لو لم يكن اللسان العربي المبين هو الوعاء القومي والإنساني المتميز والوحيد الذي اجتمع فيه العرب على تفرقهم ما أمكن إلا بأمر الله وحفظه أن تتحقق لهم أي حفظ للقرآن وجمعه وتدوينه صحيحاً سليماً كما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم وكما تركه فيهم.
فمن الحقائق التي هي في مرتبة المسلمات أن البيان باللسان العربي هو المفهوم الأساسي الذي اجتمعت فيه وتعارفت عليه هذه الأمة العربية متجاوزة به حاجاتها اليومية إلى أغراض حياتها العليا في الحكمة والوصايا والأخلاق والفخر والحماسة مما لم يتوفر في طبيعته وغاياته ومنابعه وروافده الأولى في حياتهم لأمة أخرى من الأمم القريبة منهم أو البعيدة عنهم.
لقد عاشت اللغة العربية آلاف السنين قبل إبراهيم في صورة اللغة الدينية أو اللغة المقدسة، لأن رسالات ودعوات كثيرة مرت بألفاظها بالوحي في أفواه الأنبياء الذين ظهروا على أرض الجزيرة نفسها قبل ظهور الدعوة الإسلامية.
بهذا المستوى كانت هذه اللغة هي المجال الأعظم لدفع وتوجيه وتسجيل نشاطهم الإنساني الذي اتسعت لهم آفاقه بعيداً عن الظن والخوف والقهر في كنف حريتهم الكاملة.
لقد اعتبروا من أول الأمر أن إنسانية الإنسان تتحدد بقدر فصاحته وبلاغة لسانه ولذلك رفعوا أهل البيان منهم من الحكماء والشعراء فوق كل المراتب، حتى لقد علقوا آخر الأمر أشهر قصائد الشعراء منهم قبيل البعثة على أشرف مكان وهو الكعبة المعظمة، وهى المعروفة باسم (المعلقات) .
ومن هنا أيضاً نفهم كيف أن الشعر كان ديوان العرب، وأنه كان كتابهم المحفوظ الذي شغفوا به وتناقلوه بالرواية وهم يضيفون إليه المزيد من عيون الشعر وتراث الحكمة ومأثور الوصايا، ويستنبطون من منابعه مدداً دائماً لحياتهم الجديدة في أزمان السلم والحرب وساحات الذكر والفخر.
على أن حب العرب للغتهم في تنوع بيانهم بها، واتصال كفاحهم تحت شمسها ما كان ليبلغ هذا القدر من اجلالهم لها وشغفهم بها، لو لم تكن لغتهم في حقائقها البيانية والإنسانية أهلاً لهذا الحب والاجلال ومنبعاً للبلاغة والجمال، إذ هي في أسماعهم وقلوبهم وعقولهم مرآة خصائصهم النفسية والبيئية.
ولسان حالهم في سلامهم وحربهم ومعيشتهم والمعبر عن آمالهم ومرادهم ومبادراتهم الأمر الذي أكده في عمومه نزول القرآن الكريم بهذه اللغة بذاتها، فهي التي اتسعت لآيات الله على بلاغتها وجلالها وعمقها واستطاعت دون وهن أو قصور أن تحمل لهذه الآيات الكريمة الخالدة غايات الدين وحدود الشرع وخلود الحق وهى غايات تنوء بحملها وتتهشم تحتها أي لغة أخرى مهما كان شأنها بين اللغات الأعجمية.
قال تعالى: (ولو جعلناه قرءاناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي).
لا جدال إذا أن القرآن الكريم قد أعجز بلغاء العرب من الحكماء والشعراء والخطباء وأنه تحداهم في أعظم ما يتفاخرون به وهو البيان العربي، وأنهم عجزوا عن تقليده ولو بأي منه، وعن مقاومة تأثيره فيهم تلاوة أو سماعاً حتى ظنوا أن تعاهدهم على عدم سماعه عاصم لهم من تأثيره فيهم، بل إنهم حين عجزوا عن محاكاته أو مواجهته أو اتهامه تواصلوا بأن يلغوا فيه واتجهوا بأحقادهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يحسدونه على هذه النعمة، قال تعالى: «وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم?
وكان الرسول يحزنه أشد الحزن جحود قومه لكتابه وتكذيبهم لدعوته وإيذاءهم له وللمؤمنين من أصحابه فكان الله عز وجل يواسيه ويثبت فؤاده نحو قوله: «يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر.
رجاء علي