لا تزال أرض النيل تشغل عقول وقلوب ملايين الناس في العالم بما تحتويه من كنوز اثرية وتاريخية وطبيعية جعلتها واحدة من أبرز نقاط الجذب السياحي في العالم. فالحضارات التي تعاقبت على أرض مصر منذ فجر التاريخ جعلت منتوجها السياحي متفردا ومتعدد الوجوه.
مصر التي حباها الله بخيرات كثيرة وذكرها عن سائر البلدان عدة مرات في القرآن الكريم ويتداخل في تاريخها الاثري بالديني، متحف لا تحده مساحة ولا زمان وهي عطاء انساني بلا حدود على مر العصور.وزادها جمالا على جمال، الشخصية المميزة للمصري التي جبلتها حضارات متصلة منذ سبعة الاف عام في ارض لم تتغير جغرافيتها منذ كان النيل، فجعلته اجمل مشهد سياحي في ام الدنيا بابتسامته الدائمة والصافية.والزيارة التي نظمتها مجلة سواح السعودية المتخصصة في السياحة لوفد اعلامي خليجي مؤخرا واستضافتهم فيها هيئة تنشيط السياحة في مصر اختارات للوفد للزائر مواقع مميزة تتناسب مع توقيت الزيارة في فصل الشتاء.فكان الوصول الى القاهرة قبل ان تقلنا الطائرة الى اسوان في الجنوب ومنها بمركب نيلي الى الاقصر لتعيدنا الطائرة مرة اخرى الى القاهرة ومنها بالحافلة الى العين السخنة على ساحل البحر الاحمر.
في الحلقة الماضية عرضنا لزيارة اسوان ومعالمها السياحية، واليوم يأخذنا النيل معه شمالا الى الاقصر على انغام «مصر التي في خاطري» في رحلة سياحية من ذهب.فبعد ان يغادر النيل اسوان متجها شمالا يأخذ السائح معه لتتبع جغرافيا مساره في رحلة نيلية حالمة تستمر يومين الى الاقصر ايقونة السياحة التاريخية التي وصفها الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي خلال زيارته لها العام الماضي بأنها مدينة فريدة في العالم.وهي رحلة ينقلك فيها النيل ليعرفك على ما صنعه من جمال وخضرة وحياة على ضفتيه منذ كان، ليعيد الى الأذهان أكثر من سبعة آلاف سنة من الحضارة، فهو سجل حي لأرض غنية بالفنون والتاريخ، بالشخصيات والأماكن، بالمعتقدات والأديان.ففي رحلة بالفنادق النيلية العائمة ذات الخمسة نجوم والبالغ عددها 288 والتي تتنقل ليل نهار بين أسوان والاقصر يشعر السائح بأنه يستلقي على صفحة النيل وهو يشاهد خضرة المزارع على ضفتي النيل والمزارات الاثرية على طول الطريق ويتابع شروق الشمس وغروبها وسط الخضرة والآثار.
قبل ان يتوقف في منتصف الطريق تقريبا عند مدينة ادفو التي يوجد بها أفضل معبد فرعوني ظل مصانا في مصر، ويحرص على زيارته جميع المهتمين والمولعين بالآثار منافسا معابد الاقصر، فهو يعتبر الثاني في ضخامته بعد معبد الكرنك، علاوة على أنه يحتوي على مقياس للنيل.وبعد يوم اخر من الابحار في النيل شمالا يصل المركب الى الاقصر. وما ان تطل ملامح المدينة حتى تحاصر ناظريها كثرة المزارات السياحية فيها، فلا يكاد يخلو مكان فيها من أثر.فهي المدينة التي كانت عاصمة للدولة الفرعونية الحديثة قبل تنتقل العاصمة الى منف في الشمال، واشتهرت حينها باسم واست، تحور الاسم إلى طيبة وسماها هوميروس شاعر الاغريق بـ «مدينة المئة باب» ومن اسمائها مدينة الشمس ومدينة النور ومدينة الصولجان.وسماها العرب الأقصر لكثرة القصور والصروح فيها التي لا تزال قائمة الى اليوم شاهدة على حضارة النيل الذي يقسمها إلى شرق وغرب، وهي عند الفراعنة قسمة فلسفية.
فالشرق اختاروه للسكن والمعيشة والعبادة لأن الشمس تشرق من ناحيته ففيه الحياة، أما الغرب، فيضم المقابر وهو مدينة الأموات واختاروه لدفن موتاهم لأن الشمس تغرب من جهته.
والأقصر التي تحولت الى محافظة قبل اشهر وتبعد عن القاهرة 620 كم جنوبا تعد أشهر المدن الأثرية في العالم فهي مخزن الحضارة الفرعوينة وفيها أكثر من 800 مزار اثري وسياحي وتضم اهم ما ورثته مصر من تراث انساني، فهي تضم الكثير من الآثار، أهمها معبد الأقصر ومعابد الكرنك ومقابر وادي الملوك والملكات والمعابد الجنائزية، وغيرها الكثير.
وهي اليوم مزار سياحي عالمي واهم مشتى مصري اختارها الرئيس الفرنسي الاسبق فرانسوا ميتران لقضاء اجازته الشتوية مثلما كان يفعل الملك فاروق.
أهم آثار الضفة الغربية للمدينة
وادي الملوك: وهو واد طبيعي صغير، يبعد حوالي ستة كيلومترات من الضفة الغربية للنيل. ويحوي مقابر في الصخر للاسر الثامنة عشرة، وحتى نهاية الأسرة العشرين التي امتدت من 1539 إلى 1075 قبل الميلاد عندما كانت طيبة (الاقصر) عاصمة الفراعنة لمدة 450 سنة أثناء عهد الدولة الفرعوينة الحديثة الذهبي.
وتم اكتشاف مقابر لملوك ولغير الملوك من بعض أعضاء العائلة الملكية والكهنة وكبار الموظفين. وبها 63 موقعا يبن مقبرة وخبيئة، 26 منها لملوك والباقي لكهنة او رجال دولة او لم يتم العرف عليها بعد.
وتم نحت المقابر التي قام ملوك الدولة الحديثة بنحتها في باطن صخر الوادي حتى تكون بعيدة عن عبث اللصوص.
والجبل الذي يطل على الوادي له قمة هرمية بنى ملوك «الفراعنة» مقابرهم أسفلها تقليدا للشكل الهرمي الذي دفن أسلافهم الملوك في الدولتين القديمة والوسطي. وكانت تحوي مومياء الفرعون واثاثه الجنائزي.
وتتألف كل مقبرة من ممر ضيق هابط بطول يصل الى نحو 200 متر وعدة حجرات مزينة بصور ونقوش ونصوص تتعلق بحياة الملك المتوفى في العالم الاخر كما كان يعتقد الفراعنة. والمقبرة بعيدا عن المعتقد الفرعوني شاهد على مدى تقدم فنون العمارة، ونقوشها الملونة.
ومكتشف مقابر الوادي هو البريطاني هوارد كارتر الذي كشف اولا عن قبور تحتمس الرابع، ويويا وتويا، والملكة حتشبسوت قبل ان يكشتف في العام 1922 قبر رمسيس السادس ثم المقبرة الاشهر في التاريخ الفرعوني مقبرة توت عنخ آمون بكل اثاثها الجنائزي التي ظلت مخبأة على مدى تجاوز ثلاثة آلاف عام. لذلك اعتبرت المقبرة أكمل كنز ملكي عثر عليه.
إذ يتألف من ثلاثمائة وثمان وخمسين قطعة تشمل القناع الذهبي، وثلاثة توابيت على هيئة الإنسان، أحدها من الذهب الخالص، والآخرين من خشب مذهب معروضة جميعها في المتحف المصري في القاهرة.
معبد الملكة حتشبسوت: وفي موقع غير بعيد عن وادي الملوك يقع معبد الملكة حتشبسوت في حضن جبل شامخ. وتم تشييده على ثلاثة مسطحات كبيرة اتخذت شكل الشرفات يعلو احدها الاخر يقسمها طريق صاعد. وهو من المعابد الفرعونية النادرة التي خلا تصميمها من المسلة.
واستند المعبد بظهره على الجرف الصخري، محققا تصاعدا تدريجيا إلى اعلى. وسمي بمعبد الدير البحرى في القرن السابع الميلادي بعد أن استخدمه الأقباط ديراً لهم .
تمثالا ممنون: وهما كل ما تبقى من معبد الفرعون امنحتب الثالث ويصل ارتفاع الواحد نحو 20,19 مترا. واطلق الإغريق هذا الاسم عليه عندما تصدع التمثال الشمالي منهما وأخرج صوتا فشبهوه بالبطل الأسطوري ممنون الذي قتل في حرب طروادة.
أهم آثار الضفة الشرقية
معبد الكرنك: ويعتبر أكبر معبد بني في العالم القديم وأهم المعابد الموجودة بمنطقة الأقصر، وهو عبارة عن ثلاثة معابد بنيت بدايةً من الأسرة ال11 حوالي في العام 2134 ق.م، واستمر البناء فيه نحو 1500 عام وتبلغ مساحته حوالي 60 فدانا.
وكان كل ملك يرتقي العرش يضيف اليه بعض الاضافات متمثلة في معبد جديد أو مسلات أو بهو أعمدة أو تماثيل أو صروح شكلت في مجموعها هذا الحشد الهائل من المباني التي تظهر مراحل تطور الفنّ والهندسة المعمارية الفرعونية.
وللمعبد قاعة ضخمة لها سقف محمول على 122 عمودا عملاقا بارتفاع 21 مترا مصطفة في 9 صفوف، مليئلة بالنقوش. ويتقدم المعبد مسلتان إحداهما ما زالت قائمة والأخرى موجودة الآن في ميدان الكونكورد في باريس.
ويتميز المعبد الذي سُمي بالكرنك بعد الفتح الإسلامي بمعنى الحصن بعروض الصوت والضوء التي تقام كل مساء وتستمر ساعة ونصف الساعة، وتحكي قصص تاريخ طيبة وسيرة ملوكها.
ويتم العرض بسبع لغات هي العربية والانجليزية والفرنسية والالمانية واليابانية والايطالية والاسبانية. ويرتبط المعبد بمعبد الاقصر بطريق يبلغ طوله نحو كيلو مترين على جانبيه صفان من التماثيل على هيئة «أبو الهول»، لكل منه رأس كبش وجسم أسد. والطريق يسمى طريق الكِباش الذي يجري حاليا اعادة فتحه وترميمه.
ومن المشاهد الملفتة في معبد الاقصر مسجد أبي الحجاج الذي بني داخل المعبد، والكنيسة القبطية المجاورة للمسجد بنفس المعبد في مفارقة تثير الدهشة وتساؤلات السياح.
وفي المدينة معابد اخرى كثيرة منها هابو والرمسيوم وفيها متحف يقع بين معبدي الاقصر والكرنك ويضم المجموعات الأثرية الفرعونية التي عثر عليها في المدينة والمناطق المجاورة ومتحف التحنيط الذي يعد الأول من نوعه في العالم ويضم 150 قطعة ما بين مومياوات وتوابيت وأدوات التحنيط.
تحديث المدينة
ولأن المدينة أهم مشتى سياحي في مصر وبؤرة جذب لعشاق الحضارة الفرعونية، وتجذب الشريحة الأكبر من السياحة الاجنبية الى مصر، وعلى رأسها السياح الايطاليون والالمان والانجليز واليابانيون، فقد شهدت اهتماما كبيرا بترميم آثارها ومتاحفها خلال السنوات الماضية وتطوير النبى التحتية فيها حتى صارت تجمع عراقة التاريخ، وحداثة اليوم.
حيث شهدت خلال الفترة الأخيرة جهودا حكومية مكثفة لتطويرها وتحديثها بشكل يليق بتاريخها ويحولها إلى أكبر متحف عالمي مفتوح بتكلفة تبلغ 2,1 مليار جنيه مصر ويعيدها الى صدارة المشهد الذي كانت عليه منذ آلاف السنين.
واهتمت المدينة باقامة المراكز الثقافية والعلمية فتم مركز التراث الحضاري ومكتبة مبارك وهي اول مكتبة في جنوب مصر تهتم بعلوم المصريات القديمة وهي مرتبطة الكترونيا مع المكتبات العالمية في نفس المجال.
ووفقا لمحافظها اللواء سمير فرج فقد تم في العام 2004 بلورة خطة شاملة لتطوير المدينة سياحيا وصحيا وتعليميا وبيئيا وزراعيا وصناعيا للوفاء بمتطلبات واحتياجات المدينة حتى عام 2030 ويتم تنفيذها على مراحل.
موضحا ان قلب الاقصر سيكون خاليا من السكان مع تنفيذ المرحلة الاخيرة للخطة، حيث يتم ازالة العشوائيات ونقل السكان الذين يتم بناء بيوت جديدة لهم او تعويضهم من المناطق الاثرية الى مناطق حديثة مزودة بكل الخدمات.
ويؤكد محافظ الاقصر ان المدينة انتهت من تنفيذ المرحلة الأولى من خطة التنمية التي تستهدف إضافة الطابع الحضاري لها بمكونات متناسقة للمدينة وتحويلها الى مدينة عالمية.
وقال ان الخطة تتناسب ومقام هذه المدينة الحضارية التي تستقبل اربعة ملايين سائح كل عام لذلك يتم تحديث كل شيء في المدينة من طرق ومحطات قطار والمطار ومرسى السفن وبناء فنادق حديثة وفقاً لأحدث المواصفات التقنية والحضارية العالمية، مشيرا الى ان تمويل هذه المشروعات يأتي نحو ثلثها من الاتحاد الاوروبي.
واكد ان الاقصر التي يتم فيها الآن بناء اكبر قاعة للمؤتمرات بمصر ومدينة ترفيهية اصبحت مفتوحة لاستقبال المشروعات الاستثمارية سواء المصرية او الخليجية والعربية ولجميع أنواع الاستثمارات الصناعية والزراعية.
اضافة الى الاستثمار في القطاع السياحي الذي تتركز الاستثمارات فيه على انشاء سلسلة فنادق ستصل إلى 50 فندقاً خلال خمس سنوات لتضاعف عدد الغرف الفندقية في المدينة لاستيعاب الاعداد المتزايدة من السياح.
وكان المحافظ سمير فرج وهو عسكري سابق اعلن في تصريحات سابقة خلو المشروعات في المدينة من البيروقراطية والفساد بسبب تكليف القوات المسلحة بتنفيذها إضافة إلى ان الاعمال الاستشارية تتولاها كلية الهندسة بجامعة عين شمس.
العين السخنة مزار شتوي صيفي وأقرب منتجع بحري للقاهرة
من المزارات السياحية الشتوية والصيفية في مصر منطقة العين السخنة وهي اقرب الشواطئ الى القاهرة حيث تبعد عنها ساعة بالسيارة (140كم).
والمنطقة منتجع فخم على شاطئ البحر الاحمر وتضم فنادق فئة خمسة نجوم وشاليهات مؤجرة او مملوكة.
وتتميز بطقسها المعتدل وطبيعتها الساحرة اللذين جعلا منها افضل المناطق للاجازات والعطلات صيفا وشتاء، وتمتد لمسافة 80 كم على ساحل البحر الأحمر الذي يتميز بمناظره الرائعة ومياهه ذات الالوان الزاهية المتعددة ومجموعاته السمكية الهائلة وبيئته البحرية الغنية، ورماله البيضاء الناعمة وشواطئه البكر.
وتتخلل ذلك هضاب صخرية ذات تكوينات جيولوجية نادرة.
وفي العين السخنة يجد المغرمون بالشواطئ والرياضات البحرية مبتغاهم كالتزلج على الماء وركوب القوارب السريعة ورحلات الصيد البحرية وقائمة طويلة من المتع والهوايات والانشطة المتاحة في المنطقة.
وتحظى مكونات الطبيعة في منطقة العين السخنة بسحر وجاذبية خاصة وتشكل جبال عتاقة والجلالة البحرية وغيرهما مع الوديان عنصرا رئيسيا في مقومات جذب السياح والزائرين المحليين الذين يرغبون في الهرب من ازدحامات القاهرة الى الراحة والهدوء والاستجمام.
والعين السخنة التي تتبع إداريا محافظة السويس سميت بهذا الاسم نظرا لكثرة عيون المياه الكبريتية الساخنة التي يقصدها السياح غالبا للاستشفاء.
رحلة تعريفية ثانية إلى المزارات السياحية الصيفية
تنظم مجلة سواح السعودية رحلة تعريفية ثانية هذا العام لوفد إعلامي خليجي الى جمهورية مصر العربية في مايو المقبل.
وقال رئيس تحرير المجلة أحمد الشريدي ان الوفد الذي يمثل كبرى الصحف الخليجية وتستضيفه هيئة تنشيط السياحة المصرية ستتاح له فرصة التعرف على المزارات السياحية الصيفية في مصر بعد ان اتيحت للوفد الذي مصر في فبراير الماضي فرصة التعرف على المزارات الشتوية مثل الاقصر واسوان والعين السخنة.
واوضح ان الرحلة التي تبدأ من القاهرة سوف تشمل الإسكندرية حيث سيتمكن الوفد من تغطية اجتماع وزراء السياحة العرب والالتقاء بهم حيث تم ترتيب موعد الوصول مع اجتماعات الوزراء.
وبعد الاسكندرية ينتقل الوفد إلى الغردقة جواً ومنها بالحافلة الى مدينة مرسى علم قبل العودة الى القاهرة في نهاية الرحلة.
الأقصر- نور سليمان



