هل سجل التاريخ البشري يوماً أن قائداً من قادة الجيوش المحاربة التقى بقوم كانت له معهم مواجهات ظالمة وقاسية بلغت القمة في شدة المرارة، من تكذيب وسخرية وإيذاء وتجويع، وتآمر للقتل والاغتيال، ثم الحروب لإزهاق الأرواح والتنكيل والتمثيل بالأهل والأصحاب، ثم حرمانه ومن معه من زيارة البيت الحرام.
وعقد معاهدة كانوا أول من غدر وجحدها، ثم يذهب إليهم بما لا قبل لهم به، وبدل أن يأخذ حقه وحق من معه ممن تجرّع منهم كأس المرارة، ويجري عليهم مراسم القصاص العادل، وساعتها لن يكون أمامه دافع أو حائل دون ما يريد، فإذا بهذه المراسم تنقلب إلى وجه غريب لا عهد لأحد من البشرية به مطلقاً!
لقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة، فصلى بها ما كُتِب له، ثم خرج على بابها وهو ممسك بعضادتيه، وأهل مكة يقفون جميعاً أمامه صفوفاً صفوفاً، ينتظرون قراره أو محاكمته لهم، غير أنهم وجدوه يقول: إن الحمد لله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.. ما تظنون أنّي فاعل بكم؟! قالوا: خيراً.. أخ كريم وابن أخٍ كريم. فلم يزد على قوله: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء!
وهكذا ذهب كل إلى بيته يتحسس جسده ورأسه، بل نزع الفزع من القلوب وغرس الأمن والسكينة مكانه، فضلاً عن تمهيد طريق آمن لدخولهم الإسلام.
وغير ذلك موقفه من المنافقين الذين تحاملوا عليه منذ اليوم الأول الذي دخل فيه المدينة، وظهر ذلك التحامل والعداء في خذلانه في معاركه مع المشركين أو الروم، ومناصرة اليهود وموالاتهم والدفع عنهم في مواجهته، واتخاذ نهج ترويج الشائعات التي تنال من كرامة أهل الإسلام وأقدارهم، ولا سيما المهاجرين وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استحلوا أعراض أزواجه أمهات المسلمين، وحينما أوغروا صدور بعض الضعاف من الأنصار، وحينما قال قائلهم:
(لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل)، وحينما قال قائلهم: «سمّن كلبك يأكلك» وكان بمستطاع النبي فقط أن يأذن لبعض جنده بتسوية الأمر وإزهاق روحه، وعندها سوف يتسابق فرسان كثر إلى تحقيق هذه الرغبة، حتى الأبناء، ولكن النبي صلى الله عليه وسلّم اتخذ طريقاً آخر، هو العفو والتسامح، ورفض التصفية الجسدية، فحينما حانت لحظة فراق زعيم المنافقين الدنيا.
وتحركت الشفقة في قلب ولده، أتى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب قميصه ليكفن فيه أباه لعله يرحمه، فأعطاه إياه، ثم جاءه يطلب أن يصلي عليه ويستغفر له، فقال
نعم، وقام يصلي عليه، فإذا بعمر بن الخطاب يجذبه من ثوبه قائلاً: أتصلي على رأس النفاق يا رسول الله؟! فيرد عليه قائلاً: دع عنك ثوبي يا عمر.. إن الله خيرني فاخترت، إن الله قال: (استغفر لهم أو لا تستغفر).
لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) والله لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر لهم لزدت.. وظل يصلي على من مات منهم حتى نزل عليه قول رب العزة: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره، إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون).
مثل هذه لا يهضمها وجدان أحد من قادة البشر أو زعمائهم، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مقدما لها على نزعات الانتقام أو العقاب، لأن هذه النزعات لم تكن عنده وليست بداخله ولأنه الرحمة المهداة.
وهل هناك قائد أو زعيم حارس على تنفيذ قانونه وشريعته ينفطر قلبه شفقة ورحمة على من يضعف وتزل قدمه من أمته، فيقترف مخالفة هذه الشريعة، بدلا من اشتهاء توقيع العقوبة والمسارعة بها؟
نقول بكل يقين كان النبي صلى الله عليه وسلم أرحم بالمخطئ من نفسه، إذ جاءه المقر بالزنى فراجعه ثلاثة أيام، حتى أرسل إلى قومه يسأل عن استواء عقله، فلما أشادوا بعقله، أمر بإقامة الحد فلما آذته إصابات الرجم حاول الفرار فلحقوا به وأعادوه، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«هلا تركتموه؟» وحينما جاءته الغامدية مقرة بالزنا طالبة تطهيرها بإقامة الحد عليها، راجعها أيضا، فلما قالت إنها حبلى من الزنى، أمهلها حتى تلد، فولدت وجاءته فأمهلها حتى تتم رضاعه، فلما أرضعته وفطمته جاءت طالبة إقامة الحد، فأمر بإقامته، وأصاب رشاش من دمها ثوب خالد بن الوليد فسبها، فغضب رسول صلى الله عليه وسلم، وقال: «مه يا خالد.. لقد تابت توبة لو وزعت على أهل المدينة لوسعتهم».
بل إنه صلى الله عليه وسلم نصب من نفسه شفيعا لهم عند ربه، حين يقول: «إن لكل نبي دعوة مستجابة، وقد ادخرت دعوتي شفاعة لأهل الكبائر من أمتي»، وما كان متلهفا على إثبات المخالفة، وإنما قال: «ادرؤوا الحدود بالشبهات» وقال للذي أتى بغلامه يقول إنه زنى:
«هلا سترت عليه بثوبك». فحيما ننظر إلى هذه المواقف المشهودة نعلم أن فيوض الرحمة المحمدية كانت من السعة والشمول بحيث تسع العالمين، لأنها حين تتسع للعدو المحارب، والعدو المتربص الماكر، والصديق الضعيف المخالف، فإنها من باب أولى تسع الصديق الموافق، سواء كان رجلا أو امرأة، صغيرا أو كبيرا، غنيا أو فقيرا، مصداقا لقول الحق تبارك وتعالى:
(فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك). وحق لهذه الرحمة أن تكون نسيجا جامعا للبنات المجتمع ورباطا ضاما يلم شعث الأمة، وقد جاء في الحديث الصحيح: «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى». والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
علي عيد
