يشكّل الاحتياج العالمي إلى الأغذية بأسعار مقبولة مشكلة أساسية في كل دول العالم. فتزايد القلق بشأن توفير الإمدادات الغذائية ناتج عن الأسعار الباهظة للسلع والانخفاض في مستويات المخزون الاستراتيجي العالمي والكلفة المتزايدة للمدخلات الزراعية، بالإضافة إلى التنافس من جانب مصنعي الطاقة البديلة.
وتتأثر منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل خاص بهذه العناصر، نظراً لعدم وجود مساحات كافية من الأراضي الزراعية وندرة مياه الريّ. وفق ما أورده تقرير لشركة «بوز أند كومباني».
وأوضح نبيه مارون، الشريك في «بوز أند كومباني» أن النقص في الأغذية في بعض دول المنطقة، أدّى إلى اضطرابات، فيما أجبر ارتفاع أسعار المواد الغذائية بعض الحكومات على زيادة الدعم الغذائي.
ما يسهم في تشكيل ضغط إضافي على ميزانيات الدول. ونتيجة هذه العناصر، بدأت حكومات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا باتخاذ خطوات لإعداد سياسة شاملة للأمن الغذائي.
الطاقة البديلة
وذكر التقرير أنه مع ارتفاع أسعار النفط في العام 2008، ازداد طلب مصنّعي الطاقة البديلة على بعض المحاصيل، ما ساهم بدوره في زيادة أسعار الأغذية. وقد أطلق هذا الارتفاع المفاجئ والحادّ في الأسعار حملة من التظاهرات في بعض الدول، وتسبب بإجهاد لمالية الحكومات نتيجة الارتفاع الهائل في أسعار المواد الاستراتيجية الغذائية في دول أخرى.
وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ المساحات الزراعية في المنطقة محدودة وهناك مشكلات في المياه، حيث يسجّل عدد كبير من الدول مؤشرات منخفضة جداً مقارنة بمعايير الأمم المتحدة للفقر المائي.
وقال جورج عطا الله، الشريك في «بوز أند كومباني»: بما أنّ زراعة بعض المحاصيل كالأرزّ تتطلب كميات كبيرة من الماء، قد يستعين عدد من دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالواردات، ما يؤدي إلى تعزيز تأثّرها بأي خلل في السوق العالمية للمواد الغذائية الاستراتيجية.
وتنظر دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حالياً في استراتيجيات توريد بديلة كجزء من سياسة شاملة للأمن الغذائي.
وعلى هذه السياسة أن تحدّد الأغذية الاستراتيجية أولاً قبل التركيز على العناصر الأربعة الأساسية: توفير الكميات المطلوبة، التأكد من كونها في متناول الجميع مادياً، البعد الغذائي، وصحة وسلامة المنتج الغذائي.
الكمية والتوقيت والنفاذ
وأفاد التقرير بأن الكمية والتوقيت والنفاذ عناصر رئيسية لضمان الأمن الغذائي. وتقوم دراسة بوز أند كومباني على تعزيز فعالية هذه العناصر الثلاث: على السلع الاستراتيجية أن تكون متوافرة بالكميات المطلوبة، وفي الوقت المطلوب، وتكون بمتناول كل فئات المجتمع في جميع المناطق.
ويقول مارون: على صانعي السياسات أن يؤمنوا كميات كبيرة من الأغذية في البلد المعني من خلال مزيج من الإنتاج المحلي والواردات. أمّا الخيار الثالث الجديد فهو التعاقد الزراعي الخارجي.
حيث تتمتع الدول بالاستفادة من الأراضي الزراعية والموارد المائية واليد العاملة المتوافرة في بلد آخر بهدف زراعة محاصيلها الاستراتيجية واستيرادها.
الإنتاج المحلي للأغذية
وقال التقرير: لتعزيز الإنتاج المحلي للأغذية، يمكن لصانعي السياسات أن يزيدوا مساحة الأراضي المزروعة أو أن يستبدلوا مزيج المحاصيل بالمحاصيل الاستراتيجية، ويعزّزوا إنتاجية الأراضي ومردودها من خلال الأبحاث، أو يدخلوا تحسينات تكنولوجية بيولوجية مثل الكائنات المحوّرة وراثياً.
وأضاف: تسهم الواردات في تلبية الحاجات الاستهلاكية عندما تتّسع الفجوة بين الطلب على الأغذية والتوريد المحلي. وتعتمد الأنظمة الاقتصادية المتحرّرة على القطاع الخاص لتأمين الواردات.
فيما لا تزال منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تعتمد على القطاعين العام والخاص في هذا المجال. كما أنّ الاعتماد على الواردات قد يفرض على الحكومات تأمين بنية تحتية فعالة لسلسلة الإمدادات، كقدرات التفريغ في الموانئ، ومساحات التخزين الكافية.
التعاقد الزراعي الخارجي
وذكر التقرير أنه عندما يكون خيار الإنتاج المحلي غير ممكن وتكون الواردات متقلّبة وغير مستقرة، يبرز التعاقد الزراعي الخارجي كخيار جديد. وفي هذا الإطار.
تعقد دولتان اتّفاقاً يخوّل إحداهما الاستفادة من الأراضي الزراعية والموارد المائية والخبرة واليد العاملة المتوافرة في الدولة الأخرى. ومؤخراً، بدأت حكومات مجلس التعاون الخليجي، الساعية إلى ضمان الأمن الغذائي، تنظر في إمكانية اعتماد التعاقد الزراعي الخارجي.
ولكن ليس من الواضح بعد ما إذا كان التعاقد الزراعي سيثبت فعاليته، نظراً إلى أنّ بعض الدول قد تلغي صادراتها عندما تكون الإمدادات محدودة.
وفي هذا الإطار، يقول عطا الله: بهدف تأمين توافر المحاصيل، على صانعي السياسات إعداد اتفاقات تجارية وتطوير علاقات متينة مع دول تتميّز بوفرة الموارد والاستقرار السياسي.
تأمين توافر الأغذية
وقال التقرير: إنّ تأمين الكميات الكافية من الأغذية عند الحاجة هو أمر حيوي. ولبلوغ هذا الهدف، يلجأ صانعو السياسات إلى التخزين وتخفيض مدة التوريد لتسريع وتيرة التسليم.
ويشمل التخزين إنشاء احتياطات استراتيجية كافية لمدة محددة من الاستهلاك المحلي. ويتطلّب التخزين تخطيطاً كافياً لتحديد حجم المخزون الضروري وطريقة الشراء وطرق الإدارة الفعلية والتخزين وتوقيت إطلاق المخزون في السوق المحلية.
ويتم تحديد كميات الاحتياطات الاستراتيجية بحسب المدة التي يتطلبها تسليم الشحنات وإمكانية بروز اختلال في الإمدادات.
وأشار التقرير إلى أنه يمكن تخفيض مدة التسليم عند تنويع مصادر الإمدادات، وعندما يكون هناك تفضيل واضح لتوريد المنتجات الغذائية من دول مجاورة.
وأوضح أن الوصول (وصول الغذاء) هو القدرة على تسليم الأغذية في كل أرجاء البلد. ويتطلّب ذلك تقييماً لسلسلة الإمدادات الخاصة بكلّ سلعة، بما في ذلك قدرة تحويل المنتج إلى الحالة النهائية مثل تحويل القمح إلى خبز، وقدرات وشبكات النقل ونقاط البيع، مع الأخذ بالاعتبار التركيز الديموغرافي في البلد.
التحكم والدعم
في استطلاع حديث أجرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (ئءد) مع المسؤولين الحكوميين الدوليين، أعرب معظم المشاركين عن تفضيلهم للتحكّم بالأسعار والدعم بهدف ضمان الأمن الغذائي.
مع ذلك، وخلال تصميم أي سياسة دعم غذائي، هناك ثلاثة عناصر يجب أخذها بالاعتبار:
- الاستهداف: وهو تحديد المجموعات الخاصة الواجب استهدافها من خلال الدعم مع الأخذ بالاعتبار مستويات الفقر والمجموعات الضعيفة على المستوى الاجتماعي.
- الشكل: ويتمثل في تصميم الدعم بطريقة تسهم في تحقيق الأهداف المرغوبة، كدعم المنتج النهائي فقط بدل دعم كل سلسلة الإمدادات.
- الفاعلية: وهي التأكّد من أنّ المنتج المدعوم يصل إلى المستخدمين المستهدفين ويحقق الأهداف المنشودة.
ويقول مارون: في الوضع المثالي، على ديناميات السوق أن تحدّد الأسعار، فيما تعيد الحكومات تحضير القوانين الحالية التي لطالما سبّبت اختلالاً في الأسعار. وعلى الدول أن تلجأ إلى مراقبة الأسعار في الحالات القصوى فقط، وبطريقة محدودة.
برامج الرعاية المستهدفة
وذكر التقرير أنه في أي دولة نامية، يعاني المواطنون من النقص في التغذية عندما لا يستهلكون الكمية الكافية من السعرات الحرارية، أو من سوء التغذية، عندما لا يستهلكون المزيج المناسب من النشويات والبروتينات والدهون، بحسب ما توصي به منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو).
ويمكن للدول أن تصمّم برنامجاً لتثقيف المجتمع حول مخاطر النظام الغذائي غير المتوازن أو عدم استهلاك الكمية المطلوبة من السعرات الحرارية بحسب العمر والجنس.
يمكن لوزارات الصحة والتربية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا العمل معاً من أجل إعداد برامج تشجّع المواطنين على تحسين عاداتهم الغذائية. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن للحكومات النظر في إمكانية إعداد برامج دعم تشجّع على استهلاك منتجات صحيّة.
الامتثال للمعايير الدولية
يشمل الأمن الغذائي معالجة الأغذية وتحضيرها وتخزينها للتأكد من أنها صحية وآمنة للاستهلاك. في العام 1963، أعدّت لجنة أسستها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية وهيئة الدستور الغذائي (ُلمٍّ ءٌيٍمَُّفْيَِّّ)- وهو عبارة عن مجموعة معايير ومبادئ توجيهية وممارسات ذات صلة بالأمن الغذائي.
وتدير الوكالات المحلية المملوكة من الدولة الأغذية على أساس هذه المبادئ التوجيهية، بما في ذلك الهيئة العامة للغذاء والدواء في المملكة العربية السعودية وجهاز أبوظبي للرقابة الغذائية.
وسيضطلع القطاع الخاص بدور مهم في الحفاظ على الأمن الغذائي نتيجة اشتراكه في سلسلة الإمدادات الغذائية. وعلى صانعي السياسات إعداد مبادئ توجيهية للسلامة كي يتبعها القطاع الخاص. ويضيف عطا الله: في الأزمات أو الحالات الطارئة الغذائية - كانتشار تلوث غذائي - يمكن للحكومة أن تتدخل لتأمين الإمداد بالأغذية الآمنة.
مهام العام والخاص
خلال تنفيذ سياسات الأمن الغذائي، يمكن لحكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا اختيار التوازن المثالي بين مشاركة القطاعين العام والخاص.
وتبرز فعالية استراتيجيات الأمن الغذائي حين يقتصر الدور الحكومي على المهام السياسية والرقابية. وتعتمد غالبية الدول على جهود القطاعين العام والخاص للحفاظ على توافر السلع الغذائية الاستراتيجية.
ومع ذلك، تقع على عاتق الحكومات مسؤولية القرارات الاستراتيجية في ما يتعلّق بكمية المخزون، وإعداد حوافز أو سياسات لتمكين القطاع الخاص من تنمية إمدادات السلع الغذائية أو استيرادها.
واختتمت «بوز أند كومباني» تقريرها بالقول: إنّ تأمين الوصول إلى السلع الغذائية الاستراتيجية الجاهزة للتسويق هو مصدر قلق كبير بالنسبة للحكومات.
وعلّق عطا الله قائلاً: يمكن لحكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تنفيذ سياسات للأمن الغذائي قادرة على تأمين توافر السلع الاستراتيجية المغذية والآمنة للاستهلاك بأسعار مقبولة.
ويمكن تحقيق هذه الأهداف من خلال عدد من التدابير التي تشمل حوافز واضحة للقطاع الخاص وبنية تحتية مرنة لسلسة الإمدادات.
أدوات لتخفيض الأسعار
قال تقرير «بوز أند كومباني» إنّ توافر الأغذية بأسعار مقبولة هو العنصر الثاني في سياسة شاملة للأمن الغذائي.
ويمكن للدول استخدام مجموعة واسعة من الأدوات للتأكد من أنّ السلع الاستراتيجية والمنتجات الغذائية متوافرة بأسعار مقبولة للسكان. ويعتمد تبنّي هذه الأدوات والتكاليف المرتبطة بها على سياسات الاقتصاد الكلي الخاصة بالدولة المعنية.
وبحسب عطا الله: تدعم بعض الحكومات القطاع الزراعي لتوفير الحوافز من أجل إنتاج سلع غذائية استراتيجية، فيما تدعم حكومات أخرى المنتج النهائي، ما يؤدي إلى خفض العبء المالي على الفئات الفقيرة والضعيفة مادياً كالأطفال والأرامل وكبار السنّ.
وفي مصر، على سبيل المثال، تهتم وزارة التضامن الاجتماعي بتأمين توافر السلع الاستراتيجية الأساسية بأسعار مقبولة.
من خلال برنامجَين رئيسين: دعم الخبز لكل المواطنين، بالإضافة إلى دعم الأرزّ والسكر وزيت الطعام والشاي من خلال بطاقات تموينيّة تُوزَّع على الفئات الأكثر فقراً.
