تنعم الأسرة بالهدوء والاستقرار عندما يكون هناك حوار هادئ بين الزوج وزوجته، وبين الأولاد وآبائهم، وإذا حدثت مشكلة جلس الزوج مع زوجته أو مع أبنائه وتدارس الأمر معهم كي يصلوا إلى حل لهذه المشكلة، وينهض كل واحد إلى عمله مرتاح البال والضمير لأنه وجد إنساناً يستمع إليه ويفضي إليه بما عنده.
والناظر إلى بعض الأزواج يجد منهم من يغضب بسرعة ويثور وتأبى عليه نفسه أن يحاور من يعيش معهم كالزوجة مثلاً ظناً منه أن هذا يقلل من شأنه أن يهز شخصيته أمام زوجته، فيعتمد أسلوب الرفض وسيلة لإثبات شخصيته، ويعتمد على علو صوته بالسباب والشتائم، وهذا لا شك لا يحل أي مشكلة، بل يزيد المشكلة تعقيداً إذا كانت هناك مشكلة أو لأنه بعصبيته وعنجهيته يسبب المشكلة، بل المشكلات مع المحيطين في البيت وفي خارج البيت.
وهذا النوع من الأزواج يكون ضرراً على نفسه، أو على الآخرين حتى في محيط العمل، فقد تدفعه عصبيته إلى إثارة المشكلات مع زملائه وتدفعه قبل الزواج إلى خلق مشكلات مع خطيبته أو مع أهلها. وقد يحدث انفصال قبل أن يتم الزواج، وإذا قدر الله وتمّ الزواج، تظل الأسرة معرضة لأي هزة قد تعصف بها ويشعر الجميع بخيبة الأمل.
وهنا وعلى مثل هذه النوعية من الأزواج وحرصاً على الأسرة ومستقبل الأبناء، عليه أن يعرض نفسه على طبيب نفسي، وهذا لا عيب فيه، بل سيأخذ الطبيب بيده ويصف له العلاج المناسب، لأنه لو ترك نفسه دون علاج، فإنه في لحظة غضب يمكن أن ينطق بلفظ الطلاق ويهدد الأسرة بالانهيار.
وقد تأخذه العزة بالإثم إذا أرادت زوجته أن تدلله يقول لها في جفاء: ما هذه التفاهات؟ ويتركها لشأنها ويخرج من المنزل لمقابلة أصدقائه، وهناك يكون الضحك والنكات. ويا ليته يذهب إلى المسجد ويتوضأ ويصلي ركعتين، عندها سيجد نفسه قد هدأت وذهب غضبه وعاد إلى بيته وشارك زوجته بالكلمة الطيبة في حل أي مشكلة.
وعندها سيجد كل عون ومساعدة من زوجته التي تبغي حياة هادئة خالية من التيارات الجارفة التي قد تكون سبباً في انفصام عرى الزوجية، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فكان صلوات ربي وسلامه عليه يناقش زوجاته ويستمع إليهن ويأخذ برأيهن.
كما أخذ برأي السيدة أم سلمة يوم صلح الحديبية، وكان رأيها سديداً. أما أن يفترض الزوج الغضوب أن فتح باب المناقشة لأي مسألة فيها تقليل من شأنه أمام زوجته، فهذا افتراض خاطئ..
ولماذا التقليل من آراء شريكة الحياة؟.. ولماذا ارتبط بها طالما ينظر إليها على أنها جارية وليس من حقها إبداء الرأي في أي موضوع، فالحياة الزوجية شركة تحتاج إلى مشاركة جميع أطراف الأسرة في إيجاد حلول لما يعترضهم من مشاكل.يقول ابن المقفع: إذا حاججت فلا تغضب، فإن الغضب يدفع عنك الحجة ويظهر عليك الخصم.
وأي أسرة بها أبناء وبنات قد يحدث فيها أحياناً ما يستوجب إيجاد حل لما يبرز من هذا الولد أو هذه الفتاة، الذين تكثر طلباتهم، وإذا لم يجدوا آذاناً صاغية لهم تجدهم يعانون قسوة الحياة، الأمر الذي يؤثر على تفكيرهم ونفسياتهم.
يقول ابن السِكِّيت:
لا تغضبن على قوم تحبهم
فليس منك عليهم ينفع الغضب
وإذا كانت عصبية الزوج ليست مرضاً، فعليه بعد أن يهدأ أن يراجع نفسه ويتجه إلى زوجته ويتودد إليها بطيب الكرم ويقول لها اعذريني ويرجوها إذا رأت عصبيته أن تتركه ولا تقف له عند كل كلمة يتفوه بها كي تسير سفينة الحياة إلى بر الأمان. وعلى الزوج أيضاً ألا يقف لزوجته عند أي هفوة ويخلق مشكلة من لا شيء، أما إذا تكرر منها ما يثيره، فعليه أن يوجهها بالحسنى.
فهذه أم الأولاد والحبيبة التي تتقي الله فيه وفي أولاده وفي ماله، ولكي تدوم العشرة، ينبغي على كل من الزوج والزوجة أن يستمع كل واحد إلى رأي الآخر ولا يسفهه، وإذا احتاج إلى تقويم فيكون بالهدوء وبالتي هي أحسن.
فالرجوع عن الخطأ فضيلة وليس عيباً أو نقصاً في شخصية الإنسان أن يعود عن خطئه، وقد قيل إن الإنسان الشريف هو الذي يرجح الفكر على الكلام، ويغلِّب الفضيلة على الفكر.
حامد واكد
