أنعشت حالة الازدهار التي تظلل التمويل الإسلامي توقعات المصارف الاستثمارية السويسرية بتزايد حجم أعمالها، وحفزتها إلى تبني استراتيجية توسعية ترمي إلى تعزيز تواجدها في السوق الخليجي للاستفادة من قوة زخم نمو أغلب شرائح سوق الخدمات المصرفية الاستثمارية.

وتجري هذه المصارف مفاضلة بين المراكز المالية في منطقة الخليج لتحديد نسب توزيع محافظها الاستثمارية، وتتردد في دوائر هذه الصناعة مقولة تصلح عنوانا لاستراتيجية هذه المصارف، مفادها أن هذه المصارف تضع عينيها على أسواق الإمارات وقطر والكويت وسلطنة عمان والسعودية ولكن قلبها في مركز دبي المالي العالمي.وقد انضم ساراسين إلى قائمة البنوك سويسرية الساعية إلى الاستفادة من فرص النمو الضخمة للتمويل الإسلامي عبر تعظيم تواجدها المباشر في المنطقة بشكل عام، ودبي بشكل خاص. وذلك لكي تكون على صلة متواصلة مع عملائها في المنطقة من خلال تقديم عروض إدارة إسلامية شاملة للثروات، تضم مجموعة متكاملة من الخدمات والمنتجات المصرفية الخاصة المتوافقة مع الشريعة الإسلامية.

وبالتالي، تغير الوضع كليا، فلم يعد مطلوبا من عملاء الشرق الأوسط التوجه إلى سويسرا بحثا عن حلول لإدارة ثرواتهم، بل صارت المصارف ذاتها تنتقل إلى المنطقة لكي تعرض هذه الحلول.وتفيد تقديرات مركز دبي المالي أن المركز قد نجح في استقطاب 10 مصارف ومؤسسات مالية سويسرية حتى أبريل 2009 لمزاولة أعمالها انطلاقاً من مركز دبي المالي العالمي، حيث تقدم خدماتها في مجموعة متنوعة من المجالات، بما فيها الخدمات المصرفية الخاصة وأسواق المال وإدارة الثروات والأصول.ويشكل هذا الأمر في نظر فيدليس جويتز رئيس الخدمات المصرفية في بنك ساراسين تطورا طبيعيا، حيث صار من الأهمية بمكان الاقتراب من العميل للتعرف إلى رغباته واحتياجاته، حتى يكون لدى المصرف صورة واضحة عن تطلعات العملاء.

وعلى خلفية التوقعات بتنامي الطلب على الخدمات، وشيوع الإدراك أن الزبائن الإقليميين لم يصبحوا مستعدين بعد لتلقي هذه الخدمات في لندن أو نيويورك أو سويسرا، فقد سارعت المؤسسات المالية السويسرية للوصول مبكراً وترسيخ أقدامها في أنحاء المنطقة، حيث اتخذت عددا من المصارف السويسرية مراكز لها في مركز دبي المالي العالمي الذي يعد أكثر المراكز الإقليمية إتاحة للفرص على أسس تنافسية شفافة، وذلك بعدما أصبح قاعدة لأكبر بيوت الاستثمارات العالمية وكبار اللاعبين في أسواق التمويل.

موقع متميز

ويشغل مركز دبي المالي العالمي موقعاً متميزاً يؤهله لأن يكون ساحة مثلى لتقديم حلول إدارة الثروات بالنسبة للمصارف السويسرية، حيث إنه يعد بمثابة بوابة لتدفقات رؤوس الأموال في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوب آسيا، التي يقطنها حالياً ربع سكان العالم ويتجاوز ناتجها المحلي الإجمالي من 2 تريليون دولار أميركي، بالإضافة إلى استثماراتها الخارجية البالغة 9,1 تريليون دولار أميركي.

وتزايدت جاذبية المركز بالنسبة للمصارف السويسرية، وذلك في ظل انتقال الجغرافيا الاقتصادية للعالم شرقاً، وشغل المركز الوجهة الأولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوب آسيا للتدفقات المالية وأسواق رأس المال. فضلا عن أنه يلعب دورا محوريا في نمو وابتكارات قطاع الخدمات المالية الإسلامية، في منطقة تشكل فيها الخدمات المالية الإسلامية جزءاً لا يتجزأ من البنية التحتية للنظام المصرفي.

وهو الأمر الذي جعل المركز الساحة المثلى لاحتضان المؤسسات المالية التي توفر منتجات إسلامية، بالنظر إلى إرسائه أسساً راسخة لمزودي المنتجات المالية الإسلامية، بما فيها الصكوك التي تلبي احتياجات المستثمرين، أفراداً ومؤسسات، ممن يزدادون إقبالاً على هذه الاستثمارات في الأسواق الإسلامية وبقية أسواق العالم.

ويتيح المركز، من خلال ناسداك دبي، فيضاً من السيولة لتمويل عمليات الإدراج الأولية والثانوية وتداول منتجات مالية إسلامية متطورة، مثل الصكوك. وتعد ناسداك دبي أكبر بورصة في العالم من حيث قيمة الصكوك المدرجة.

وعلى أرضية التوقعات التي تبشر بأن يشهد التمويل الإسلامي معدلات نمو ضخمة خلال السنوات المقبلة، يتوقع بنك ساراسين السويسري، أن تشهد السنوات المقبلة نمواً متواصلًا في الطلب على الخدمات النوعية المتخصصة المتوافقة مع الشريعة الإسلامية في إدارة الثروات والاستثمارات في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام ودول مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص.

حيث صارت المنطقة الآن من أسرع الأسواق العالمية نمواً في هذا المجال، ويتطلع البنك إلى الحصول على حصص متنامية من أسواق الشرق الأوسط، آسيا، أوروبا والمملكة المتحدة، بالإضافة إلى الأسواق الأخرى التي تنطوي على إمكانات كبيرة، وقد افتتح فرعا إقليميا في مركز دبي المالي العالمي وقطر.

الاستثمار المستدام

ويمثل النمو الضخم الذي يشهده التمويل الإسلامي أحد أسباب انخراط مصارف سويسرية من العيار الثقيل في هذا النوع من التمويل، ويأتي فيدليس جوتز على إبراز توقعاته بخصوص آفاق نمو التمويل الإسلامي بقوله:

من منظوري الشخصي، يحفل التمويل الإسلامي بالتأكيد بالكثير من الفرص، فعندما يسجل التمويل الإسلامي نموا سنويا يتراوح بين 20 و25%، تكون هناك بالقطع فرص غير ممكن تجاهلها من قبل المصرف، فلدي اعتقاد راسخ بأن هناك فرصة لنقل حلول التمويل الإسلامية إلى الدول الغير إسلامية.

حيث صار المستثمرون في العالم الغربي يتطلعون إلى الحلول التمويلية التي ترتكز على المبادئ الأخلاقية والمسؤولية الاجتماعية، وذلك على غرار صناديق التحوط والمكاتب العائلية، فربما هناك تصورات جديدة كليا بشأن كيفية التعامل مع قضايا المال.

ويعتبر بنك ساراسين البين ليمتد مشروعا مشتركا بين بنك ساراسين آند كومباني ليمتد وألبين كابيتال كوربوريشن ليمتد، وهي شركة استشارات ذات مكانة مرموقة في دبي تقدم خدماتها للشركات، وقد سبق بنك «ي وبي إس» بنك ساراسين في القدوم إلى المنطقة، حيث حصل منذ عام 2006 على رخصة للعمل بمركز دبي المالي الدولي، وهو ينشط بالمنطقة منذ الستينيات وموجود بأبوظبي والبحرين ودبي والقاهرة وبيروت.

التزام طويل الأجل

ويؤمن فيدليس جوتز رئيس الخدمات المصرفية في بنك ساراسين بأنه غير ممكن النظر إلى دخول المصرف هذا المجال على أنه جاء في وقت مبكر أو متأخر، بل يجب النظر إلى الأمر من زاوية أن هذا الدخول يجسد التزاما طويل الأجل في تطوير منتجات متوافقة مع الشريعة الإسلامية تناسب تطلعات العملاء في هذا من العالم.

ولكنه يرى أن هذا التحول ليس معناه أن المصرف سيتحول ليكون مصرفا إسلاميا، بل سيظل محتفظا بطبيعته كمصرف تقليدي، وإن كان سيقوم بعرض وتقديم فرص استثمارية متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، مشيرا إلى أنه من المهم بمكان أن يبدأ المصرف نشاطه، عندما يكون على يقين بأنه قادر على تلبية احتياجات عملائه على المدى الطويل.

واعتبر فيدليس جوتز أن دخول مصرف ساراسين ساحة التمويل الإسلامي قد جاء في التوقيت الصحيح، وذلك من زاوية الفرص المتاحة في ظل تداعيات الأزمة المالية العالمية.

حيث يكون من المتعين على المرء البحث عن الفرص وتعديل استراتيجياته في أوقات الأزمات، بما يجعله أكثر قدرة على التعامل مع المعطيات الجديدة، وبالتالي، يكون في أمس الحاجة للتعرف إلى الأفكار الجديدة، وهو أمر أتاحه دخولنا لمجال التمويل الإسلامي، ونحن فخورون بدخولنا مثل هذا المجال.

والجدير بالذكر أن مجموعة ساراسين كانت قد أزاحت مؤخرا الستار عن الخدمات الشاملة للإدارة الإسلامية للثروات، وبهذه الخطوة، تكون مجموعة ساراسين قد خلقت معايير جديدة في هذا المجال، من خلال دمج خدمات تخطيط الأملاك والميراث والخدمات التمويلية وخدمات إدارة الأصول مع سوق المال والمنتجات المهيكلة، مثل عقود الوكالة والمرابحة والمرايا.

ويري فيدليس جوتز أن معايير التمويل الإسلامي تتوافق مع الفلسفة المتبعة من قبل المصرف، وشرح هذه النقطة بقوله: نحن بنينا سجلا جيدا وخبرة قوية في مجال الاستثمارات المستدامة، ويرتبط عنصر الاستدامة هنا ليس بالأبعاد البيئية فحسب، وإنما كذلك بالاعتبارات الاجتماعية.

ويعد التمويل الإسلامي تطورا طبيعيا في هذا الجزء من العالم، وهو يرتكز على فهم ومنطق متماثلين للفلسفة المتبعة من قبل البنك، ويعد ذلك أحد الأسباب التي دعت البنك إلى الانخراط في مجال التمويل الإسلامي، أما السبب الثاني، فيتمثل في النمو السريع للثروات في منطقتي آسيا والشرق الأوسط.

ومن ثم، كان من المتعين على البنك أن يبحث عن فرص جديدة في هذه المناطق لكي يكون في مقدوره مواصلة النمو، وذلك من خلال تلبية احتياجات عملائه بتقديم منتجات تمويل إسلامية.

ويقدر فيدليس جوتز أن اتباع المصرف مبادئ الاستثمار المستدام قد ساهم في تجنيبه الانزلاق في نوعية المشاكل التي قادت إلى الأزمة المالية العالمية، وشرح المنطق الكامن وراء ذلك بقوله: نحن لا نباشر أعمالا تتسبب في نشوء مشاكل شبيهة بتلك التي قادت إلى تفجر الأزمة المالية العالمية.

حيث إننا لم ننخرط في أعمال تتعلق بصناديق التحوط أو أنشطة الرهون العقارية، فضلا عن عدم الانخراط في استثمارات الملكية الخاصة، بل تتمحور أعمال المصرف بشكل رئيسي على شرائح السوق ذات العائد الثابت، وإدارة الأصول، وبالتالي، لم تمثل الأزمة المالية العالمية مشكلة بالنسبة لنا، بل نحرص على التمسك بجوهر أعمالنا، ولا ننخرط في أي مجال ليس منطقيا بالنسبة لنا.

وعلى نفس المنوال، قال فارس مراد مدير العام ورئيس التمويل الإسلامي في بنك ساراسين ان التركيز المستمر على احتياجات العملاء، كان مصدر إلهام في تطوير هذا الطرح من الحلول المتوافقة مع مقتضيات الشريعة الإسلامية، حيث أعرب العديد من العملاء عن اهتمامهم بهذا النوع من النهج الاستثماري، ونحن سعداء بتلبية احتياجاتهم بتقديم مجموعة متكاملة من المنتجات والخدمات التي تجمع بين أعلى مستويات الخدمات المصرفية السويسرية الخاصة المتوافقة تماما مع مبادئ الشريعة الإسلامية.

وتابع حديثه بقوله: إذا ما تعمقنا النظر في الإحصائيات، سنجد أن منطقة الخليج تسهم بحوالي 50% من سوق التمويل الإسلامي، فيما تسهم منطقة جنوب آسيا بنسبة 25%، وتتوزع النسبة المتبقية حول مناطق العالم الأخرى، ويكمن هنا سبب قيامنا بإطلاق مبادراتنا، ومع ذلك، ومن واقع الأنشطة التي قمنا بإطلاقها، نحن لمسنا اهتماما ضخما بالتمويل الإسلامي حتى في أوروبا ذاتها.

صندوق الاستثمار في بورصات الخليج مازال قيد التطوير

كشف فارس مراد رئيس التمويل الإسلامي في بنك ساراسين أن صندوق الاستثمار في بورصات دول الخليج مازال قيد التطوير، وأنه لم يتم اتخاذ قرار بما إذا كان الصندوق سيكون تقليديا أو إسلاميا.

وكان المصرف قد أطلق في يناير من العام الماضي صندوقا بقيمة 100 مليون دولار للاستثمار في بورصات دول الخليج العربية، وذلك من مستثمرين عالميين وإقليميين لاستثمارها في أسواق أسهم دول مجلس التعاون الخليجي الست. وعلق فارس مراد بقوله: لم تنته العملية بعد، حتى يكون بالإمكان الحكم عليها، وبالتالي، يكون من المتعين الانتظار لرؤية ما سوف يكون عليه الأمر.

ولفت فارس إلى أن المصرف يتبنى نموذج أعمال مختلفا ومتميزا، فهو يسعى بالدرجة الأولى لتلبية طلبات العملاء، أكثر مما يسعى إلى بيع حصص في صناديق استثمارية، ودلل على ذلك بأنه بإمكان المصرف تأسيس صندوق استثماري عقاري في منطقة الخليج على غرار صندوقه في سويسرا، وذلك إذا ما طلب زبائنه في الشرق تأسيس صندوق على هذا النحو.

دبي ـ مجدي عبيد