قال الله تعالى في محكم تنزيله(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد)، والمقصود بالحاكم في الحديث هو العالم المجتهد.
من عظمة الإسلام تعدد الاجتهادات والآراء الفقهية بين علمائه مما أعطاه سعة كبيرة في فهم مقاصده ولكن نرى الآن أن الإسلام دين الفطرة يُحارَبُ اليوم محاربةً شديدة لاهوادة فيها، عن طريق سلاح التفريق، سلاح التمزيق، تمزيق الأمة الإسلامية، وتحويلها إلى مِزَقٍ وشتات كاستثارة التفرق والتنازع عن طريق الخلافات الدينية المختلفة لذلك ينبغي على كل مسلم مخلص لله عز وجل صادق في إسلامه أن يعلم هذه الحقيقة، ولقد وعى الرعيل الأول من المسلمين وسلفنا الصالح رضوان الله عليهم هذه الحقيقة.
وكان اختلافهم محصوراً في المسائل الاجتهادية الدينية، وكانوا في ذلك حراساً لقلوبهم محافظين صلة القربى والأخوة الإسلامية القائمة فيما بينهم، فلم يُفْسِد الاختلاف الاجتهادي في المسائل الدينية للوُدِّ قضية قط، ولم يكن يوماً ما سبباً لتنازعٍ أو لتفرق بشكل من الأشكال.
ففي عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وعصر التابعين ومن تبعهم خلافات اجتهادية كثيرة ظهرت، كل استند إلى ما فهمه من مصادر دين الله سبحانه وتعالى القرآن والسنة، فاتخذ من الاجتهاد الذي تمسك به ونحا إليه وسيلة لعبادة الله عز وجل، ولئن اختلفت الاجتهادات فيما بينهم في مسائل جزئية كثيرة فإن جذع التعبد لله سبحانه وتعالى جمع بينهم، كل يطرق باب استرضاء الله سبحانه وتعالى فيما فهم، اختلفوا في الجزئيات لكنهم اتحدوا في الهدف.
إلا وهو الوصول إلى رضا الله سبحانه وتعالى، وأجرٍ ادخره الله عز وجل للمجتهدين في الدين، فإما أن يكون أجراً مضاعفاً، أو أن لايكون مضاعفاً، كل وضع نصب عينيه، لقد كان الصحابة رقباء على قلوبهم، وكانوا رقباء على صلة الأخوة الإسلامية التي عقد الله جل جلاله رباطها فيما بينهم، فلم تنقطع هذه الصلة قط بسبب تلك الاختلافات الاجتهادية.
واستمر الأمر على هذا المنوال، مثال ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم نادى في أصحابه إلا لايصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة، واتجه الصحابة جميعاً لينفذوا أمر رسول الله، إلى بني قريظة.
ولكنَّ فئة منهم لم تستطع الوصول إلى بني قريظة في الوقت الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتذاكروا فيما بينهم أيصلون العصر في الطريق كي لاتفوتهم صلاة العصر، أم يؤخرون الصلاة وإن فاتت كي لايخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فكانت النتيجة أن اختلفوا فمنهم من أصر على أن يصليها في الطريق مُحْتَجًّا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قصد الإسراع، ومنهم من أصر على أن لايصليها تنفيذاً لحرفية الأمر الصادر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما وصل الجميع إلى بني قريظة وعرف المصطفى صلى الله عليه وسلم خلافهم هذا لم يعنف بشكل من الأشكال أحداً منهم لأن اختلافهم هو اختلافٌ اجتهادي مشروع، فكلا الفريقين كان يريد وجه الله سبحانه وتعالى.
ولقد ظلّ المصطفى صلى الله عليه وسلم حريصاً على الا يكون الاختلاف في الأمور الدينية سبباً للتنازع والتفرق، والخصام والتدابر.
ونرى اليوم هذه الحرب الضروس، التي يتجه بها الكائدون للإسلام والحاقدون عليه إلى المسلمين في كل بقاع المعمورة، ننظر فنجد أن أعداء هذا الدين يرون نقطة ضعف عظيمة في حياتنا نحن اليوم.
وهي أن كثيراً من المسلمين يقتاتون على هذه الخلافات الاجتهادية، يجعلون من هذه الاختلافات الاجتهادية غذاءً لأنانياتهم، وغذاءً لمقارعة آرائهم المذهبية فيتباهى كلٌّ بما انتهى إليه من علم لم يبلغه الطرف الآخر، وهكذا نظر العدو فرأى أن الاختلافات الاجتهادية بين المسلمين يمكن تحويلها إلى سبب من أخطر أسباب .
أشرف محمد شبل