مما يحزنني كثيراً، أن أستمع أو أراقب أو أشاهد كثيراً من البرامج الإذاعية أو التلفزيونية الحوارية، فأجد مقدم البرنامج، بمنتهى البساطة واللامبالاة، يسأل ضيفه عن الحب في حياته، وهل كان الحب الأول مع بنت الجيران؟!!
وتظاهر هذا السؤال وتكراره في البرامج يرسخ مفهوماً جريئاً بأن التطلع إلى بنت الجيران وإقامة تجربة عاطفية معها شيء تقره الأعراف والتقاليد، وكأننا نربي أبناءنا وبناتنا على الخروج منذ الصغر على حدود اللياقة الشرعية واحترام آداب الإسلام وتوفير حقوق الجيران المرعية..!
والعجب كل العجب أن تكون لحقوق الجيران في الجاهلية قداسة، ويضيعها أهل الإسلام ويزدرونها بكل استخفاف واستهانة، بل ويستدرجون الشباب من الذكور والإناث عليها وعلى التمتع بها، رغم أن الإسلام رفع علاقة الجوار إلى الذروة في بناء الحرمات المرعية والتي يصح اتخاذها برهاناً على سلامة الإيمان وصحته..! فإذا كان العرب في الجاهلية يعبر عن توقيرهم وتقديسهم لعلاقة الجيران قول عنترة: وأغض طرفي إن بدت لي جارتي.. حتى يوارى جارتي مثواها، فالنبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل: أي الذنب أعظم؟!
قال: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك».. قيل: ثم أي؟! قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك».. قيل: ثم أي؟! قال: «أن تزاني حليلة جارك»..، واستخدام التعبير (تزاني) أي تفاعل، كقولنا تقاتل وتؤاكل وتشارب وتصاحب، ومعنى ذلك إثبات وجود الطرفين في المسألة؛ فحتى لو أن الفتاة هي التي سعت فلابد أن يكون القطع وإبراء الذمة من جهتك وطرفك، وليس بأن تتطلع أو تنظر أو تتلصص أو تشير بيد أو إصبع أو رأس، والتتبع في المسير والذهاب والإياب، وقد قال شوقي رحمة الله عليه: نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء.
ونحن في أيامنا هذه نرى الكثير والكثير مما يجرّئ ويشجع ويستنهض الشهوة من أعماق، ويوقظ الغرائز ويعلي شأنها فوق ضوابط الشخصية، وهذا من أشد عوامل البحث عن قرين من الجنس الآخر يلجأ إليه، ومن هنا يجد في جاره القريب الطلب المقصود، فيبحث كل طرف عن إشباع حاجاته عند الطرف الآخر، وإذا كان البعض يمتعض من كلمة «تزاني» فإنها من فيض النبوة.
وتتسق مع المفهوم الذي رسخه الإسلام عن نكارة وقذارة الخطوات الأولى على طريق الزنى الأكبر، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «العين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها السمع، والفم يزني وزناه الكلام، واليد تزني وزناها اللمس(وفي رواية البطش)، والرجل تزني وزناها المشي، والقلب يهوى ويتمنى، والفرج يصدق هذا أو يكذبه».
ومن أجل ذلك كان النص القرآني المحكم: «ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا».
فأجهزة إعلامنا بما هي غارقة فيه من انفلات أخلاقي، والذي تسميه ريادة وتفوقا، هو في حقيقة الأمر تردٍّ وانحدار نحو هدم القيم وإشاعة للفساد والدعوة إليه، وما يشيرون إليه من أنه تجربة مع بنت الجيران أو ابن الجيران، هو جريمة في ميزان الإسلام وتجاوز لحدوده!
وهذا يجعل الآباء والأمهات يستيقظون من نومتهم ويتابعون الأبناء والبنات بحرص وحذر، ويملأون فراغ نفوسهم بالدين الحق، آخذين بنواصيهم نحو حصانة الإسلام لشبابه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، فمن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء».
ولا بد من تدريس حقوق الجار لأبنائنا وبناتنا، فهي قضية في غاية الخطورة لأنها تشد لبنات المجتمع إلى بعضها البعض، وتعلي شأن أخوّة الإيمان، ويكفي أن نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر مشدداً مؤكداً أن الإيمان لا يجتمع مع الإساءة إلى الجار مطلقاً، فقال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن».. قيل: من يا رسول الله، خاب وخسر؟.. قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه» أي غوائله وشروره وخيانته.. وهل هناك أشد شراً من الجرأة على عرضه وحرمته؟!
ويعلم القاصي والداني كيف كان حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الإحسان إلى جاره، حتى لو كان على غير الإسلام، فكان إذا ذبح يقول لزوجه: «ابدئي بجارنا اليهودي»، وهذا يدل على كون الإحسان إلى الجار واجبا شرعيا، بصرف النظر عن دينه، وفي هذا أبلغ رد على من يريد اقتلاع جاره إذا خاله رأي أو سلوك فقهي ليس على مذهبه الفقهي!
وربنا تبارك وتعالى يقول: «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً»، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
علي عيد
