عرفت تويوتا بحرصها الشديد على ضبط الإنفاق، وقد صب ذلك لسنوات في صالح كل من الشركة وعملائها. ودأبت الشركة اليابانية على خفض درجات الحرارة بصورة روتينية في مهاجع العمال خلال ساعات العمل، كما ربطت أجهزة التصوير بكلفة كل نسخة للحيلولة دون الإفراط في استخدامها .

وتعاون مهندسوها مع الموردين لخفض أكبر قدر من النفقات دون المساس بمستوى الجودة. لكن وفي منتصف العقد الماضي دارت الدائرة على تويوتا، وانقلبت النعمة إلى نقمة.

وأشارت مجلة فوربس إلى ما ردده مديرون تنفيذيون في صناعة السيارات، حاليون منهم وسابقون، ممن حاولوا استيعاب الكيفية التي انحدرت فيها تويوتا، ذات السمعة الذهبية بفضل تميزها الهندسي إلى هذا الدرك الأسفل، باستدعائها لأكثر من 8 ملايين سيارة بسبب أعطال ميكانيكية ربطها المنظمون الأميركيون بإحدى وخمسين حالة وفاة.

وقبل أن يدرك مسؤولو الشركة أن تسارعا غير محدد هو سبب التحطم، كما قال أحد هؤلاء التنفيذيين، فإن عملية تصنيع بسيطة قد تشعل أحيانا حريقا بسيطا كنتيجة مباشرة لعملية التقشف. وكان ذلك مؤشرا مبكرا على أن التركيز على خفض الكلفة تجاوز كل الحدود.

حدثت تلك الهفوات الإنتاجية في عام 2006 بعد عام من مباهاة كاتسواكي واتانابي رئيس الشركة حول توفيره أكثر من عشرة مليارات دولار من تكاليف التشغيل العالمي في السنوات الأخيرة. بالرغم من تسارع مؤثر في نمو الأرباح ونصيب وافر في حصة السوق العالمية، منتصف العقد الماضي.

لكن تويوتا ما لبثت أن ضغطت طلبا لمزيد من خفض النفقات. وطلبت من الموردين تصميم قطع لسيارتها من طراز كامري سيدان متوسطة الحجم تكون أقل كلفة وأخف وزنا بنسبة 10%.

غير أن جيم برس كبير التنفيذيين الأميركيين في الشركة حذر رؤساءه في اليابان من مغبة تدني مستوى جودة السيارات، وفقا لعرض مصور أمام محققي مجلس الشيوخ كشف عنه خلال تحقيق عن عملية التسارع المفاجئة. غير أن التحذير ذهب أدراج الرياح.

عيب محرج

كانت سيارة كامري التي طرحت في عام 2006 تعاني من عيب محرج في غطاء السقف، وهي البطانة المصنوعة من القماش التي تغطي الجزء الداخلي من السقف.

فتحت ضغط توفير النفقات، اختار مورد كامري الرئيسي وهو فرع تويوتا بوشوكو، مادة من القماش الكربوني لم يوافق عليه مهندسو تويوتا، وفقا لأحد المديرين التنفيذيين الذين عملوا في التصميم.

وقد صنعت حشوة السقف من طبقات مضغوطة من خليط من المواد، باستخدام قدر معين من الحرارة لصبها، وقد تطلبت المادة كمية كبيرة من الحرارة بحيث تؤدي إلى اشتعال السقف.

أصلحت تويوتا الخلل، لكن عندما قام مورد قطع في أميركا الشمالية مهتم بالعمل مع الشركة بتفكيك سيارة كامري في عام 2007، فوجئ المهندسون بالمستوى المتدني الذي وصلته براعة تويوتا التقليدية نتيجة سياسة تقليص النفقات.

وقال أحد التنفيذيين الذي امتنع عن ذكر اسمه خشية إفساد علاقاته التجارية مع تويوتا، إن حشوة سقف السيارة، رغم تطابقها مع أنظمة السلامة، جرى ترقيقها توفيرا للمال.

خفض النفقات

وتصر تويوتا أن حرصها على خفض النفقات لم يلحق ضررا بالعملاء. ونفى جيم وايزمان، نائب رئيس تويوتا لعلاقات أميركا الشمالية التجارية ذلك قائلا، غير صحيح إطلاقا أن سياسة تقليص التكاليف أدت تلقائيا إلى خفض مستوى الجودة . مضيفا أن كل صانعة للسيارات لا بد أن تحافظ على وضعها التنافسي من حيث السعر.

هذا صحيح، لكن ربما ليس في ظل تركيز تويوتا الشديد على خفض النفقات، والتوسع السريع تحت راية ثلاثة رؤساء متعاقبين هم هيروشي اوكودا( 1995-1999) و فوجي تشو (1999- 2005) و واتانابي (2005-2009). وسيقضي رؤساء تويوتا التنفيذيون سنوات في محاولة رأب الصدع الذي أحدثه أسلافهم.

وسلمت شركة تويوتا موتورز إلى المشرعين الأميركيين رسالة يعود تاريخها إلى عام 2006 كتبها موظفون يابانيون من العاملين في الشركة يحذرون فيها من أن خفضا كبيرا في النفقات من شأنه اَلإضرار بجودة السيارات.

وقالت صحيفة فاينانشيال تايمز، إن الرسالة كانت موجهة من قبل فئة قليلة منشقة عن اتحاد عمال تويوتا إلى كاتسوكي واتانابي الرئيس التنفيذي السابق للشركة، يتهمونها فيها بالتفريط في قواعد السلامة بعرقلتها لاختبار السيارات على الطبيعة، واستخدام آلاف من العمال المتعاقدين «غير المحترفين» لفترات زمنية قصيرة.

وسلمت تويوتا الرسالة استجابة لطلب من السيناتور الديمقراطي ادفيلوس تاونز من نيويورك، الذي يترأس لجنة الإشراف والإصلاح الحكومي، إحدى لجان عدة تابعة لمجلس الشيوخ تحقق في مشاكل متعلقة بتزايد السرعة في الملايين من سيارات الشركة.

صراع مستمر

وفي الوقت الذي سجل الاتحاد فيه الشكوى، كانت تويوتا تصارع لاحتواء الأعداد المتزايدة في عيوب منتجاتها. فخلال الفترة الواقعة بين عامي 2000-2006، استدعت الشركة ما معدله مليون سيارة سنويا، بزيادة كبيرة عن فترة سابقة.

وبلغت المخاوف المتعلقة بالأعطال ذروتها في منتصف عام 2006، عندما فتحت الشرطة اليابانية تحقيقا موسعا في الأحداث المحيطة بتهشم سيارة تويوتا هايلاندر الرياضية، إحدى أنواع السيارات المستدعاة، الذي أدى إلى إصابة خمسة أشخاص بجروح بالغة. غير أن الادعاء ما لبث أن أسقط تهمة الإهمال المهني ضد ثلاثة من المديرين التنفيذيين في القضية.

وفي العام نفسه أمر واتانابي بإجراء مراجعة شاملة لعملية ضبط الجودة، وهي مراجعة أصبحت فعاليتها الآن موضع تساؤل في ضوء أزمة الاستدعاءات الأخيرة. وامتنعت تويوتا عن التعليق على الشكوى المقدمة من اتحاد عموم العاملين في تويوتا.

وأشار تاتسو واتاسوكي، الزعيم العمالي إلى حادث تحطم سيارة هايلاندر الرياضية في الرسالة قائلا: إننا نخشى أن عملية جوهرية تتعلق بسلامة تصنيع السيارة جرى إهمالها بحجة المنافسة. مضيفا أنه ما لم يتم تدارك ذلك، فإن تويوتا قد تواجه مشكلة عويصة من شأنها تهديد كيان الشركة ذاته.

وقد انحصرت الشكوى باستخدام تويوتا لعمال متعاقدين للوفاء بمتطلبات الإنتاج المتزايدة. وبعد عامين من إرسال المجموعة لرسالتها، استحوذت تويوتا على جنرال موتورز لتصبح أكبر صانعة للسيارات حجما في العالم.

خلال فترة من فترات العام 2004 كانت تويوتا تضم أكثر من 14000 عامل غير نظامي يشكلون ما نسبته 40% من عمال الإنتاج المحلي. غير أن عدد العمال المتعاقدين تراجع بصورة حادة منذ نشوب الأزمة المالية في عام 2008.

كما انتقد اتحاد عموم العاملين في تويوتا، الذي انشق عن الاتحاد العمالي المؤسس في الشركة في عام 2006، ويضم حفنة صغيرة من الأعضاء مقارنة باتحاد العمال الرئيسي، تقليص زمن تطوير الإنتاج مما فرض ضغوطا على الموردين لخفض أسعار المكونات، واستبدال عملية اختبار السلامة على الطبيعة باختبارات أرخص في أجهزة الكمبيوتر.

توسعات متلاحقة في الأسواق العالمية لعملاقة الصناعة اليابانية

ضاعفت تويوتا بين عامي 1995 و 2009 إلى خمسين عدد مصانعها، ومنشآت التصنيع الخارجية التابعة لها في أميركا الشمالية، وآسيا، وأوروبا، سعيا منها لتحسين استجابتها السوقية، وتجنب أي نزاع تجاري حول صادرات السيارات من اليابان.

وقد تزامن ذلك مع عملية إنتاج واسعة النطاق اخترقت فئات جديدة امتدت من اكس بيسيكيون إلى شاحنة تندرا الخفيفة إلى بيريوس الهجينة. ويقول كوجي اندو المحلل في ادفانس ريسيرتش اليابان في طوكيو، إن تويوتا استحوذت على حصة سوقية بسرعة لم تعهدها أي صانعة أخرى للسيارات في الماضي.

وفي نهاية تسعينات القرن الماضي حققت تويوتا كورولا ورانر4 وراف 4 ذات الاستخدام الرياضي، مبيعات ممتازة، وكانت هناك خطط لاقتحام فئات ميني فان ديترويت ذات المبيعات الواسعة والشاحنات الضخمة.

وفي أسواق أميركا الشمالية الهامة أنفق اوكودا بسخاء لمضاعفة قدرات السيارات الإنتاجية الإجمالية إلى 12 مليون وحدة بحلول 1998. وفي سبيل إطلاق سيينا ميني فان، جرت زيادة طاقة مصنع تويوتا في جورجتاون، الذي يعتبر قاعدة لإنتاج سيارتي كامري وأفالون.

وفي مستهل رئاسة أوكودا للشركة، تواترت روايات عن الاستحواذ على حصة 10% من سوق السيارات العالمية. وبمجرد صعوده إلى منصب رئيس مجلس الإدارة في عام 1999، لإفساح المجال أمام تشو، كان الهدف 15%.

غير أن تشو كان أقل تطلعا من أوكودا، فقد درس القانون في جامعة طوكيو الشهيرة. وفي بداية عمله أصبح تشو مفتونا بنظام انتاج تويوتا وأتقن أفضل ممارساتها. وكثيرا ما تحدث عن حيوية السرعة في دورة الإنتاج وأهمية الاستجابة للمتغيرات السوقية.

في مطلع عام 2003 بدأت الرياح تجري بما اشتهت سفن تويوتا. فقد ازدهرت أرباحها، وفي نوفمبر من ذلك العام تمتعت برسملة سوقية بلغت 110 مليارات دولار، متفوقة على جنرال موتورز وفورد وديملر كرايسلر مجتمعة.

واليوم رغم عثرتها فإن قيمة تويوتا تقدر بنحو 132 مليار دولار. في تلك الأثناء، كان تشو وأكودو وغيرهما من كبار التنفيذيين يدفعون قدما ببرنامج يدعى سي سي سي21 (بناء تنافسية الكلفة للقرن الحادي والعشرين) الذي بدأ في عام 1998. وخلال مرحلة التطبيق لم تترك شاردة ولا واردة.

وعلى سبيل المثال تمعن مصممو تويوتا بالمقابض المثبتة فوق الباب داخل معظم السيارات. وبالتعاون مع الموردين تمكنوا من خفض عدد القطع المستخدمة إلى خمسة من أصل 34 مما ساهم في تقليص نفقات المشتريات بنسبة 40%. وقد خفضت عملية التغيير الوقت المطلوب للتركيب بحدود 75% إلى ثلاث ثوان.

ومع انتصاف العقد، عندما تولى واتانابي، وهو اقتصادي محنك، رئاسة الشركة، كان لدى تويوتا أرقاما مذهلة تتقاسمها مع محللي وول ستريت.

وأثناء عمله كرئيس تنفيذي لتويوتا في أقل من ثلاثة أشهر، أبلغ واتانابي لقاء للمجتمع المالي في نيويورك في 12 سبتمبر 2005، في مانهاتن أن سي سي سي 21 وفرت أكثر من 10 مليارات دولار خلال فترة ست سنوات.

غير أن ذلك لم يشف غليله. إذ أطلقت نسخة لاحقة أكثر تقدما من سي سي سي 21، سميت ابتكار القيمة، وعدت بمزيد من التوفير بجعل عملية التطوير برمتها أكثر رخصا وسرعة، مقلصة قطع الغيار وكلفة الإنتاج، ووقت طرحها في السوق وتمكنت تويوتا من تقصير الوقت اللازم لطرح الموديلات إلى الإنتاج بمجرد الانتهاء من وضع تصاميمها إلى 12 شهرا، مقارنة بمعدل الصناعة الوسطى بين 24 و 36 شهرا.

متاعب خفية

بالرغم من عمق المشاكل التي تعتريها حاليا، فإنها عوارض لمشاكل أكثر جسامة تنتظر تويوتا. فقد انجرفت الشركة بعيدا في ملاحقة نمو عالي الوتيرة، وحصة سوقية، ومكاسب إنتاجية عاما بعد عام. الأمر الذي تمخض عنه تدريجيا اضمحلال شعار الالتزام بالجودة المتجسد في ثقافة تويوتا.

ورغم سنوات الازدهار السريعة، كانت هناك مؤشرات على وجود متاعب خفية. عندما حذر بريس، أكبر مديري تويوتا التنفيذيين الأميركيين، رؤساءه اليابانيين من تردي مستوى الجودة، وأن الجهات التنظيمية تصعد من حملاتها الرقابية.

وأخذت تقارير تتحدث عن مزيد من المشاكل الأكثر خطورة، تسترعي اهتمام الجهات التنظيمية الأميركية في وقت مبكر من العقد. فقد فتحت إدارة سلامة الطرق العامة الوطنية ثمانية تحقيقات في تسارع غير متعمد في سيارات تويوتا بين عامي 2003 إلى 2010.

وفقا لمجموعة بحوث السلامة والاستراتيجة ومقرها روبوث في ماساتشوتيس تتولى جمع بيانات من إدارة سلامة الطرق وغيرها من المصادر لمحامي الادعاء والمستهلكين، رغم أن مشاكل الشركة لم تظهر إلى العلن إلا في هذا العام.

وائل الخطيب