أطلق مشغلو الاتصالات في مجلس التعاون الخليجي برامج توسع دولية غير مسبوقة منذ عام 2004، بفضل قوتهم المالية ومع ارتفاع وتيرة المنافسة وتشبع أسواقهم المحلية.

غير أن العمل على مستوى دولي يؤدي بحسب دراسة جديدة لبوز أند كومباني إلى مجموعة جديدة من التحديات، ومن يتمكن مِنَ المشغلين من التصدي لها بأكبر فعالية ممكنة سيكون مؤهلاً لتحقيق أعلى قيمة من استثماراته واحتلال مكانة بين كبار المشغلين العالميين.***تجاوز الحدود وكسرها ***قبل عام 2004، كان المشغلون في مجلس التعاون الخليجي مجموعين يعملون فقط في ست أسواق خارج بلدانهم.أما اليوم فيبلغ عدد هذه الأسواق 78، مع اعتماد سياسات حكومية في بلدان مجلس التعاون تعزز نزعة المشغلين هذه إلى العالمية. فقد ارتفعت أرباح المشغلين وازدادت قوتهم المالية، تماماً كما ارتفعت وتيرة المنافسة في أسواقهم المحلية.وقد أدى هذا إلى ميل متزايد نحو العالمية، إذ سعى المشغلون إلى النمو من خلال عمليات الدمج والاستحواذ. وقد وصلت القيمة التي تم الإعلان عنها لأنشطة الدمج والاستحواذ لمشغلي مجلس التعاون في الفترة الممتدة بين عامي 2004 و2009 إلى 33 مليار دولار.

غير أن العمل على مستوى عالمي ينطوي على مجموعة جديدة من التحديات. وفي هذا الإطار، اعتبر كريم صباغ، وهو نائب رئيس في بوز أند كومباني ومسؤول عالمي عن قطاع الاتصالات ووسائل الإعلام والتكنولوجيا في الشركة، أن في إمكان قادة مشغلي مجلس التعاون الخليجي ضمان نمو عالمي بضمان موقع ملائم لشركاتهم لتحقيق أعلى قيمة من استثماراتهم العالمية.

أساس صلب للعولمة

مع استمرار المشغلين في التوسع العالمي، يميل انتشارهم في الأسواق والعمليات إلى التطور وفق ثلاث مراحل: من التركيز المحلي مروراً بالتركيز الإقليمي وصولاً إلى التركيز العالمي، فغالبية مشغلي مجلس التعاون الخليجي هم في المرحلتين الأوليين لهذا التطور.

وهناك خمسة أنواع من التحديات التي يتعين على المشغلين التصدي لها في سعيهم إلى العمل على مستوى عالمي وهي: نماذج نظام الإدارة والنماذج التنظيمية وإجراءات الإدارة والقيم والثقافة وإدارة الموهبة.

نماذج الإدارة

يمثل نظام الإدارة المؤسسية تحدياً مستمراً. وأشار محمد مراد، وهو مدير في بوز أند كومباني إلى أن النجاح في المنافسة العالمية يتوقف على الارتقاء بنظام الإدارة من الدور الإشرافي الحالي إلى آلية حيوية لتوحيد إجراءات التخطيط الاستراتيجي في جميع الشركات التابعة، مما يؤدي إلى التلاؤم ويحدث قيمة ضمن المجموعة برمتها.

ففي الماضي، عمل مشغلو الاتصالات في مجلس التعاون بغالبيتهم في أسواق محمية مع هوامش مرتفعة وضغط خارجي محدود لتحقيق النتائج. نتيجة لذلك، يمتلك بعض من هؤلاء المشغلين أنظمة إدارة موروثة تمنعهم غالباً من الانطلاق إلى العالمية.

وبمجرد تخطي تحديات نظام الإدارة المرتبطة بالعمل على نطاق عالمي، سوف يتمكن المشغلون من مواجهة التحديات التنظيمية المتبقية. وهناك عدد من الإجراءات التي ستساهم في التوصل إلى نظام إدارة مؤسسية أكثر فعالية.

وفي إمكان المشغلين في مجلس التعاون مراجعة مكونات مجلسهم التنفيذي في المركز الرئيسي وتعديلها، عبر جعلها أكثر شمولية مع إدارة عليا للشركات التابعة الدولية. ويتعين عليهم منح هؤلاء المسؤولين التنفيذيين فرصة المشاركة في عملية صنع القرارات الإستراتيجية على المستوى المؤسسي، فضلاً عن توحيد إجراءات صنع القرارات عبر المجموعة.

إلى ذلك، يتعين على المشغلين في مجلس التعاون مراجعة حقوق اتخاذ القرار وإعادة تصميمها لإيجاد التوازن الملائم بين المراقبة في المركز الرئيسي والاستقلالية في الشركات التابعة.

ورأى صباغ في هذا الإطار أن هذا سيضمن حقوق اتخاذ قرار واضحة تعزز قدرة المركز الرئيسي على تحديد المقتضيات المؤسسية الرئيسية وإنفاذها، كما يؤمن ما يكفي من السلطة لكل شركة تابعة دولية لاتخاذ قرارات فعالة على أساس التحديات المحلية، من ضمن المقتضيات المؤسسية.

وأخيراً، يتعين على المشغلين ضمان الامتثال للمقتضيات المؤسسية بشكل ملائم ضمن شركاتهم التابعة عبر تدريب المسؤولين التنفيذيين الذين سيمثلون الشركة في المجالس المشرفة على الشركات التابعة. ويجب أن يتمتع هؤلاء الممثلون بالقدرة على تحديد وتحليل المشاكل الناشئة في الشركات التابعة وملاءمتها مع الاستراتيجية المؤسسية الشاملة.

النماذج التنظيمية

ما من نموذج تنظيمي مفضل واحد لمشغلي الاتصالات في مجلس التعاون الخليجي الذين يسعون إلى تحقيق النمو، لأنّ التوسع العالمي يؤدي إلى تزايد مواطن انعدام الكفاءة التي تعاني منها الهياكل التنظيمية في الوقت الراهن.

ويمكن أن تتضمن هذه العوامل نطاقاً غير متلائم لممارسة السلطة وفيضاً في مستويات الإدارة ونماذج إدارة فوقية.

كما أن عجز وظائف الدعم، مثل الموارد البشرية والخدمات المشتركة، عن تلبية الاحتياجات العالمية قد يمنع النمو.

ولتجاوز هذه التحديات التنظيمية، يمكن أن يلجأ المشغلون في مجلس التعاون إلى إعادة الهيكلة لدمج العمليات العالمية ودعمها وإدارتها. ورغم أنه لا يمكن تجنب بعض عوامل التكرار ومواطن انعدام الكفاءة الأولية عند التوسع بقوة، فإنه يجب تطوير الوظائف الأساسية المركزية القادرة على دعم الشركات التابعة في أسرع وقت ممكن.

ولفت مراد في هذا السياق إلى أن على مشغلي مجلس التعاون الذين يسعون إلى التوسع العالمي أن يوضحوا أيضاً دور مركزهم الرئيسي، وأن يوازنوا بتأنٍ بين كفاءة المعايير والمراقبة المركزية وفعالية السلطة المحلية.

القيم والثقافة

يعمل مشغلو الاتصالات في مجلس التعاون الخليجي بدرجات مختلفة على تطوير الثقافة المؤسسية العالمية، إذ يحاول الكثيرون إعادة تحديد قيمهم وثقافتهم الحالية التي قد تبدو منغلقة وغير قابلة للتكيّف مع الشركات العالمية المنتشرة في مناطق متعددة تختلف فيها ديناميات العمل.

وبهدف التصدي لتحديات القيم والثقافة المرتبطة بالعمل على نطاق عالمي، على مشغلي مجلس التعاون اعتماد ثقافة مؤسسية قادرة على تجاوز الحدود بنجاح، إذ يتعين عليهم دراسة انتشارهم الحالي لتحديد ميزاتهم وقيمهم وخصائصهم غير القابلة للتفاوض، فضلاً عن القيم الوطنية والمؤسسية والتصرفات والسلوكيات في شركاتهم التابعة.

كما يتعين الإقرار بالتنوع ضمن شركاتهم وتحديد سبل الاستفادة منه وبناء علاقات مع أصحاب العلاقة الرئيسيين في كل منطقة. وبحسب مراد، على المشغلين العالميين أيضاً إيجاد سبل لإشعار جميع الموظفين بالالتزام وترسيخ حس موحد بالاعتزاز.

إدارة المواهب

في هذا السياق، اعتبر كريم صباغ أنه مع توسع الشركات عالمياً، تزداد متطلبات المواهب تعقيداً مع ارتفاع الطلب على المهارات والنقص في كبار المسؤولين التنفيذيين الذين يتمتعون بخبرة عالمية كافية.

وبهدف مواجهة تحديات العولمة ووضع الأشخاص المناسبين في الأماكن المناسبة، يجب أن يبدأ المشغلون بزيادة الوعي لدى كبار القادة والمسؤولين التنفيذيين على أهمية إدارة المواهب.

فمن أجل التوصل إلى شركات عالمية ناجحة، على المشغلين تحديد القيمة القصوى لقاعدة المواهب لديهم وقياسها والاستفادة منها. كما يتعين عليهم تقسيم الموظفين بحسب تأثيرهم على أداء الشركة، ووضع سلاسل قيمة لكل فئة توازن بين متطلبات العمل واحتياجات كل فئة، مع تطبيقها على إجراءات الموارد البشرية.

وبفضل هذا الأساس الاستراتيجي للمواهب، يمكن أن يبدأ المشغلون باستحداث مجموعات مواهب لملء المناصب العالمية.

ويتعين عليهم وضع مواصفات نموذجية للتوظيف والإعارة على الصعيد العالمي، وتنسيق جهودهم في مجال التوظيف في مختلف مناطق الانتشار لضمان التلاؤم، فضلاً عن الاستثمار في توظيف مسؤولين تنفيذيين قادرين على ملء المناصب الدولية قبل بروز حاجة معينة.

إلى ذلك، يتعين على مشغلي مجلس التعاون تصميم برامج تطويرية هادفة إلى إيجاد المهارات المطلوبة لتحريك الأداء في شركة دولية. كما يتعين عليهم ملاءمة أجور الموظفين وأنظمة الحوافز الخاصة بهم مع أهدافهم العالمية، مع تصميم أدوات وإجراءات تقييم متناغمة وموضوعية.

ويجب أن تكون هذه البرامج والأنظمة مرنة بدرجة كافية للتكيّف مع الاختلافات الجغرافية والثقافية وفي أسلوب الإدارة بين الشركات التابعة.

إجراءات الإدارة

مع توسع المشغلين عالمياً، يتعين عليهم غالباً تحسين تدفق المعلومات لضمان عملية فعالة لصنع القرارات. لذلك لا بد أن يوحدوا إجراءات الإدارة الاستراتيجية ويوسعوا نطاقها ويدمجوها ويضفوا الطابع المؤسسي عليها بشكل متأنٍ ودقيق.

ويمكن أن تتقافم التحديات الناشئة عن الإجراءات عند افتقار المشغلين الذين يبدؤون بالتوسع عالمياً إلى أنظمة وإجراءات إدارة فعالة، خصوصاً إجراءات التخطيط الاستراتيجي والمالي.

علاوةً على ذلك، ومع اكتساب المشغلين عمليات جديدة، فإنهم يكتسبون أيضاً الأنظمة والإجراءات الموروثة للشركة التابعة الجديدة مما يؤدي إلى تقسيم الأنظمة والإجراءات التي تدعم العملية الفاعلة لصنع القرارات، وإلى عدم توافر المعلومات الضرورية لمراقبة الأداء وإدارته.

ولإحراز النجاح، يتعين على المشغلين في مجلس التعاون تطوير إجراءات مشابهة لأفضل التجارب والاستفادة من هذا النوع من التجارب في أسواقهم المحلي وخارجها.

وبرأي صباغ، يتعين عليهم السعي إلى الموازنة بين المعايير العالمية ومزاياهم التنافسية المحتملة من ناحية ومراعاة المعطيات المحلية والقدرة على الاستفادة من قدرات التمايز المحلية من ناحية أخرى.

ومع دمج عملياتهم وإجراءاتهم الخاصة بتقنية المعلومات مع تلك الخاصة بالعمليات المكتسبة، يتعين على الشركات أيضاً توحيد الأنظمة والإجراءات للسماح بدرجة معينة من المرونة المحلية مع تجنب الاعتماد بشكل مفرط على المبادرات غير المنظمة. كما يجب وضع إجراءات مراجعة دورية.