لا شك في أن الشباب هم رمز الفتوة والقوة التي تبني ولا تهدم كي يسعدوا أنفسهم ومن حولهم، من خلال استغلالهم للعلم الذي حصلوا عليه، ومن خلال استغلال الوقت في كل ما يفيد، وهم في كل ما يقومون به لا يستغنون عن خبرة وحكمة الآباء الذين عرفوا الحياة وعرفوا النافع من الضار.

والشاب الذي ينشأ في بيئة خصبة للعلم والمعرفة، ينشأ على حب العلم، الأمر الذي يجعله يقلد أباءه في التحصيل العلمي ويضع في ذهنه أنه لابد أن يكون شيئاً ذا قيمة في مجتمعه.

وهذا يتطلب منه أن يظل ثابتاً على ما نشأ عليه في التمسك بأمور دينه واتباع ما جاء به الإسلام الذي ينير له الطريق، بدلاً من أن تأخذه الصرعات المدنية من الانحلال الفكري، تجده يبحث عما يستفيد منه، فيحاول مثل غيره أن يكون فاهماً ودارساً لتلك الأجهزة الحديثة التي تحوي كثيراً من المعلومات، فيستبعد منها الضار ويأخذ منها الصالح، واللالفت للنظر في هذه الأيام أن كثيراً من الأولاد والبنات قد نبهوا ونبغوا في استخدام الأجهزة الحديثة.

وربما تفوقوا في هذا المجال على آبائهم الذين عملو قدر جهدهم لتوفير الأجهزة الحديثة لأبنائهم، ولم يهتموا بها ولم تمكنهم ظروفهم من فهم هذه الأجهزة من حيث التشغيل أو البحث فيها عن كنوز المعرفة المفيدة.

ووسط الانشغال بتلك الأجهزة نجد بعض الشباب ترك العنان لفكره في أن يلم بالطيب والخبيث مما تحويه تلك الأجهزة، وفي المقابل نجد الشاب الذي تربى تربية سليمة يأخذ من تلك الأجهزة ما يفيده وما يعود عليه بالنفع ويترك ما يؤدي إلى الشطط الفكري الذي يوحي إليه أن هذه هي المدنية.

وهذا هو التقدم، وأي مدنية تلك التي تأخذ وقت الشاب وتلهيه عن واجباته اليومية كالتحصيل الدراسي وأداء العبادات المفروضة عليه أو التي تجعله يظن أن فكره هو الثاقب وأن فكر الآباء متخلف ويحتاج إلى تعديل. وقد قيل: وهدى التجارب في الشيوخ وإنما أملُ البلاد يكون في شبّانها

الشاب الذكي هو الذي يجمع بين همّة الشباب وحكمة الشيوخ فيحاول أن يغتنم شبابه قبل هرمه، وصحته قبل سقمه، كما يقول المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: اغتنم خمساً قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك.

الشاب الرشيد والموفق هو الذي لا يضيع وقته سدى دون أن يستفيد منه في عمل ناجح ويحقق لنفسه ما يصبوا إليه من طموح وتطلعات، وهو الذي لا يستغني عن خبرة الكبار وأفكارهم حتى لا يتوه وسط الطريق ووسط زحام الحياة، لأنه سيسأل عن كل شيء.

فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن علمه ماذا عمل فيه.

وإذا لم يحاول الشاب تحقيق غاياته، فياليت شعري أي وقت يحاول؟ والملاحظ في دنيا الشباب أنهم يريدون الاستقلالية ونيل الحرية الشخصية عن العائلة، لأنهم يريدون أن يثبتوا للجميع أنهم قادرون على تحقيق مستوى أفضل في حياتهم.

وهذا شيء لا غبار عليه، لكن دون الانفصال بالكلية عن الأهل الذين وقفوا معهم منذ الطفولة حتى صاروا يافعين قادرين على الكسب، فأنت ومالك لأبيك كما وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أن هذه الاستقلالية التي يتحدثون عنها أحياناً تسبب مشكلات جعلت البعض منهم يدخل في دائرة العقوق يوم نسوا الوالدين الكبار.

ولم يساعدوهم ويقفوا بجانبهم إذا كانوا في حاجة لمساعدتهم لدرجة أننا نجد معظم الأبناء صاروا يتأففون من أبائهم وأمهاتهم وطلباتهم لدرجة أنهم امتنعوا عن زيارتهم، فكان مصير الآباء دار المسنين والعجزة، وكثيراً ما تسمع عن حالات يندى لها الجبين لهذا التجاهل المتعمد من قبل الأبناء للذين سهروا على راحتهم وتربيتهم.

والسعيد من حافظ على رضا الوالدين الذين قال الله تعالى في كتابه الكريم «فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا».

وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «جئت أُبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان! فقال: ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما».(رواه أبو داود)

حامد واكد