أشعلت الضربة الموجعة التي وجهتها الأزمة المالية على قطاع الصادرات في كل من الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا واليابان والصين حرباً ضروساً في مجال سياسات أسعار صرف الدولار والين واليوان واليورو.
ومع تراجع التجارة العالمية بمقدار 12% لجأت العديد من البلدان الكبرى لاتخاذ تدابير لحماية أسواقها وهو ما عزز التوجه نحو الحمائية. وفي حين تضغط واشنطن على بكين من أجل مراجعة سعر صرف عملتها اليوان والذي تعتبره مقوماً بأقل من قيمته تضرر اليورو الأوروبي كثيراً من ارتفاع قيمته أمام الدولار الأميركي للدرجة التي دفعت دول مجموعة اليورو للحديث لأول مرة عن كارثة تحدق باقتصاداتها نتيجة ارتفاع عملتها الموحدة. وفي اليابان شكل ارتفاع الين كارثة حقيقة لشركات التصدير التي تراجعت أسهمها بقوة مخلفة ورائها خسائر فادحة للمؤشرات الرئيسية في بورصة طوكيو خلال الأشهر القليلة الماضية. ويتعرض دور الدولار كعملة أسياسية للاحتياطي العالمي لانتقادات منذ امتدت الازمة المالية العالمية من الولايات المتحدة لخارجها قبل عامين.
وكان مستثمرون حول العالم قد خفضوا حيازاتهم لاصول مقومة بالدولار فيما لجأت بعض البلدان الى تنويع احتياطياتها بعيدا عن الدولار مخافة الاسراف في الاعتماد على الاقتصاد الأميركي وفي ظل تزايد عجز الموازنة الأميركية.
الين الياباني
ولا يزال الين يتصدر قائمة ارتفاعات العملات الرئيسية ويسجل حالياً مستوى أعلى من 90 يناً أمام الدولار الذي تراجع عن صحوته الأخيرة بعد قراءة مشجعة للتضخم في أميركا دعمت وعد مجلس الاحتياطي الاتحادي لإبقاء اسعار الفائدة قريبة من الصفر لبضعة اشهر اخرى.
وسجل الدولار الكندي أعلى مستوى له في 20 شهرا مقابل الدولار الأميركي مدعوما بارتفاع اسعار النفط. وفي التعاملات الآسيوية أمس تراجع الدولار الاسترالي عن أعلى مستوى له في ثمانية أسابيع أمام العملة الأميركية.
وانخفض اليورو الأوروبي 1, 0% عن مستوياته في اواخر التعاملات السابقة في سوق نيويورك إلى 3720, 1 دولار بعد أن سجل أثناء الجلسة السابقة 3819, 1 دولار وهو أعلى مستوى له في خمسة اسابيع.
لكن مؤشر الدولار الذي يقيس اداء العملة الأميركية امام سلة من ست عملات رئيسية 2, 0% إلى 831, 79 متعافيا من أدنى مستوى له في ستة أسابيع البالغ 507, 79 الذي هبط اليه سابقاً.
ويشعر المستثمرون في طوكيو بخيبة الامل لان بنك اليابان المركزي لم يتحرك بشكل أنشط نحو تخفيف سياسته النقدية. وساهم قرارا البنكين المركزيين الياباني والأميركي في دعم الاصول التي تنطوي على مخاطر لكن هذا الاتجاه لم يستمر طويلاً.
وفي المقابل اقترب الجنيه الاسترليني من أعلى مستوياته خلال أسبوعين ونصف الاسبوع مسجلاً 5338, 1 دولار بعد أن جاءت بيانات الوظائف في بريطانيا أفضل من المتوقع.
كما ساهم في صعود الاسترليني ما ظهر من خلال محضر اجتماع بنك انجلترا المركزي من أن واضعي السياسات صوتوا بالاجماع لصالح الابقاء على السياسة النقدية دون تغيير الشهر الجاري وما المح اليه المحضر وتحذير البعض من أن هناك زيادة في المخاطر الناجمة عن ارتفاع نسبة التضخم.
هيمنة الدولار
وقال الدكتور إيسوار براساد أستاذ السياسة التجارية في جامعة كورنيل الرئيس السابق لصندوق النقد الدولي لمنطقة الصين في محاضرة ألقاها في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية إن الدولار لا يزال هو العملة المهيمنة في العالم.
وتمثل جزءا كبيرا من إحتياطيات النقد الأجنبي العالمية للدول متوقعا لجوء السياسة النقدية الأميركية إلى خفض قيمة الدولار في المدى المنظور في حال لم تتمكن الحكومة الفيدرالية من سد العجز المالي لديها وسداد الدين العام الذي تتزايد مستويات ارتفاعه إلى أكثر من ترليون دولار. وأشار إلى أنه رغم ذلك فإن الدولار لا يزال هو الأقوى مقارنة بالعملات الأجنبية الأخرى.
وأشار إلى تزايد أهمية الأسواق الصاعدة في العالم خاصة الصين ورغبة هذه الأسواق في تأمين نفسها ضد أزمات ميزان المدفوعات من خلال تعزيز احتياطياتها النقدية والسلعية.
وأشار براساد إلى أن الأزمة المالية العالمية أثرت بشكل سلبي وواضح على الاقتصاد العالمي حيث فقدت الولايات المتحدة بسببها 8 ملايين وظيفة ما أثر بشكل سلبي في الاستهلاك وأغلقت العديد من المصانع الكبرى كمصانع الحديد والألمونيوم والأسمنت وغيرها من المؤسسات التي لها علاقة بالبناء والتشييد. وأضاف أن من آثارها السلبية على العالم خسارة الصين نحو 20% من إحتياطياتها النقدية فيما أكد أن الاقتصاد الدولي بدأ يتعافى.
خلل مركزي
وأرجع براساد أحد الأسباب الرئيسية للأزمة المالية إلى عدم تمكن البنوك المركزية من إدارة الأزمة ومعالجة التضخم بالشكل الأمثل بهدف تحقيق التوازن والاستقرار الاقتصادي .
مشيرا إلى أن ما ضاعف من الأزمة هو ضعف الاستهلاك العالمي للسلع وما نجم عنه من تقلص الصادرات من جهة وهروب الرساميل الاستثمارية إلى الخارج لافتا إلى أن هناك دولا نجحت في تعزيز صادراتها ومعالجة الأزمة بشكل متوازن.
ضغوط متلاحقة
وقال جون هنتسمان السفير الأميركي لدى بكين إن الصين تواجه مفاوضات هامة بشأن سعر صرف عملتها في الاسابيع المقبلة مضيفا أنه ليست الولايات المتحدة وحدها التى ترغب في اجراء بشأن اليوان الصيني.
وزاد الجدل بشأن العملة حيث يرى مشرعون أميركيون وعدد من خبراء الاقتصاد أن الصين تبقي سعر اليوان منخفضا كي تتمتع السلع الصينية بميزة تنافسية مصطنعة تتسبب في تشويه الاقتصاد العالمي.
ويتوقع البعض أن توصم الصين بلقب متلاعب في العملة في تقرير نصف سنوي لوزارة الخزانة الأميركية يصدر في منتصف ابريل مما يصعد الضغط على بكين. وأوضح هنتسمان: نحن بحاجة لان نظهر تقدما حقيقيا في خلق الوظائف واعادة التوازن لعلاقتنا هذا العام.
وأضاف: نأمل في أن نرى مزيدا من المرونة بشأن سعر الصرف. وعبر عن رأيه في أن واشنطن تأمل أيضا في أن ترى الصين تعتمد أكثر على الاستهلاك الداخلي لدفع اقتصادها للأمام.
ويهدف مشروع قانون أحاله الحزبان الديمقراطي والجمهورية لمجلس الشيوخ إلى الضغط على بكين لتسمح برفع سعر صرف اليوان مما يهدد باتساع فجوة بين الاقتصادين الاول والثالث على مستوى العالم.
ولكن المسؤولين الصينيين لم يرضخوا قائلين انهم لن يتخلوا عن التمسك بسعر عملة مستقر فيما أكدوا على أن هناك من يرغب في جعل بلدهم كبش فداء لمشكلات الاقتصاد الأميركي قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.
اشرار أفتار
وفي إطار السجال الدائر بين واشنطن وبكين بشأن سياسات أسعار الصرف وصفت صحيفة تشاينا ديلي الصينية منتقدو اليوان من الأميركيين بأنهم مثل أشرار فيلم أفاتار.
وقالت: في البداية كانوا نشطاء حماية البيئة وجماعات السكان الاصليين والان مسؤولو القطاع المالي في الصين هم من تجري مقارنتهم بالابطال ذوي البشرة الزرقاء لفيلم الانتاج الضخم أفاتار.
وهاجمت الصحيفة الرسمية منتقدي سياسة العملة الصينية عاقدة المقارنة بينهم وبين الشركة الجشعة التي كانت تدمر الكوكب باندورا في ملحمة جيمس كاميرون ثلاثية الابعاد.
وكتبت: الضجة المفتعلة في الولايات المتحدة بشأن تقييم الصين لليوان لا تذكرنا على هذا النحو سوى بمشهد في أفاتار يستعد فيه الجنود من الارض لتدمير شجرة الارواح في باندورا. وقالت: في أفاتار المعتدون الذين يهتفون بصيحة الارهاب في مقابل الارهاب معظمهم جنود.
الائتلاف الذي يضغط على الصين لاعادة تقييم عملتها أكثر تعقيدا. وبلغت سنوات من شكاوى واشنطن بشأن ما تقول انه يوان مسعر رسميا بأقل من قيمته الحقيقية نبرة أعلى خلال الأيام الماضية.
ولم تكن التصريحات محل ترحيب في الصين حيث يلوم المسؤولون سوء الادارة في واشنطن وول ستريت على الازمة الاقتصادية العالمية ويقولون إن الضغوط بشأن عملتهم هي محاولة لجعل الاخرين يسددون فاتورة الأخطاء الأميركية. وأضافت: لا تقبل الصين التعرض للتهديد تلو التهديد من جانب نفس الدولة التي دفعت بالعالم الى حافة الانهيار الاقتصادي.
قادة الصين وكثير من الاقتصاديين يعتقدون أن تقييم اليوان مسألة سيادية وكان رئيس الوزراء الصيني ون جيا باو نفى في وقت سابق أن يكون اليوان مقيما بأقل من قيمته الحقيقية مضيفا أن حكومته ترفض تسييس القضية. وخلصت تشاينا ديلي في مقالها الى أنه ينبغي على الرئيس باراك أوباما أن يبحث عن حلول لمشاكله الداخلية.
كارثة ضخمة
قال تشانج وى نائب رئيس المجلس الصيني لتشجيع التجارة الدولية إن ارتفاع اليوان سيكون كارثة على شركات التصدير الصينية وذلك في ظل تصاعد الخلافات مع الولايات المتحدة ودول غربية أخرى بشأن سياسة بكين للعملة. وأوضح أن الهيئة شبه الرسمية استطلعت اراء أكثر من ألف شركة تصدير تعمل في 12 قطاعا بشأن ما اذا كانت تستطيع التعامل مع أي زيادة في سعر الصرف.
وأضاف تشانج أن شركات التصدير في القطاعات التي تزيد فيها الايدي العاملة مثل المنسوجات والاثاث تدير أعمالها على أساس هوامش أرباح صغيرة قد تصل الى 3%. وأشار إلى أنه إذا ارتفع اليوان فان الشركات المصدرة ستواجه على الفور خطر الافلاس اذ أن هامش أرباحها منخفض جدا بالفعل.
وتتعرض الصين لضغوط كبيرة من واشنطن للسماح بارتفاع قيمة العملة. وتهدد أميركا بفرض رسوم على البضائع الصينية حتى تتخلى بكين عن ربط سعر عملتها عند 83, 6 يوانات للدولار منذ منتصف 2008 وذلك لمساعدة شركات التصدير الأميركية في مواجهة الازمة المالية العالمية. وقال تشانج انه بينما تتزايد حدة الضغوط الخارجية على الصين لرفع قيمة اليوان تزيد أيضا الضغوط المحلية بشأن خفض قيمة العملة.
(الوكالات)

