كفالة الأيتام لافتة يرفعونها فوق رؤوس الناس!

والمحزن أنك تجد أموال أهل الثروة من أبناء المسلمين تذهب إلى الهباء، فتجد أحدهم ينفق الملايين على حيوانات الحدائق الأميركية، أو على مرضى أميركيين، أو أوروبيين، بينما أطفال المسلمين لا يجدون حد الكفاف، بل لا يجدون حذاءً يحمي أرجلهم من أذى الطريق!

بل إن ما يُذاع ويُنشر عن حياة السفه والبذخ والترف التي يحياها البعض في قصورهم التي اشتروها بالملايين في أوروبا وأميركا، وعدم إظهار أي قدر من احترام دينهم وتوقير ربهم، بل إن ما تتحدث عنه القضايا التي يكشف عنها الإعلام من حياة أولئك الأثرياء من إنفاق عشرات الملايين في بيوتهم وقصورهم وشركاتهم، بين ظهورنا.

وعلى مرأى ومسمع من الجميع، بينما الآلاف من الأيتام تضيق بهم الشوارع ولا يجدون ما يسد رمقهم، لهو من أشد جرائم العصر، ومدعاة إلى وقفة جادة في مواجهة حاسمة من المجتمع كله.

علي عيد