ينظر بعض الناس الذين لم تتح لهم فرص التعرف على الإسلام إلى الإسلام نظرة نفور وبعد عنه، وسواء في ذلك أبناؤه الذين لا ينظرون فيه ككل، أو غير أبنائه الذين لا يعرفون عنه شيئاً.
فالدين الإسلامي هو دين الفطرة؛ أي الخلقة الإنسانية والطبيعة الآدمية التي خُلق الإنسان عليها وتكون نفسياً وجسمياً، فهو بهذا ليس بعيداً عن ميول الإنسان، ولا مجافياً لطباعه، ولا متعارضاً مع إشباع ذاتيته الجسمية والنفسية، في الحدود التي لا تضر به، ولا تؤذي غيره.
وفي ذلك يقول الله تعالى، منكراً على هؤلاء الذين يباعدون بين الإنسان وبين استعداده الفطري: «قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك يفصل الآيات لقوم يعلمون».
خالصة يوم القيامة؛ يعني الزينة مختصة بهم. ومن قبل هذه الآية أمرنا بلبس فاخر الثياب والأكل والشرب من دون سرف «أي تبذير» أو إتلاف، فقال: «يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين».
وفي آية أخرى ينهى عن التقتير والشح، فيقول: «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً». التقتير = البخل على أولاده وأهل بيته. الشح = البخل على نفسه وعدم التمتع بالطيبات.
ويقول أيضاً مادحاً هؤلاء الذين يعرفون من الإسلام هذا الجانب المشرق المعقول: «والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً». قواماً يعني وسطاً. فجعلهم لأجل ذلك ضمن سكان الجنان، وإنهم لهذا.
فقال: «يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما». ويلقون: يعني يسمعون من الملائكة التحية والسلام. ويحض الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك فيقول: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده».
وعلق رجل على قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر». وقال له: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً!. فقال: «الكبر بطر الحق، وغمط الناس».
بطر الحق يعني إنكار الحق، وغمط الناس: ظلمهم. وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله جميل يحب الجمال». وفي إيجابه صلى الله عليه وسلم النفقة للزوجة على زوجها لم يقدرها بقدر معين أو محدود، وإنما تركها لظروف الزوج؛ حسب يساره أو عساره، فهذه إشارة إلى إباحة الطيبات والتمتع بها في غير سرف ومخيلة.
كبر هذا من ناحية التكوين الجسمي والهيئة الشخصية بالنسبة للإنسان. أما من ناحية التكوين النفسي، فإن الإسلام قد قرب من هذه الناحية قرباً ربما كان أبعد في الغرابة عند هؤلاء الذين لم يتعرفوا إلى الإسلام.
فقد نظر إلى الزواج أولاً على أنه طريق الفطرة. وتلبية لحاجة من حاجات النفس. فقال صلى الله عليه وسلم: «من أحب فطرتي فليستن بسنتي، ومن سنتي النكاح».
ونظر إلى الزواج على أنه من الإشباع النفسي إلى جانب الإشباع الجنسي، يقوم على المودة والتعاطف والميل النفسي بين الرجل والمرأة. فقال تعالى: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها».
وجعل هذا التعاطف في هذه الآية نعمة منه تعالى جديرة بالشكر وعبادته عليها. كما قال في آية أخرى: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة».
وفي معرض الامتنان علينا بنعمه وأنه أباحها لنا يقول: «والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات».
فهذا الاتحاد النفسي المشار إليه في هذه الآيات الثلاث هو التوافق الجنسي والميل بين الزوجين الذي خلقه الله فينا ولنا، وأباح لنا التمتع به، وجعل هذا نعمة من نعمه.
وفي استغلال هذا الميل النفسي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «تزوجوا الولود الودود». والودود: صاحبة المودة والوجه المستبشر الضاحك. ويقول أيضاً: «خير النساء من تسر إذا نظرت، وتطيع إذا أمرت، وإذا غاب عنها زوجها حفظته في نفسها وماله». ويشيد الحق تعالى بهذه الصفة بين الزوجات فيصف نساء أهل الجنة في قوله:
«إن للمتقين مفازاً حدائق وأعناباً وكواعب أترابا»؛ يعني بأنهن شابات قريبات في السن، وهذا أدعى إلى التوافق والانسجام النفسي بين الزوجين. كما أكد ذلك قوله: «عرباً أتراباً». والعروب: المرأة المتحببة إلى زوجها.
وامتداداً لهذا يصف القرآن الكريم الحور العين بما يشير إلى إباحة الأخذ من هذه الناحية لبني الإنسان، وتلبية رغبات النفس فيها، في حدود ما رسم الله لنا، فيقول في وصف الجنان وإن فيها من الجزاء الطيب للمؤمنين: «فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، فبأي آلاء ربكما تكذبان».
وإن هؤلاء القاصرات النظر على أزواجهن لا يتعدى نظرهن إلى غيرهم، بلغن النظافة والجمال والروعة «كأنهن الياقوت والمرجان فبأي آلاء ربكما تكذبان»، ومن هنا فإن الإسلام لا يقف في طريق تجميل المرأة وزينتها في كل شيء، بل هو يحرص على ذلك، ولكن لزوجها؛ أي بعلها فقط. وكما قالت الآية الكريمة:
«ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن»، بل هو يطالب إليها كما تشير إلى ذلك الآيات المتقدمة بأن تتقرب إليه بما تستطيع بذله من زينة وتجمل وأن تتقرب من نفسه كامرأة جميلة بكل وسائل التجميل التي تراها والتي تستعين فيها بغيرها، ولكن من النساء لا من الرجال، وفي داخل بيتها أو قصرها.
كأن تصفف شعرها من أجل زوجها على أي وجه وبأية كيفية، وأن تتخذ ما تشاء من العطور وأدوات الزينة، وما تشاء من ألوان الملابس وطريقة تفصيلها.
وليس التجميل ممنوعاً في الشرع من الزوجة، وهو من مكملات شخصيتها، ومن لوازم السكن النفسي بين الزوج وزوجته، كما هو أيضاً مطالب بأن يظهر أمام زوجته بالمظهر الذي يجذبها إليه، في غير ابتذال وخلاعة ورخص، ولا نزول عن آداب اللياقة ومكملات الرجولة.
عرض على إحدى الفتيات أحد الأزواج في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرفضته خاطباً وزوجاً، وأصرت على ذلك، فاستعان أهلها بعمر رضي الله عنه على حملها على الرضا بهذا الخاطب، يعني بالموافقة عليه.
فأمر عمر بإحضاره ومثوله بين يديه، فرأى فيه مظهراً مشعثاً (يعني منكوش الشعر) وغير نظيف، فأمره بالاستحمام والتنظيف وإكرام شعره، يعني تمشيطه وتنظيفه.
ولبس ملابس لائقة غير التي كانت عليه، ثم أمرهم بأن يعرضوه عليها وهذه البزة الحسنة، يعني الهيئة أو الشكل. فرضيت به، فقال عمر رضي الله عنه معلقاً على ذلك: «تجملوا لهن فإنهن يعجبهن منكم ما يعجبكم منهن».
وكان صلى الله عليه وسلم يرجّل شعره ويتخذ المدار؛ أي المشط، وقد قال في هذا: «إذا كان لأحدكم شعر فليكرمه». على أن اللهو البريء في المناسبات السارة كالخطبة والزواج لم ينكره الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد ذهبت السيدة عائشة مدعوة في زفاف إحدى الفتيات إلى زوجها.
فلما رجعت سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم عما فعلت في تلك المناسبة، فأجابت بما يشعر بأنهن اتخذن لهواً محدوداً، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «هلا بعثتم معها جارية تضرب لها بالدفاف وتغني؟» .
وهذا طبعاً حيث تؤمن الفتنة، ولا يختلط الرجال غير المحارم بالنساء. هذا هو الإسلام في نظرته إلى زينة الحياة الدنيا لكل من الرجل والمرأة. ومن أراد يا إخوان المزيد من هذا الموضوع فعليه بالإقبال عليه في دراسته في القرآن وفي أحاديث النبي صلى الله عليه، فسيجد أن الإسلام أقرب إلى نفسه وألصق بطباعه المعتدلة.
وسيجد أن الإسلام هو الدنيا الجميلة التي ترضي أصحاب الذوق الرفيع والمزاج المعتدل والطباع الإنسانية التي تبغي والتوسط والاعتدال، «قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة».
اللهم جمّلنا بالتقوى، وزيّنا بالإيمان.. آمين.
عبدالكريم صقر
