المرض .. مرارة في الدنيا وحلاوة في الآخرة

المرض .. مرارة في الدنيا وحلاوة في الآخرة

ت + ت - الحجم الطبيعي

لقد خلق الله عز وجل الإنسان لعبادته، فقال جل وعلا: «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون»، واستخلفه في الأرض ليعمرها، وأثناء تحقيق هذه الخلافة كان لابد للإنسان من أن تصيبه الأقدار، ضمن إرادة الله عز وجل في توازن هذا الكون وتمام أموره حسب مشيئة الله، فكان المرض إرادة الله لعباده، ليكفّر عنهم ذنوبهم، وليعرفوا قيمة الصحة، وليقدروا نعم الله عز وجل حق قدرها، وليشعروا بضعفهم أمام قوة الله عز وجل، ولتكون فترات المرض محطات عظة وتذكّر، يعود بعدها المريض إلى واحة الإيمان بالله.

وتلك هي حقيقة الدنيا أنها دار بلاء وأمراض، ظل زائل ومتاع منته، ما من إنسان في هذه الدنيا إلا ولابد أن يواجه فيها مرضاً وعافية، وسروراً وحزناً، وسراء وضراء، قال تعالى: «تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور». وقال: «إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً».

وعلى المسلم أن يؤمن بقضاء الله وقدره، قال «صلى الله عليه وسلم»: «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك». وعليه أن يعلم أنه قد «رفعت الأقلام وجفت الصحف»، قال سبحانه: «إنا كل شيء خلقناه بقدر».

ولكن مع تقبل المسلم لقضاء الله وقدره، عليه أيضاً أن يحاول الخروج من هذا الابتلاء، وأن يأخذ بالأسباب؛ فالأسباب من قدر الله، وعلى المسلم الأخذ بها، فمن مرض فعليه التداوي لأن المرض قدر والدواء قدر، ونجاح الدواء في علاج المرض مرهون بقدر الله عز وجل الذي لم يخلق داء إلا وخلق له دواء.

وبالإيمان بالقضاء والقدر تستقر حقيقة الإيمان في القلوب.

يقول الحسن البصري رحمه الله: استوى الناس في العافية، فإذا نزل البلاء تباينوا».

وإن مما يبعث الاطمئنان في نفس المريض أن يعلم أن في مرضه ثواباً عظيماً أراده الله له، وأن فيه فوائد كبيرة، منها:

أن المرض تهذيب للنفس وتصفية لها من الشر الذي فيها، قال تعالى: «وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير».

فإذا أصيب العبد فلا يقل: من أين هذا؟ ولا من أين أتى هذا المرض؟

فما أصيب إلا بذنب. وفي هذا تبشير وتحذير إذا علمنا أن مصائب الدنيا عقوبات لذنوبنا، أخرج البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما يصيب المؤمن من وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفّر الله بها عن خطاياه».

وقال صلى الله عليه وسلم: «ولا يزال البلاء بالمؤمن في أهله وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه خطيئة»، فإذا كان للعبد ذنوب ولم يكن له ما يكفرها ابتلاه الله بالحزن أو المرض، وفي هذا تبشير للمؤمن، لأن مرارة الدنيا ساعة أفضل من احتمال مرارة الأبد. يقول أحد السلف: «لولا مصائب الدنيا لوردنا القيامة مفاليس».

ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبد خيراً عجّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه، حتى يوافي به يوم القيامة».

ومن فوائد المرض: اللذة الآجلة في الآخرة، فالله عز وجل يبدّل مرارة الدنيا حلاوة في الآخرة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر».

وإذا أنزل بالعبد مرض أو نزلت به مصيبة فحمد الله عز وجل وصبر واسترجع، إلا أعطاه الله من الأجر ما لا يعلم، قال سبحانه وتعالى: «إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب».

وجاء في الحديث: «إن العبد إذا مات ولده، قال الله لملائكته، وهو أعلم: أقبضتم روح ولد عبدي؟ أقبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم يا رب، فيقول، وهو أعلم: ماذا قال عبدي؟ يقولون: حمدك واسترجع، فيقول: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد».

كل ذلك وأكثر من اللذة والفرح، حتى إن أهل العافية يوم القيامة يتمنون لو أن جلودهم وأجسادهم كانت تقرض بالمقاريض، لما يرون من ثواب أهل البلاء والأمراض عند الله.

ومن فوائد المرض أنه يعرف به صبر العبد على بلواه، وأن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط.

فإذا صبر العبد واحتسب كُتب في ديوان الصابرين. ويكفي الصابرين شرفاً أنهم في معية الله وحفظه ورعايته، قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين».

وإن حمد العبد وشكر كتب في ديوان الشاكرين. ويكفي الشاكرين شرفاً أن الله وعدهم الزيادة، قال تعالى: «لئن شكرتم لأزيدنكم».

وان حالات العبد في الصبر والشكر جعلت الرسول صلى الله عليه وسلم يتعجب. قال صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير؛ أن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن».

والصبر المطلوب هو الصبر الجميل، قال تعالى: «فاصبر صبراً جميلاً».

والصبر الجميل هو صبر بلا ضجر، بلا قلق، بلا اعتراض، صبر باللسان والقلب معاً، وليس كما ترى لسانه راضياً ولكن قلبه يقول: لماذا يا رب؟ فمن اتفق لسانه وقلبه فهو الصابر صبراً جميلاً.

ومن فوائد المرض: قرب المريض من الله عز وجل، وقرب الله من المريض، وهذا قرب خاص، يقول الله سبحانه في الحديث القدسي: «يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني! قال: يارب، وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلان مرض فلم تعده، أما إنك لو عدته لوجدتني عنده». فالله عز وجل عند المنكسرة قلوبهم كما جاء في الأثر، وذلك للكسرة التي في القلب.

ومن فوائد المرض: أنه سبب للدعاء والذل والانكسار بين يدي الله عز وجل، فكم من أناس أعرضوا عن اللجوء إلى الله فمرضوا فلجأوا إلى الله خاشعين منكسرين. فأهل التوحيد إذا أصيبوا ببلاء أو مرض صبروا ولجأوا إلى الله واستعانوا به وحده جل في علاه.

يقول وهب بن منبه: ينزل البلاء ليستخرج به الدعاء، قال سبحانه: «وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض». فيحدث للعبد من الانكسار والتفرع وإخلاص الدعاء ما يزيد إيمانه ويقينه.

ويحصل له من الإنابة وحلاوة الإيمان ما هو أعظم من زوال المرض، لأنهم حين أصابهم المرض أنزلوه بالله وحده، فلم يذهبوا إلى كاهن ولا ساحر ولا يدعون قبرا، إنما إذا استعانوا استعانوا بالله وحده، كما حدث مع سيدنا أيوب عليه السلام، قال سبحانه: «وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين».

وتأمل معي عظم بلاء أيوب؛ فقد فقد المال والأهل، وأصابه المرض في جسمه كله، حتى ما بقي إلا القلب واللسان، ومع ذلك كان يمسي ويصبح وهو يحمد الله، يمسي ويصبح وهو راض عن الله، لأنه يعلم أن الأمور كلها بيد الله، فلم يشتك ألمه وسقمه لأحد، ونادي مستغيثاً بالمغيث، فجاءه الجواب: «اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب»، فكشف الله ضره، وأثنى عليه بقوله: «إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب».

ومن فوائد المرض: أنه دليل على محبة الله عز وجل، وأن الله يريد بالمريض الخير، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «من يرد الله به خيراً يصب منه».

ومفهوم الحديث أن من لم يرد الله به خيراً لا يصيب منه، حتى يوافي ربه يوم القيامة، فعن أبي هريرة قال: «مر برسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي أعجبه صمته وجلده، قال: فدعاه فقال له: متى أحسست بأم ملدم؟ قال: وما أم ملدم؟ قال: الحمّى، قال: وأي شيء الحمّى؟ قال: سخنة تكون بين الجلد والعظم، قال: ما بذلك لي عهد. فلما ولى الأعرابي قال: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه»، فالكافر صحيح البدن مريض القلب، والمؤمن مريض البدن لكنه صحيح القلب.

ومن فوائد المرض: أنه رحمة من الرب للعبد، فالله عز وجل خلق العباد ليرحمهم لا ليعذبهم. قال سبحانه: «ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم». ولكن أكثر النفوس جاهلة بالله وحكمته، ومع هذا فالله يرحمها لجهلها وتفهمها، وقد ورد في الأثر أن العبد إذا أصابته البلوى فيدعو ربه ويستبطئ الإجابة ويقول الناس: ألا ترحمه يا رب؟ فيقول الله: «كيف أرحمه من شيء به أرحمه».

فهذه بعض فوائد المرض على المرضى، والمبتلون يجدون في ذلك بعض السلوى، لكن للمريض حق على إخوته من المسلمين، هذا الحق هو عيادة المريض وزيارته؛ لأن المريض يكون في أمسّ الحاجة إلى كل ما تستطيعه العلاقات الاجتماعية والإنسانية من عون وسلوى وبث للعزيمة والأمل والطمأنينة والسرور.

فهنيئاً لك أيها الزائر للمرضى، هنيئاً لك هذه الباقة العبقة من الزهور التي أهداها لك من بُعث رحمة للعالمين، ومن زهراته الطيبات قوله صلى الله عليه وسلم: «من عاد مريضاً لم يزل في خُرفة الجنة (يعني جناها) حتى يرجع».

ولقد بلغ من عناية الإسلام بالمريض أن جعل عيادته حقاً من حقوقه على إخوانه المسلمين، ففي الحديث: «خمس تجب للمسلم على أخيه»، وعدّ منها «وعيادة المريض». ولم يكتف الرسول صلى الله عليه وسلم بحث المسلمين على عيادة المرضى، بل كان يعودهم ويخفف عنهم ويسليهم.

قال عثمان بن عفان رضى الله عنه: «إنا والله قد صحبنا رسول الله في السفر والحضر، وكان يعود مرضانا ويتبع جنائزنا ويغزو معنا ويواسينا بالقليل والكثير». وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم عاد بعض أصحابه حين مرضوا، وكذلك عاد غلاماً يهودياً ودعاه إلى الإسلام فأسلم.

فينبغي على المسلمين أن يتعلموا هذا الخلق، وأن يقتدوا بالرسول صلى الله عليه وسلم، فهو القدوة والأسوة.

راية المحرزي

طباعة Email