قال رئيس الوزراء اليوناني جورج باباندريو إن اليونان باتت على بعد خطوة واحدة من إعلان عجزها عن الاقتراض، محذرا من أن بلاده تخوض معركة ضد المضاربين في الخارج.
وأضاف باباندريو في خطاب أمام اجتماع سنوي لنقابة العاملين في القطاع الخاص باليونان: نحن في حالة حرب في معركة ضد المصالح الخاصة سواء في الداخل أو الخارج هذه المعركة ضد المضاربين ومن أجل تحقيق الشفافية، بحيث تكون الأسواق في خدمة الشعب وليس الشعب في خدمة السوق.
وأوضح: أنا أتكلم بصراحة أمام الشعب اليوناني، وأننا على بعد خطوة من العجز عن الاقتراض. وشدد على ضرورة عدم الاستدانة لعقود بأسعار فائدة مرتفعة لأن هذا من شأنه أن يدفع البلاد في دائرة الركود الحاد.
وكانت اليونان قد حذرت شركاءها الأوروبيين من احتمال اللجوء إلى صندوق النقد الدولي للحصول على مساعدة مالية إذا لم يتحرك الشركاء الأوروبيون لمساعدتها في مواجهة الأزمة المالية الطاحنة التي تتعرض لها. وأعلن باباندريو أنه يريد أن تقترض اليونان بهامش فائدة مشابه لذلك الذي تقترض به دول منطقة اليورو الأخرى.
وفي الوقت نفسه يتوقع اليونانيون أن تتفاقم الأزمة الاقتصادية التي تعصف ببلادهم العام المقبل، ويعتقدون أن حزمة الإجراءات التقشفية التي اضطلعت بها الحكومة غير عادلة. وأظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة ميترون أناليسيس وهي وكالة متخصصة في إجراء استطلاعات الرأي، لصالح صحيفة إيليفثيروتيبيا أن 56% من اليونانيين يعتقدون أن الأزمة المالية التي تعاني منها البلاد ستزداد سوءا العام المقبل.
كما خلص الاستطلاع إلى أن نسبة 71% من المواطنين اليونانيين يرون أن الحكومة تسير في الاتجاه الخاطئ، وتتبنى إجراءات غير صحيحة وقالت نسبة 64 % إنهم ليسوا مستعدين لتقديم التضحيات اللازمة لإعادة اقتصاد البلاد إلى المسار الصحيح.
إجراءات التقشف
وكانت الحكومة اليونانية تحت ضغط من الاتحاد الأوروبي للقيام بالمزيد لكبح جماح الأزمة التي هزت موقف العملة الأوروبية الموحدة أعلنت مؤخرا عن توفير مبلغ 8 .4 مليارات يورو إضافية من خلال تقليص رواتب موظفي القطاع العام، وتجميد بدلات التقاعد ورفع الضرائب المفروضة على المستهلك للتعامل مع حجم العجز المتضخم في الموازنة.
وتسعى الحكومة بالمبلغ الذي تمكنت من توفيره بتقليص الرواتب وتثبيت مستحقات التقاعد، بالإضافة إلى مبلغ 2 .11 مليار يورو جمعتها عبر خطة التقشف الأولى من تقليص هامش العجز في الموازنة من 7 .12% من إجمالي الناتج المحلي لـ 7 .8% خلال العام الجاري. يشار إلى أن الكنيسة اليونانية أحد أكبر ملاك العقارات في البلاد جرى استثناؤها إلى حد كبير حتى الآن من سداد الضرائب رغم أن الدولة تدفع رواتب القساوسة.
ومن المتوقع أن يقتطع مشروع القانون الجديد نسبة تبلغ 20% من دخل الكنيسة من ثروتها العقارية.
ورقة الصندوق
وحذرت اليونان من أنها قد تجد نفسها مجبرة على اللجوء لصندوق النقد الدولي إذا لم يوافق الاتحاد الأوروبي على خطة إغاثة من شأنها تقليل معدلات الفائدة على المبالغ التي تقترضها هذا الأسبوع.
وترفع أثينا نبرة المخاطرة بالمطالبة بالتزام قوي بدعمها ماليا خلال قمة الاتحاد الأوروبي المزمع عقدها في بروكسل يومي 25و26 مارس الجاري.
غير أن المسؤولين اليونانيين نفوا التقارير التي تقول إنها تخطط للجوء لصندوق النقد الدولي في أبريل المقبل على أقرب تقدير اذا لم تتم الموافقة على خطة إنقاذ من جانب منطقة اليورو، وقالوا إن كل الخيارات لا تزال متاحة.
ويرى الكثيرون أن تدخل صندوق النقد الدولي لإغاثة اليونان سيكون بمثابة إحراج لدول منطقة اليورو الستة عشر حيث ان ذلك يجعل الصندوق هو الفيصل الأخير في تحديد ما إذا كانت أثينا تبذل ما يكفي لإعادة اقتصادها الى المسار الصحيح أم لا.
وعارضت ألمانيا أكثر دول منطقة اليورو ثراء خطة إقالة اليونان من عثرتها وحذرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قائلة إنه يتعين فرض عقوبات على البلدان التي تعجز دائما على مسايرة القواعد المالية للاتحاد الأوروبي، أو أن يتم شطب عضويتها في نهاية المطاف.
تدخل صندوق النقد يضع هيبة منطقة اليورو في المحك
لم يستبعد رئيس المفوضية جوزيه مانويل باروزو فكرة تدخل صندوق النقد لحل أزمة اليونان، معتبرا في حديث صحافي ان المهم ليس الهيبة وانما الفاعلية.
وتثير الازمة الاقتصادية اليونانية التي تعد اول اختبار كبير لمدى تلاحم منطقة اليورو بين الدول الاوروبية بشان مدى ملاءمة تقديم المساعدة لهذا البلد وبشأن خيار اللجؤ الى صندوق النقد الدولي الذي يزداد احتمالا. وأوضحت المانيا صراحة انها لا تستبعد اللجوء الى موارد صندوق النقد الدولي لمساعدة اليونان اذا ما اقتضى الامر.
مواقف راسخة
وبرلين ليست الوحيدة التي تتبنى هذا الموقف اذ ان كلا من هولندا وفنلندا والسويد وبريطانيا وحتى ايطاليا تطرح بدورها امكانية اللجوء ولو جزئيا الى صندوق النقد الدولي في اطار آلية دعم مالي. وقال وزير المالية الهولندي يان كيس دي ياغر: نحن من انصار اتباع طريق صندوق النقد الدولي رغم انه لن يكون كافيا، حيث يتعين انطلاق حل مواز من المنطقة الاوروبية.
واعتبر نظيره الفنلندي يوركي كاتينين انه من الجيد ان يكون صندوق النقد الدولي جزءا من آلية دعم لليونان تستند الى مساعدات ثنائية. اما وزير المالية الايطالي جيليو تريمونتي فقد ابدى مؤخرا انفتاحا على هذا الاحتمال شرط ان يتدخل صندوق النقد الدولي كبنك مع رؤوس امواله وليس كمؤسسة خارجية تدخل صحراء سياسية.
رفض جماعي
وكانت دول منطقة اليورو ال16 رفضت في بداية الامر بالاجماع فكرة اللجوء الى صندوق النقد الدولي تحت ذريعة ان ذلك سيشكل اعترافا بفشلها. وحتى الان تعارض المفوضية الاوروبية والبنك المركزي الاوروبي وكذلك فرنسا هذا الخيار.
لكن يبدو ان هذه الجهات بدأت تلين موقفها في مواجهة تشدد المانيا التي لا تريد ان تدفع سنتا واحدا للمساعدة في حل مشاكل اليونان المالية. وتساءل مصدر في دولة مؤيدة لهذا الخيار: لماذا نستبعد امكانية تدخل صندوق النقد الدولي الان، رغم ان الاتحاد الاوروبي هو الذي وضع فعلا الشروط لتقديم مساعدة لليونان، وان الصندوق سيستخدم كاداة وليس كمؤسسة مهيمنة؟.
لكن الحل الاوروبي الصرف لم يستبعد كليا بعد. فرغم التحفظات الالمانية القوية يخضع رؤساء الدول والحكومات الاوروبية لضغوط قوية للموافقة ولو على الاقل خلال قمتهم الخميس والجمعة في بروكسل على وضع آلية لتقديم مساعدة مالية لليونان لا تستخدم الا عند الضرورة.
واتفق وزراء مالية منطقة اليورو بالفعل الأسبوع الماضي على الخطوط العريضة لخطة مساعدة تقوم على قروض ثنائية. الا ان هذه الموافقة تنتظر مصادقة الرؤساء الاوروبيين لتنفيذ هذه الخطة عندما يحين الوقت لا سيما موافقة المستشارة الالمانية انجيلا ميركل التي تعد الاكثر معارضة لفكرة تقديم اموال لليونان.
وعلق دبلوماسي اوروبي كبير قائلا: هناك ضغوط قوية للتوصل الى اتفاق على آلية لمساعدة لليونان وهناك ايضا مقاومة قوية من المانيا لمثل هذه الآلية. لكن وامام تحفظ المانيا على دفع اي اموال فان الاحتمال الاكبر هو ان يكون على اليونان التوجه الى صندوق النقد الدولي، وهذا ما تريده المانيا. لكن الامر ليس جيدا بالنسبة لاوروبا.
انتظار الصندوق
وينتظر صندوق النقد الدولي الذي اصبح الاوروبيون يفكرون في اللجوء اليه اكثر فأكثر في الازمة المالية في اليونان بهدوء في واشنطن منذ اسابيع اللحظة التي سيطلب منه فيها التدخل. وتتابع المؤسسة عن كثب تردد القارة العجوز التي رفضت اولا فكرة مساعدة مالية من الصندوق قبل ان ترتفع اصوات عديدة الجمعة لأخذ هذا الاحتمال في الاعتبار.
ومن صدف الجدول الزمني ان يكون مديره العام دومينيك ستروس كان في بروكسل ذلك اليوم. ولم يتحدث حينها صراحة عن اليونان لكنه التقى المفوضية الاوروبية التي يبدو رئيسها جوزيه مانويل باروزو من اكبر مؤيدي الصندوق.
وقد ابدى صندوق النقد الدولي شيئا من التحفظ منذ ان اتخذت الازمة المالية اليونانية ابعاد مسألة عالمية وحرص دائما على ابداء ثقته في قدرة الاوروبيين على تسوية الازمة بانفسهم. وتملك منطقة اليورو بمفردها اكثر من 25% من حق التصويت في اكبر هيئة قرار في صندوق النقد الدولي، اي مجلس ادارته.
وفي حين باتت فرضية مساعدة صندوق النقد الدولي الاكثر احتمالا في اوروبا كررت مديرة العلاقات الخارجية في الصندوق كارولاين اتكينسون انها تعتبر ان دول منطقة اليورو تنوي تسوية هذه المسألة بمفردها.
وسبق وتدخل الصندوق في اراضي الاتحاد الاوروبي عندما منح بين نوفمبر 2008 ومايو 2009 المجر ولاتفيا ورومانيا قروضا بالتزامن مع الاتحاد الاوروبي بدون ان يثير ذلك قلقا. وعلى الضفة الاخرى للاطلسي يصعب تأويل الخلافات القائمة بين العواصم الاوروبية حول تدخل صندوق النقد الدولي او عدمه.
ويرى كبير الاقتصاديين سابقا في صندوق النقد الدولي الأميركي سايمون جونسون انه نظرا لنسبة الفوائد التي تقترض بها اليونان (اكثر من 6%) والديون التي تواجهها فان الارقام ببساطة مرعبة.
واذا لم تحصل اليونان على نسبة تفضيلية فسيتعين عليها، على ما تفيد حساباتها تسديد فائض في الميزانية يساوي تقريبا عجزها الحالي. ويؤكد الاوروبيون فيما بينهم انه من غير المستحب تعميق عجزهم الخاص من اجل تصحيح اخطاء دولة اخرى. وتساءل جو فيزنثال من موقع انترنت بازنس اينسايدر ان اموال صندوق النقد الدولي ارخص من الاموال الاوروبية. فلماذا لا تؤخذ؟.
ويقرض صندوق النقد الدولي بنسبة تتراوح حسب نسب قصيرة اخرى متداولة على سوق العملة في عدة بلدان. ويبلغ المعدل الاساسي حاليا 25 .1% ويزداد مع ارتفاع المبلغ. وقد يكون الرقم قريبا من اكبر القروض كلفة منحته المؤسسة الى البرازيل 4 .30 مليار دولار سنة 2002 اي 5 .22 مليار يورو بسعر الصرف الحالي.
آلية القروض
ــ توفر القروض التي يمنحها صندوق النقد الدولي الى دوله الاعضاء مثل الذي يتوقع منحه الى اليونان، للدول المأزومة سيولات بنسبة فوائد متميزة مقابل فرض اجراءات تقشفية. وتعتبر اليونان من الدول ذات الدخل بين المتوسط والعالي، وهي معنية بالاجراء الذي يطلق عليه اسم اتفاق التأكيد.
ــ تبلغ مدة تلك القروض اجمالا سنتين مع تسديدها على فترة تتراوح بين ثلاثة الى خمسة اعوام وتتمثل في منح اموال تطابق حجم اقتصاد البلاد وحاجاتها، بنسبة فائدة واحدة تتغير حسب نسب اخرى. وقد استخدم الاجراء مؤخرا مع ثلاث دول اعضاء في الاتحاد الاوروبي، وهي المجر في نوفمبر 2008 ولاتفيا الشهر التالي ورومانيا في مايو 2009.
ــ انشئت هذه الآلية للتضامن الدولي بعد تأسيس صندوق النقد الدولي سنة 1944 بهدف تفادي تكرار ازمة الثلاثينات التي ادت خلالها الردود القومية الى اغراق الاقتصاد العالمي في الانكماش. وكانت فرنسا اول من استفاد منها سنة 1947.
ــ يمنح القرض بناء على طلب من الدولة المعنية بعد تدارس وضعها وبشروط تتم مناقشتها بين مديرية الصندوق والحكومة. ويقول الصندوق انه يريد بذلك استعادة ظروف نمو اقتصادي دائم. ويطرح بعد ذلك على مصادقة مجلس الادارة، وهي اعلى هيئة قرار تصوت فيها 24 دولة ومجموعة من الدول.
ــ يراد من هذه الشروط اعطاء طابع استثنائي لمساعدة المؤسسة التي تعد 186 دولة عضو. وتقتضي تطهيرا لاقتصاد البلد يتمثل في خفض كبير في عجز ميزانيتها وانعدام توازناتها الخارجية واعادة تكوين مخزون من العملة وربما رفع نسب الفائدة مجددا لخفض الهجمات على العملة. ويدفع الصندوق بعد ذلك القرض جزئيا كل ثلاثة او ستة اشهر مبدئيا مع التدقيق في احترام الاهداف التي يحددها البرنامج الاقتصادي الذي التزمت به الدولة المعنية.
ــ تعتبر هذه الاجراءات مؤلمة في زمن الازمة. وفي بعض بلدان افريقيا واميركا اللاتينية وآسيا تسببت توصيات صندوق النقد الدولي في انعكاسات اجتماعية جلبت استياء الراي العام لمدة طويلة. ويحاول الصندوق اخذ تلك الانتقادات في الاعتبار، ويصر منذ سنوات على ضرورة صيانة النفقات الاجتماعية.
