لا تزال ارض النيل تشغل عقول وقلوب ملايين الناس في العالم بما تحتويه من كنوز اثرية وتاريخية وطبيعية جعلها واحدة من أبرز نقاط الجذب السياحي في العالم. فالحضارات التي تعاقبت على ارض مصر منذ فجر التاريخ جعلت منتوجها السياحي متفردا ومتعدد الوجوه.
ولعل السياحة الثقافية تبقى في صدارة اهتمام السائح حيث يتوافد اليها السياح من كل بقاع العالم ليشاهدوا ويتلمسوا الحضارات القديمة التي شغلت العامة والخاصة بسحرها وغموضها وعظمتها وعبقريتها مهما اختلفت الاراء عليها.فعند بوابة اكبر مشهد سياحي في مصر وربما العالم يقف الزائر منبهرا امام اهرامات الجيزة الصامدة على الضفة الغربية لنيل القاهرة منذ آلاف السنين.فضحامة تلك الصروح المعمارية التي لا تزال تشغل العلماء باسرارها وخفاياها وهندستها وترفض حقائقها أن تتعرى تثير في الزائر السؤال البديهي عن كيفية بنائها متجاوزا فكرة ان المكان قبرا.وهو السؤال الذي نشأت عنه اساطير ونظريات كثيرة تنقض بعضها بعضا ما زاد من اثارة المكان وسحره وغموضه وابتعد بالسؤال عن الجواب.
وما يزيد الاثارة امتزاج غموض وعظمة الحضارات التي تعاقبت على مصر مع ما جادت به الطبيعة على ارضها، فقد وهبها الله نهر العطاء والحياة فيها، فزادها النيل سحرا وجمالا يمتد الى ساحلها ويتفرع الى صعيدها وصحرائها فرسم الجغرافيا ونحت التاريخ.مصر الذى حباها الله بخيرات كثيرة وذكرها عن سائر البلدان عدة مرات في القرآن الكريم ويتداخل في تاريخها الاثري بالديني، متحف لا تحده مساحة ولا زمان وهي عطاء انساني بلا حدود على مر العصور.وزادها جمالا على جمال، الشخصية المميزة للمصري التي جبلتها حضارات متصلة منذ سبعة الاف عام في ارض لم تتغير جغرافيتها منذ كان النيل، فجعلته اجمل مشهد سياحي في ام الدنيا بابتسامته الدائمة والصافية.ومصر اليوم التي ادركت مبكرا اهمية السياحة في تنمية اقصادها وفرت بنية أساسية متطورة من المنشآت ومختلف مستلزمات الخدمات السياحة الراقية من الفنادق العالمية إلى شبكة مواصلات جوية وبرية وبحرية ونهرية حديثة ومتميزة إلى مرافق اتصالات ومراكز إرشادات سياحية تجعل زيارة السائح مهما كان هدفه ومقصده مفعمة بالمتعة والإثارة والفائدة.
لكن من الصعب ان تختار مكان البداية اذا كنت تريد زيارة مصر في رحلة سياحية، فالامكنة السياحية والترفيهية لا نهاية لها في بلد من ذهب كل ما فيه مشهد سياحي.وقد حظيت القاهرة التي تتنوع فيها مظاهر الحياة وتجليات التاريخ وتتميز بثقلها السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي باهتمام السائح العربي على غيرها من المدن والمناطق الاثرية والرحلات النهرية او الصحراوية او الساحلية رغم ان تلك المناطق يراها كثيرون اكثر غنى بالمنتج السياحي من القاهرة.ولعل مناطق الجنوب وخصوصا اسوان والاقصر تحتاج لاعادة اكتشاف من السائح العربي عموما والخليجي خصوصا.والزيارة التي نظمتها مجلة سواح السعودية المتخصصة في السياحة العربية لوفد اعلامي خليجي مؤخرا واستضافتهم فيها هيئة تنشيط السياحة في مصر اختارت للوفد للزائر مواقع مميزة تتناسب مع توقيت الزيارة في فصل الشتاء.
فكان الوصول الى القاهرة قبل ان تقلنا الطائرة الى اسوان في الجنوب ومنها بمركب نيلي الى الاقصر لتعيدنا الطائرة مرة اخرى الى القاهرة ومنها بالحافلة الى العين السخنة على ساحل البحر الاحمر.
أسوان أولا
اسوان التي تصنف كواحدة من افضل المشاتي في العالم بسبب شمسها الدافئة وانعدام الرطوبة فيها شتاء، كنز تاريخي وجنة فاتنة ذات ابتسامة صافية تنعكس صورتها على صفحة النيل، يحدثها وتحدثه عن تاريخ الفراعنة والحضارات المتعاقبة، تعانقه ويعانقها في علاقة حب وحياة ابدية.
اسوان زهرة الجنوب المصري وقصيدة الطبيعة كتبها النيل ولحنها السد العالي، روعتها بجمال قصيدة احمد رامي (مصر التي في خاطري) التي غنتها ام كلثوم العام 1952.
تبعد المدينة عن القاهرة ساعة بالطائرة، التي ما ان تحط في مطارها الحديث حتى يشعر الزائر انه في مدينة ذات طابع افريقي بامتياز، فيها يكون النيل في ابهى صوره ينساب خلال صحراء رمالها كالكهرمان ويلتف حول صخور جرانيتية تحولت الى جزر من الزمرد تستريح عليها طيور تزين المشهد وتغطيها بساتين النخيل والنباتات الاستوائية.
عند تلك المدينة الوادعة الهادئة التي يبلغ عدد سكانها اليوم نحو 200 الف نسمة ينساب النيل من خلف السد العالي ليرتاح في حضن المدينة مكونا بحيرة صغيرة هادئة زرقاء صافية نقية بنقاء اهل المدينة.
لا يمكن لكلمة او لكاميرا ان تصف جمال المشهد سوى ان تشاهد العين كيف يلف النيل المكان مثل حنان ام لرضيعها وكيف تتهادى قوارب الفلوكة الشراعية على مياهه تحاكي طيور المساء عند مغيب الشمس وهي تتجول بآلاف الزوار من شرق العالم وغربه لترسم جنة مصر الشتوية.
كانت أسوان تعرف ب(سونو) بالفرعوينة ومعناها السوق حيث كانت مركزا تجاريا للقوافل القادمة من وإلى النوبة ثم أطلق عليها في العصر البطلمي اسم (سين) وسماها النوبيون (يبا سوان) ثم (سوان).
في فترة الحكم اليوناني والروماني بمعنى الحجر الصخري بسبب انتشار الصخور الجرانيتية فيها، الى ان جاء العرب فأضافوا حرف الالف في بدايتها فصارت اسوان.
معالم الطبيعة والتاريخ
اسوان البهية بنيلها غنية ايضا بتاريخها واثارها فعلى ضفتي النيل تنتشر الاثار الفرعوينة والرومانية والفاطمية من المعابد والمقابر التي تستهوي السياح الاجانب الى حد الهوس. فعلى ضفتها الغربية حيث جبل الهوى تقع مقابر النبلاء الفرعوينة المحفورة في صخور الجبل.
وفي ضفتها الشرقية تنتشر المعابد الفرعونية مثل فيلة الذي أغرقته مياه النيل فتم تفكيكه وأعيد تجميعه في موقع جديد فوق جزيرة (إجيليكا)على بعد حوالي 500 متر من مكانه الأصلي بجزيرة فيلة .
مثلما حصل لمعبد ابو سمبل الذي شيده اشهر فراعنة مصر رمسيس الثاني في الصخر لزوجته نفرتيتي والواقع جنوب اسوان حيث تم نقله الى مكان شبيه بمكانه الاصلي لانقاذه من الغرق بمياه بحيرة السد العالي في ستينيات القرن الماضي.
ومن المذهل في هندسة المعبد نفوذ أشعة الشمس في أعماقه على تمثال رمسيس الثاني كل عام مرة في يوم 22 فبراير الذي يوافق عيد ميلاده والأخرى في 22 أكتوبر الذي يصادف عيد تتويجه وجلوسه على العرش، وما زالت هذه الظاهرة مستمرة الى الان وتستقطب الاف السياح الى المكان في يومي رمسيس الثاني.
وعلى بعد حوالي 45 كم شمال مدينة أسوان يقع معبد كوم إمبو المقام على ربوة تطل على النيل. والوصول إليه يتم بالقوارب في رحلة نهرية رائعة. وعلى جدران المعبد نقوش لمعدات جراحية ومناشير وعظام وأدوات لعلاج الأسنان.
وفي المدينة ايضا جزيرة الفنتين التي تضم معبد خنوم ومقياسا للنيل يرجع تاريخه للعصر الروماني وكان يسجل ارتفاع منسوب فيضانات النيل، وفيها ايضا مقبرة الكبش المقدس وبوابة الملك أمنحتب الثانى. وهناك متحف النوبة الذي يعرض ما يزيد على 5000 قطعة أثرية.
المواقع السياحية لا تنتهي في المدينة التي لم يكتشفها السائح الخليجي بعد ولا تزال تنتظره، فجزيرة النباتات وسط النيل التي تأخذ شكل تمساح وتم تخصيصها منذ اكثر من مائة عام تمنح المكان بامتياز صفة العالمية، كونها جامعة لنباتات وأشجار من كل انحاء العالم. وهي واحدة من سبع حدائق مماثلة تنتشر في مصر.
كما تشتهر أسوان بالسياحة العلاجية، فهي مقصد لمن يرغب في الاستشفاء من الأمراض المزمنة كالروماتيزم والالتهاب الشعبي والربو والتهاب الكلي المزمنة لما تتمتع به من مناخ صحي فنسبة الرطوبة بها منخفضة خاصة في ديسمبر إلى مارس.
المسلة الناقصة
زيارة اسوان تظل ناقصة اذا لم تكتمل بزيارة المسلة الناقصة التي لم يكتمل انجازها، وهي صخرة في مقلع صخري كان يقطع منه الفراعنة الحجارة لبناء المعابد والمسلات التي توضع عند مداخلها.
ويبلغ طول المسلة 41 مترا ويصل وزنها الى 1150 طنا وهي اكبر المسلات التي نحتها الفراعنة.
ويعتقد انها كانت ستنقل الى معبد الكرنك الشهير في الاقصر في عهد الملكة حتشبسوت لولا ان شرخا اصابها اثناء نحتها في اخدود من صخور الجرانيت فبقيت مكانها منذ الاف السنين شاهدة على تقنيات قطع الحجارة في ذلك العصر.
ويتجمع السياح حولها متسائلين بدهشة كيف كان يتم نقل ونصب مسلات بهذه الضخامة على ابواب المعابد. والمعتقد ان قدماء المصريين كانوا يستغلون فيضان النيل الذي كان يصل الى المقلع لتساعد المياه في تخفيف وزنها ونقلها الى وجهتها.
السد العالي منبع النيل
اذا كانت الاهرامات في شمال مصر توصف بأنها الانجاز الاهم في مصر القديمة فان في جنوب البلاد انجازا اكبر واضخم من الهرم الاكبر بسبع عشرة مرة وتم تسجيله كأهم منشأة من صنع البشر في القرن العشرين.
انه السد العالي الذي روض فيضان النيل ومنح مصر الماء والكهرباء معا ومنح عبارة المؤرخ الشهير هيرودوت (مصر هبة النيل) صدقية اكبر بعد ان حفظ السد كل مدن الوادي من الفيضان وليرسم من جديد لوحة الحياة على ضفتيه الغربية والشرقية.
والسد حسب تصنيف الهيئة السابقة تفوق على كافة المشروعات العملاقة في القرن العشرين وعددها 122 مشروعا مثل مطار (شك لاب كوك) في هونج كونج الذي بني على جزيرة صناعية في البحر وعلى نفق المانش الذي يمر تحت بحر الشمال ويربط بريطانيا بالقارة الاوروبية.
والسد الذي يبلغ طوله اربعة كيلو مترات ويتخذ شكل الهلال كأنه يحتضن مصر بدأ بناؤه في العام 1960 في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر واكتمل في العام 1971.
عند الوصول الى منطقة السد يشاهد الزائر ما يعرف باسم خزان اسوان وهو سد بني في العقد الثالث من القرن الماضي وظل محافظا على وظيفته في توليد جزء من حاجات مصر من الكهرباء وحجز كميات من مياه النيل خلفه حتى اكتمل بناء السد العالي الذي اكتسب اسمه من علوه عن السد الاول.
بدأ إنشاء السد الاول او ما يعرف باسم خزان اسوان عام 1897 وتم الانتهاء منه عام 1902 وتم تعليته عام 1912 ثم التعلية الثانية 1934 ليقوم بحجز المياه أثناء الفيضانات. ويبلغ طول الخزان 2141 مترا وعرضه 9 أمتار به 180 بوابة وهو مبنى من حجر الجرانيت المتوافر بالمنطقة وتم استغلال المياه المندفعة إليه لبناء محطتين للكهرباء.
اما السد العالي فيبلغ طوله 3600 متر وعرض قاعدته 980 مترا وعرض قمته 40 مترا، وارتفاعه 111 مترا وحجم جسمه 43 مليون متر مكعب من إسمنت وحديد ومواد أخرى، ويمكن أن يمر خلال انفاق السد الستة 11 الف متر مكعب من الماء في الثانية الواحدة.
وتوجد محطة كهرباء عملاقة عند مخارج الأنفاق حيث يتفرع كل نفق إلى فرعين مركب على كل منهما توربينة لتوليد الكهرباء ليصل عدد التوربينات الى 12 قدرة الواحدة 175 الف كيلووات والقدرة الإجمالية للمحطة 1 .2 مليون كيلووات والطاقة الكهربية المنتجة 10 مليارات كيلووات ساعة سنويا.
مع اكتمال السد العالي الذي كان أول من اشار ببنائه العالم العربى المسلم الحسن ابن الحسن ابن الهيثم- (965م وتوفى 1029م) تمكنت مصر من ترويض فيضان السد والتحكم في تدفق مياهه لانتاج نصف حاجتها من الكهرباء واستغلال المياه الاستغلال الامثل في تلبية حاجات البلد من مياه الشرب والزراعة.
ويمكن القول تجاوزا ان النيل بالنسبة الى مصر ينبع من السد العالي وليس من بحيرة فيكتوريا في الحبشة، فالسد يحتجز خلفه بحيرة ناصر الصناعية تصل مساحتها الى 600 الف كيلو متر مربع اي اكثر من نصف مساحة لبنان وتعد ثاني أكبر بحيرة صناعية في العالم.
والبحيرة أشبه بمحمية طبيعية تزخر بالطيور المهاجرة والأحياء المائية النادرة وأصبحت منتجعاً يشهد أنشطة سياحية اشهرها رحلات نهرية بالفنادق العائمة إلى معبد أبو سمبل الفرعوني ذو الشهرة العالمية.
وعرفاناً بدور الاتحاد السوفياتي في تشييد السد أنشئ ما يعرف برمز الصداقة المصرية السوفياتية، وهو صرح خرساني عن الطرف الغربي للسد على شكل زهرة اللوتس التي كانت رمزا لمملكة الجنوب الفرعونية.
أين السائح الخليجي؟
تلك هي اسوان التي تعشقها من النظرة الاولى، لكن المدينة تتساءل اين هو السائح العربي والخليجي خصوصا من بين ملايين السياح الذين يتدفقون الى المدينة من شرق العالم وغربه؟.
لم ينف رئيس قطاع السياحة الدولية في وزارة السياحة المصرية سامي محمود في لقاء مع الوفد الاعلامي الخليجي تقصير هيئة السياحة المصرية في وضع اسوان والجنوب المصري ضمن البرامج السياحية في دول الخليج العربية ولكنه وضع الكرة أيضا في ملعب الاعلاميين.
ويبدو ان المسؤولين عن السياحة في مصر حريصون الان على تصحيح الصورة السائدة بان مصر ليست القاهرة وحدها، وأن السائح العربي يمكنه أن يجد في أجندة مصر السياحية كل ما يبحث عنه في اى مكان في العالم.
وليشعر كأنه في بيته فكل ما في مصر يغري السائح العربي أن تكون مصر خياره، خصوصا ان معاملة العربي هي نفس معاملة المصري في رسوم الدخول الى المواقع السياحية والخدمات المرافقة.
9 صحافيين من دول الخليج في ضيافة مصر
ضم الوفد الصحافي الخليجي الذي زار مصر مؤخرا بتنظيم من مجلة سواح السعودية وباستضافة من هيئة تنشيط السياحة المصرية كلا من: المدير العام ورئيس تحرير سواح أحمد الشريدي ونائب مسؤول التحرير في مكتب صحيفة الشرق الاوسط بالرياض بدر الخريف والشاعر والاذاعي السعودي سلامة الزيد وعلي الرويلي من صحيفة الرياض .
ورئيس قسم الاقتصاد في صحيفة الايام البحرينية خليل يوسف وحسين الحربي من صحيفة «الراي» الكويتية وامال منذر من مجلة سيدتي، وخالد الخوالدي من صحيفة الشبيبة العمانية ورئيس قسم الاقتصاد في البيان نور سليمان.
استمرت الزيارة 11 يوما شملت القاهرة واسوان والاقصر والعين السخنة على ساحل خليج السويس.
أسوان ـ نور سليمان



