يواجه الاقتصاد البريطاني تحديات كبيرة أبرزها ارتفاع معدلات الدين العام الذي بلغ نحو 4, 1 تريليون جنيه استرليني؛ أي ما يعادل 90% من الناتج الإجمالي المحلي.
ومع اقتراب موعد الانتخابات العامة في بريطانيا والمخاوف من عجز أي حزب انتخابي عن الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان وخلق حالة يطلق عليها في ردهات مجلسي العموم واللوردات البريطاني وصف «البرلمان المعلق»، تدور تساؤلات عديدة عن مستقبل العلاقات التجارية والاستثمارية بين بريطانيا وشركائها في العالم.
وتقلق احتمالات ولادة برلمان معلق الأوساط المالية حول الاقتصاد البريطاني، والذي لا يزال هشا بفعل تداعيات الأزمة المالية العالمية التي تعتبر الأسوأ منذ الكساد الكبير.
ويواجه اقتصاد بريطانيا وباعتراف رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون طريقا صعبا رغم مؤشرات على عودته للنمو في نهاية العام الماضي، حيث أظهرت ارقام صدرت في فبراير الماضي نمو الاقتصاد البريطاني بوتيرة اسرع من التقديرات السابقة في الاشهر الثلاثة الاخيرة من 2009، مع خروجه من اطول فترة ركود يمر بها.
ويعترف براون بأن الإبقاء على نمو الاقتصاد البريطاني لايزال يشكل تحديا، وخاصة أن بريطانيا دولة تجارية لديها قطاع خدمات مالية ضخم، مما ضاعف من حجم الضربة التي وجهتها الأزمة لاقتصاد بريطانيا، حيث كانت قد بلغت نسبة التراجع في الناتج الاجمالي بسبب الركود الاقتصادي 2, 6 % .
جدل متواصل
ولا يختلف اثنان على أن الاقتصاد سيكون الجبهة الأشرس في الحملة الانتخابية المقبلة والتي ستطرق الأبواب البريطانية في مايو المقبل، وسط سجال عنيف بين الحزبين الرئيسيين بشأن السرعة التي ينبغي بها خفض العجز القياسي في الميزانية.
فحزب المحافظين المعارض يرى بأن عدم التحرك بسرعة لخفض المديونية قد يتسبب في خسارة بريطانيا تصنيفها الائتماني الممتاز، في حين يرى رئيس الوزراء البريطاني ان خطط المحافظين لخفض العجز على نحو أسرع من حكومة حزب العمال قد تخنق التعافي الاقتصادي. ويرى الخبراء أن السجال لن ينتهي، بل ستتصاعد وتيرته كلما اقترب موعد الانتخابات أكثر.
سجال مقلق
الكثير من الخبراء البريطانيين باتوا لا يخفون قلقهم بأن يدفع هذا السجال باقتصاد بريطانيا نحو موجة ركود أعمق من تلك التي عاصرها مع اندلاع الأزمة المالية العالمية، والتي خنقت الاقتصاد البريطاني وأدخلته في سبات عميق، يحاول جاهداً الخروج منه.
وقال مارك بيير رئيس مجلس العمل البريطاني في دبي والإمارات الشمالية لـ «البيان»: في ظل هذا السجل لا نرى تركيزاً على القضايا الحرجة التي تواجه الاقتصاد البريطاني، ولكن هناك تنافسا محتدما حول الذين سيتم انتخابهم.
ورأى بيير أن الخروج من هذه المعضلة يتمثل في اتباع المنهجية التي أشار إليها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، التي قال فيها إن هناك العديد من الزعماء في الأوقات الجيدة، ولكن أقل بكثير عند الأوقات الصعبة، والمملكة المتحدة تعيش الآن أوقاتا صعبة.
وأوضح بيير: القائد هو الذي لا يخشى أن يعطي رسالة صعبة، ولكن بإمكانه تسليم هذه الرسالة برحمة وقوة، وهذه ليست أسئلة من السهل الإجابة عنها.
وأعتقد بأن المشاكل الاقتصادية في المملكة المتحدة ستتفاقم مرة أخرى إذا ما تمخضت الانتخابات البريطانية عن ولادة برلمان معلق.
لكن بيير أشار إلى وجود العديد من المقومات التي تمكن الاقتصاد البريطاني من الخروج من أزمته الحالية ومواصلة علاقاته الاستثمارية والتجارية مع شركائه، بما فيهم دولة الإمارات.
وقال: المملكة المتحدة لا تزال تحتل المرتبة السادسة في العالم كأكبر منتج، كما تقود بريطانيا العالم في التكنولوجيا الخضراء والنانو تكنولوجي.
وأضاف: تحتل بريطانيا مكانة مركزية في قلب العالم المالي والقانوني في العالم في الوقت الراهن. وأعتقد بأنه بغض النظر عن الانتخابات ومن خلال استمرار العلاقات التجارية، فإن كلا من اقتصاد بريطانيا والإمارات سيحققان النجاح والازدهار والتطور معاً، كما ستنشأ المعرفة وتتوافر فرص العمل.
عجز الموازنة
ومن جانبه، قال كريستوفر ويليامز وهو محامي مرموق في مكتب بريسويل غولياني للمحاماة ولدى المحكمة العليا في إنجلترا وويلز: مع تزايد عجز الموازنة في المملكة المتحدة وارتفاع البطالة ووضعية الأسواق المتوترة وضعف الجنيه الاسترليني، باتت هناك حاجة أكبر إلى إجراءات حازمة وحاسمة من جانب حكومة المملكة المتحدة للتصدي لهذه القضايا.
ويضيف: تاريخياً حكومة الأقلية تعني ولادة حكومة ضعيفة، وما عليك سوى النظر إلى الوراء إلى عام 1974 كدلالة على ذلك. ويمضي كريستوفر بالقول: هذا الوقت بالذات تحتاج فيه المملكة المتحدة إلى حكومة قوية للمضي قدما في الإصلاحات المالية العامة وخطة التحفيز الاقتصادية كما فعلت حكومة مارجريت تاتشر في عام 1980.
وتوقع ويليامز سيناريو آخر يتمثل في احتمال أن ينتهي الأمر في المملكة المتحدة إلى حدوث نوع من الشلل السياسي بحيث لا يمكن لأي حزب أن ينجز تفويضه والدفع من خلال ما يحتمل أن يكون مجموعة من التدابير الاقتصادية الصعبة من أجل وقف التدهور الاقتصادي.
وبالتالي قد يتيح ذلك إمكانية الفشل في معالجة القضايا المالية العامة والذي قد يرفع من تكلفة الاقتراض من جانب الحكومة، ويؤثر في التصنيف الائتماني للمملكة المتحدة، وكذلك إحداث مزيد من التأثير في قيمة الجنيه الاسترليني في أسواق المال الدولية.
وهذا بدوره يمكن أن يكون له تأثيرات أخرى في المملكة المتحدة، مثل سوق العمل والاقتصاد عموماً. وعلاوة على ذلك احتمال انزلاق الاقتصاد البريطاني مرة أخرى إلى الركود، والذي من شأنه أيضا أن يصبح مصدر قلق حقيقي.
ومضى يقول: مع ذلك هناك خيط رفيع فيه بارقة أمل، وهو أن استطلاعات الرأي قد لا تكون صحيحة، حيث إن استطلاع الرأي الأخير لم يركز على المقاعد الفعلية والتي يحتاجها حزب المحافظين من أجل تحقيق الفوز وتشكيل الحكومة المقبلة.
عند استعراض استطلاعات الرأي تلك فإن مواقفها تبدو أكثر مواتاة، وعلى هذا الأساس فإن احتمال وجود حكومة محافظين يتم انتخابها عبر تفويض من الناخبين من أجل إجراء إصلاحات مالية عامة ووضع برنامج لتحفيز الاقتصاد قد يكون أمرا مطروحا.
دبي - كفاية اولير
