قال الشيخ: روي عن النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم قوله (القلب مثل الكف المفتوحة كلما أذنب ذنبا انقبضت أصبع).
ونحن اليوم في بلاء يتبعه بلاء، وما أجد سببا لهذا البلاء إلا قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده، قالت أم سلمة رضي الله عنها: يا رسول الله أما فيهم يومئذ أناس صالحون؟
قال: بلى، قالت فكيف يصنع بأولئك؟ قال يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان» أخرجه أحمد. والاتكال على رحمة الله وغفرانه مع الخوض في المعاصي، وأكل أموال الناس بالباطل هي علة من علل هذا الزمان وتغليب الرجاء على الخوف مما افسد إيمان الكثيرين وقد يفسد آخرتهم. أما قوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي:
(أنا عند حسن ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء) فإن إحسان الظن بالله لا يعني مساواة العاصين بالصالحين ولا يعني العفو عن المجرمين والمعتدين، يقول ابن القيم رحمه الله:
وكيف يحسن الظن بربه من هو شارد عنه، حال مرتحل في مساخطه وما يغضبه، فبالله ما ظن أصحاب الكبائر والظلمة بالله إذا لقوه ومظالم العباد عندهم؟ فان كان ينفعهم قولهم حسنا ظنوننا بك أنك لن تعذب ظالما ولا فاسقا، فليصنع العبد ما شاء وليرتكب كل ما نهاه الله عنه وليحسن ظنه بالله، فان النار لا تمسه فسبحان الله ما يبلغ الغرور بالعبد(الداء والدواء).
وسأل رجل الحسن فقال يا ابا سعيد كيف نصنع بمجالسة أ قوام يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تطير؟فقال: والله لأن تصحب اقواما يخوفونك حتى تدرك أمنا خير من ان تصحب أقواما يؤمنوك حتى تلحقك المخاوف.
وقد أخرج البخاري عن أبي سعيد قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت قدموني قدموني وان كانت غير صالحة قالت يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق).
فحسن الظن بالله ناجم عن معرفته سبحانه وتعالى وهو (الملك العدل السميع البصير القهار الجبار المطلع) على ما في الصدور، وما أحسن الظن بالله من أمل أن يساوى بين العامل والعاطل، والظالم والعادل، والمحسن والمسيء.
قال ابن القيم: إن حسن الظن إن حمل على العمل وحث عليه وساق إليه فهو صحيح، وان دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي فهو غرور.
وحسن الظن النافع له ثلاثة أركان: المحبة والخوف والسعي، فالمحبة ناجمة عن المعرفة لذي الكمال، والخوف ناجم عن المعرفة لذي الجلال، والسعي دليل المحبة والخوف ودليل المعرفة الحقة.
ومن رجا شيئا كان محبا له خائفا من فواته عليه ساعيا لتحصيله بقدر ما أوتي من طاقة، أما الرجاء الذي لا يصحبه خوف وسعي ولا يزيد على محبة وأمنية فهو أشبه بمن يطلب الحصاد دون زراعة أو يطلب الولد دون زواج.
وأحوال الصحابة رضوان الله عليهم خير بيان لمعنى حسن الظن بالله، فهذا الصديق رضي الله عنه مع علو مقامه وقربه من الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام كان يبكي كثيرا ويقول: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن، رواه أحمد.
وعند موته رضي الله عنه وهو المبشر بالجنة قال والله لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد.
وهذا عمر الفاروق قرأ سورة الطور حتى إذا بلغ (إن عذاب ربك لواقع) بكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعاده الناس، وهذا عثمان ذو النورين كان إذا وقف على القبر يبكي حتى يبل لحيته وقد قال: لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي لاخترت أن أكون رمادا قبل إن أعلم إلى أيتهما أصير.
وهذا علي رضي الله عنه كان أخوف ما يخاف من طول الأمل واتباع الهوى، قال: فأما طول الأمل فينسي الآخرة وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق. فان كان هذا حال الصحابة الكرام فما حالنا وقد أحسنا الظن بأنفسنا ولم نحسن الظن بالله كما أحسنوا.
ماهر سقا أميني