للجمعيات الإسلامية دور كبير في المجتمع، فبجانب دورها الدعوي تقوم بدور آخر تنموي من خلال إقامة بعض المشروعات الاقتصادية لمساعدة الأسر الفقيرة، فضلاً عن قيامها بدور إغاثي لبعض المنكوبين في مختلف الدول الإسلامية.

وانطلاقًا من هذه الأدوار التي فرضتها ظروف الأمة الإسلامية، أصبح كثيرون يعولون على هذه الجمعيات بأدوار كبيرة لمساندة قضايا المسلمين داخليًا وخارجيًا، لذلك كان لنا هذا الحوار مع د. محمد المختار المهدي الرئيس العام للجمعية الشرعية وعضو مجمع البحوث الإسلامية والأستاذ بجامعة الأزهر.

بداية.. متى أُنشئت الجمعية وما الظروف التي أحاطت بنشأتها؟

أُنشئت الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية عام 1912 على يد الشيخ محمود خطاب السبكي، وكان من علماء الأزهر الشريف، وكان دافع السبكي في ذلك رؤيته للواقع المصري المضطرب في ظل الاحتلال الذي نتج عنه تنحية الإسلام عن حياة الناس، وتغيير مسار التعليم ومناهجه التي تعبث به أيادي الاحتلال والسعي لتذويب الهوية ومكوناتها، التي يشكل الإسلام موقع القلب منها.

وهذه العوامل أدت إلى إهمال العلوم الدينية والعربية، وظهرت حملة للتغريب في تلك الفترة صاحبتها دعوات بشأن المرأة، وأخرى تقلل من قيمة ومكانة الشريعة الإسلامية في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

إضافة إلى ظهور الخرافات التي التصقت بالإسلام من خلال أدعياء التصوف والإسرائيليات المندسة في كتب التراث الداعية إلى التكاسل وعدم التكسب، والتي تفقد المسلمين المناعة ضد مقاومة الاستبداد والظلم بشتى صوره...، وأمام هذه الأزمات والمعضلات رأى الشيخ السبكي أن الخلاص لا يكون إلا من خلال تخليص الدين مما التصق به من خرافات حتى ينصرف المسلمون إلى الأخذ بأسباب القوة والمَنَعَة وتخليص المجتمع من أسباب الوَهَن والضَّعف من خلال تدعيم قيمة التعاون والتكافل بين أبناء الشعب.

وقد اشترط الشيخ السبكي رحمه الله فيمن ينتمي إلى هذا الكيان أن يكون التعاون مبدأه، والعمل بكتاب الله وسنة رسوله دينه، وأن يكون رجلاً ذا فكر ورأى.. وقد عمد الشيخ السبكي إلى وضع الضوابط والقوانين التي تضمن استقامتها على الطريق السوي، وكان ذلك موزعًا على مواد منضبطة ومفصلة حتى تسير الجمعية على هدى وبصيرة.

يلاحظ أن الجمعية نشأت لأهداف دعوية ثم تحولت بعد ذلك لخدمة المجتمع المسلم.. كيف حدث هذا التحول؟

كان من الطبيعي مع تغير الظروف والأحداث أن تتطور الجمعية في توجهاتها تجاه المجتمع، فالإيمان والدعوة لا يصلحان بدون عمل، ومن هنا جاء تحرك الجمعية على عدد من المحاور المتلازمة لتحقيق أهدافها.. ويأتي على رأس هذه المحاور «الدعوة» وتشمل قوافل من علماء الأزهر تجوب النجوع والقرى والمدن، وإقامة الندوات والمحاضرات ومعاهد إعداد الدعاة.

المحور الثاني يتمثل في العمل الصالح من خلال الخدمات الصحية ورعاية الأيتام والفقراء والمحتاجين، فيما يتمثل المحور الثالث في الإغاثة من خلال لجنة لإدارة الأزمات تقوم بالمساعدة في أي كارثة تحيط بالمسلمين سواء في مصر أو خارجها. أما المحور الرابع فيتعلق بالتنمية المجتمعية من خلال إقامة مشروعات للأسر الفقيرة واليتامى بما يحقق لهم الاكتفاء الذاتي.

رغم هذا التاريخ العريق للجمعية فإن هناك من لا يعرفون عنها أكثر من أنها جمعية تساعد الفقراء والمحتاجين فقط .. ما تعليقك؟

أعتقد أن جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام لعام 2009 والتي حصلت عليها الجمعية، خير تعريف بها وبجهودها في خدمة الإسلام والمسلمين على جميع الصعد.

في الفترة الأخيرة كثر التشكيك في نوايا العاملين في الحقل الخيري.. ما رأيك؟

هذا التشكيك وراءه نوايا خبيثة تهدف إلى النيل من العمل الخيري بشكل عام، كما أنها تحمل تهوينًا من شأن الجهود الخيرية التي تقوم بها الجمعيات الإسلامية التي تسهم بجانب تنموي بالغ الأهمية في مجتمعاتنا الإسلامية التي يعاني فيها الفقراء، وهذا الأمر يقتضي التعريف بالجهد المبارك الذي تقوم به هذه الجمعيات.

هناك من يعول على الجمعيات من أجل تحقيق بعض أهداف المجتمع .. من وجهة نظرك كيف يمكن أن يتحقق ذلك؟

يجب على الجمعيات التي تعمل في إطار العمل الدعوي والخيري أن تتجه جميعًا للعمل لمواجهة الضعف والهوان الذي نعيش فيه، وهذا لن يتحقق إلا من خلال التركيز على الثوابت والابتعاد عن التعصبات المذهبية التي تؤدي إلى الفرقة بين المسلمين؛ فالأمة الإسلامية تعيش في ظل أزمات وتحتاج لتضافر القوة والعمل بين المسلمين.

كما يجب أن تؤصل الهيئات والمنظمات الإسلامية لمفهوم العمل الجماعي؛ لأن العمل الفردي لا ينتج آثارًا طيبة، وعليها أيضًا أن تلتزم بمبدأ الشورى وألا يكون بينها وبين أي جهة تعمل بكتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم أي صراع.

اختلفت اتجاهات تفسير الإسلام في العصر الحديث.. ما أسباب ذلك من وجهة نظرك؟

على الرغم من وضوح الإسلام ويسره وسماحته، فإن هناك من يريد أن يشد الإسلام إلى هواه فيجعل منه دينًا جامدًا منغلقًا لا يقوى على مسايرة الزمن ولا يراعي متغيرات الحياة.. وهناك من يجعل منه دينًا دمويًا عدوانيًا يفتك بالناس، بالرغم من أن الإسلام قد نزل رحمة بهم يدعو إلى المعاملة بالحسنى واللين والرفق، كما أن الإسلام يرفض الجمود والانغلاق والقتل والعدوان.

ويدعو الناس إلى توحيد الله وينبههم إلى نعم الله في الحياة الدنيا؛ ذلك لأن الإسلام دين الاعتدال والوسطية، وهو ما تقوم به الجمعية بوصفها منارة إسلامية تبين مقاصد الإسلام وتوجيهاته لكل البشر في جميع مجالات الحياة، وذلك من خلال الكتب والندوات والمحاضرات والمؤتمرات وخطب الجمعة والدروس وقوافل التوعية التي تعقدها وتقدمها للأمة.

من وجهة نظرك ما أهم الدروس المستفادة من أحداث غزة والقدس؟

أعتقد أن أهم درس مستفاد خرجنا به هو استحضار الخطر المرتقب من جهة اليهود بعد استسلام العرب لأفكار السلام والحوار، التي بدأت تأخذ مجراها في أذهان الأمة، فجاء هذا العدوان ليصحح المسار ويؤكد أن الحقد والتربص بالمسلمين قائم من الصهاينة إلى يوم الدين، وهذا ما تؤكده الآية الكريمة {لَتَجِدَّنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً للَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أَشرَكُوا} وقوله تعالى {لا يُقَاتِلُونَكُم جَمِيعًا إلا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَو مِن وَرَاء جُدُرٍ} حيث كان اليهود يتحصنون بالحصون واليوم يتحصنون بأمريكا، وظنوا أنهم مانعتهم.. وهذه المعاني كانت غائبة خاصة عن الشباب، وهذا مكسب وفرصة ليتحمل الشباب المسؤولية.. فغزة بداية اليقين بأن الأمة معرضة للخطر.

والأمة الإسلامية مطالبة بتدبر أمرها ومعرفة عدوها وأخذ احتياطاتها والدفاع عن كرامتها ودينها وعرضها، وأن «مَن لا يملك زاده لا يملك قراره» وهذا يستلزم أن يكتفي المسلمون ذاتيًا، ولا يعتمدون على غيرهم، مع ضرورة استخدام القوة مع اليهود لقوله تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ}.