يمثل إجمالي الناتج المحلي لليونان 2% فقط من إجمالي الناتج المحلي للاتحاد الأوروبي، وإعادة هيكلة ديونها لن تستهلك إلا بضعة مليارات من اليورو وهي ليست معضلة كارثية، إذا أخذنا في الاعتبار تريليونات الدولارات التي أنفقت على إغاثة البنوك في أنحاء العالم وأن المؤسسات المالية لا تزال تعاني من أصول مسمومة تملكها ( ويبدو أن الجميع نسيها).

فإذا فشلت إجراءات الدعم فإن الحكومات سوف تعاني من جبالٍ من الديون واقتصادٍ موهون. ولذلك فإن عيون المستثمرين شاخصةٌ لمراقبة احتمالات تكرار ما حدث في كل من البرتغال واسبانيا وايطاليا وايرلندا.

وقد لا يقتصر التأثير المتسلسل على منطقة اليورو وحدها، إذ سوف يأتي الدور على بريطانيا، ربما خلال مرحلة الانتخابات، وعلى سد سندات الخزانة في أميركا التي تعاني ديوناً سنوية تبلغ 10% من إجمالي ناتجها المحلي، ناهيك عن الإجراءات الاستثنائية لبنك الاحتياطي الفيدرالي.

لذلك فإن القضية اليونانية هي اختبار للأسواق وصناع السياسة واللوائح العالمية الجديدة التي تبنتها مجموعة العشرين في بطرسبرج. فحتى الآن اكتفى صناع السياسات في منطقة اليورو بإصدار تصريحات سياسية حول التضامن مع اليونان إلا أنهم لم يفصحوا عن خطة طوارئ مدعومة بموارد مالية.

ومع وصول الأمور إلى هذه المرحلة، قد يكون من الحكمة طلب معونة صندوق النقد الدولي الذي يمتلك السلطة المؤسسية والخبرات التي تؤهله للمساعدة من خلال صياغة خطة محكمةٍ لتحقيق الاستقرار وتوفير التمويل لها.

إلا أن حكومة اليونان وسلطات الاتحاد الأوروبي ليستا متحمستين لهذا الخيار لأنهم يرون فيه ضربة موجعةً لإطار تعاون الاتحاد الأوروبي. ولا يتسم هذا الموقف بالنضج، إذ إنه يغلّب الكبرياء على المنفعة فمن الخطر استمرار حالة عدم اليقين لمدة أطول.

ولا ينبغي على بقية دول العالم أن تقف موقف المتفرج بل عليها اتخاذ موقف حاسم. إن الأزمة اليونانية يمكن أن تكون مشكلة شاملة لأنها تضرب لب خطة الاستراتيجية العالمية الهادفة إلى إنقاذ الاقتصاد من تكرار مأساة الركود الكبير.

وتقوم تلك الاستراتيجية على عقد اجتماعي ضمني يُستخدَم فيه الاقتراض من ثروات أجيال المستقبل لبث الثقة في الأسواق المالية ولتحقيق دورة مفيدة ومستدامة من الإصلاحات الاقتصادية.

والخطر هو إهدار تلك الموارد سديً في محاولة للحفاظ على الوضع القائم. لهذا السبب، لا يمكن أن يقتصر حل الأزمة المالية اليونانية على اجتماعات مغلقة في بروكسل أو فرانكفورت أو أثينا، بل ينبغي أن تشارك فيه مختلف الدول والمنتديات العالمية.

بمعنى آخر، ينبغي على صناع السياسات في أنحاء العالم ضمان أن تقتصر الخرائب الوحيدة في اليونان على الآثار القديمة القائمة على هضبة الأكروبوليس المطلة على العاصمة أثينا.

* مدير الاقتصاد الكلي والإحصاء في مركز دبي المالي العالمي