بدا معالي أحمد حميد الطاير محافظ مركز دبي المالي العالمي في حواره مؤخرا مع القيادات الشابة بمركز محمد بن راشد لإعداد القادة، كما لو كان يقوم بمهمة بالغة الأهمية والحيوية.

وهي تنشيط الذاكرة الجماعية للقيادات الشابة الجديدة، بأن يجعلها على وعي وفهم بجذورها وبيئتها وتاريخها وقيمها، فهو أراد أن يجعل كلمته التي فضل ارتجالها لكي تكون - على حد تعبيره - «كلمة نابعة من القلب» بمثابة شهادة على مراحل تاريخية اجتازتها دولة الإمارات حتى تكون مفردات وفصول هذه المراحل واقرة في ذهن ومخيلة القيادات الشابة. لم يحاول معالي أحمد الطاير تجميل وتنميق تعبيراته وكلماته في توصيفه للتحديات والفترات العصيبة التي مرت بها الدولة، بل قدم الواقع كما عايشه بكل تفاصيله وحذافيره، فهو أراد أن يبث الحياة في هذه الذاكرة لكي تكون حصن القيادات الشابة المنيع في مواجهة ما قد يعترض طريقهم من تحديات.

بأن يكونوا على اقتناع جازم بأن ما يعيشونه اليوم من تقدم وتطور لم يأت من فراغ، بل هو ثمرة تضحيات الآباء والأجداد الذين ذاقوا مر الحياة، ورغم ذلك تمكنوا باقتدار من رفعة شأن الوطن والمواطن إلى المستوى الذي يجعلهم يشعرون بالفخر بانتمائهم الوطني.

مراحل مفصلية

كان من المفترض أن يتحدث معالي أحمد الطاير عن سيرته المهنية، فإذا به فاجأ الحضور بأن محطاته في مسيرته التعليمية والمهنية، هي اختزال لمراحل تاريخية مفصلية مرت بها ليس الإمارات فحسب.

وإنما كذلك العالمان العربي والخارجي، وتمكن معالي أحمد الطاير بكلمات سلسلة وبسيطة تدخل القلب ؟ كما شاء - أن يجعل سيرته الذاتية ترجمة حية للأحداث والوقائع التي شهدتها هذه المنطقة بحلوها ومرارتها.

أراد معالي أحمد الطاير أن ينعش ذاكرة الحضور بشأن الأماكن والمعالم التي كانت موجودة أثناء طفولته وصباه والتي ربما اختفى بعضها وأزيل، ولكنها ما زالت محفورة في ذاكرته، حيث عن مكان «مدرسة السعيدية»، فتفاجأ الحضور بهذا السؤال الذي لم يخطر على بال أحد، وتبارى البعض في تقديم إجابات، ولكن هيهات !

ويبدو أن معالي أحمد الطاير كان على ثقة بأن لا أحد يتذكر مثل هذا المعلم التاريخي، فتطوع بتقديم الإجابة قائلا بالحرف الواحد: «هي الآن موجودة بالضبط في ديوان الحاكم، وكانت ثكنة الشيوخ، وفتحت كمدرسة نظامية في بر دبي، وقد سميت بالمدرسة السعيدية تيمناً بالمغفور له بإذن الله الشيخ سعيد بن مكتوم، وكان بجوارها، مكتبا المغفور له الشيخ راشد وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حفظه الله».

طريق التقدم

لم يشأ معالي أحمد الطاير أن يأتي على ذكر اسم مدرسة السعيدية لمجرد اطلاع الحضور على أنه التحق بهذه المدرسة خلال مسيرته التعليمية، بل جاء على ذكرها ليقوى ذاكرة القيادات الشابة بإيمان جيل الآباء والأجداد بأهمية التعليم في جلب التطور والتقدم.

وهو ما جعلهم شديدي الحرص على إلحاق أبنائهم بمراحل التعليم المختلفة، رغم صعوبة وقسوة الحياة التي واجهوها، ورغم ذلك اعتبر معالي أحمد الطاير نفسه من الجيل المحظوظ لكونه التحق بالتعليم النظامي، وهو أمر لم يكن متاحا للجيل الذي سبقه، إذ كانت المنطقة ؟ على حد قوله ؟

ترزح تحت الاحتلال البريطاني، ولم يكن هناك اهتمام بالتعليم، وكانت الحياة قاسية بكل ما تعنيه الكلمة نتيجة لانهيار تجارة اللؤلؤ، ورغم ذلك، تسابق الأهالي على إلحاق أبنائهم بالصفوف الدراسية، إدراكا منهم بأهمية التعليم.

أراد معالي أحمد الطاير أن يثري ذاكرة الحضور بتقديم نبذة مختصرة عن المدارس التي كانت موجودة في تلك الفترة، بتذكيرهم بأن مدرسة الشعب هي أول مدرسة تنشأ من جهود المواطنين الذاتية وهي موجودة الآن في مكان مواقف السيارات في الغبيبة، وخرجت هذه المدرسة أجيالا عديدة، وفي فترة تالية، تم بناء مدرسة ثانوية ديرة في بر ديره.

وضع التعليم

لم يستغرق معالي أحمد الطاير الكثير من الوقت في سرد ما كان عليه وضع التعليم فيما سبق، بل أراد أن تكون نبذته التاريخية مجرد قاعدة لينطلق منها في توجيه الأذهان إلى درس أساسي أراد أن يرسخه في عقول القيادات، مؤداه أن التعليم يعد الطريق في بلوغ التقدم والتطور المنشود.

وهو ما يعني ضرورة اغتنام الفرص التي صارت متاحة الآن، وهو يأتي على ذكر هذا الدرس بقوله «الحمد الله وضع الإمارات اليوم ووضع أبناء الإمارات، ووضع القيادات الشابة صار مختلفا.

حيث صارت الأمور أكثر مهيأة، فدائما ما تنطوي الحياة على تحديات، ولكنها أكثر سهولة وأقل معاناة مما كان عليه الوضع في الماضي، فهناك اليوم برامج ومؤسسات وآليات تأخذ بيد الشباب وتقدم المساعدة لهم والدعم الفني والنفسي والإداري، وهذا لم يكن موجودا من قبل».

أما الدرس الثاني الذي أراده أن يكون جليا في أذهان القيادات الشابة وهو دور الاتحاد في تطوير مسيرة التعليم بالدولة، حيث اختلف وضع التعليم جذريا أسوة بالأوضاع الأخرى بقيام الاتحاد، عما كان الأمر قبل تأسيس الاتحاد، ويشدد معالي أحمد الطاير على هذه النقطة بقوله «بعد قيام الدولة، شهد التعليم توسعا غير مسبوق.

ورغم البدايات المتواضعة، جرى التوسع في إرسال البعثات التعليمية إلى الخارج لتلقي العلم من مختلف دول العالم، خاصة في مجال التخصصات العلمية، ورغم أن الأمر لم يكن سهلا، إلا أنه تم إرسال البعثات إلى جميع دول العالم، بما في ذلك السعودية والكويت والأردن ومصر».

التوطين وبناء المؤسسات

جال معالي أحمد المطاير بعينه في تفاصيل مشهد آخر وهو التوطين، ليظهر الفارق بما هو عليه الوضع الآن وما كان عليه الأمر في السابق، ويلخص معاليه جوانب هذه المشهد بقوله «كنا نشعر بالغربة في بلدنا وإداراتنا ومؤسساتنا». ويتناول معالي أحمد الطاير بمرارة قتامة هذه الصورة التي مازالت عالقة في ذهنه قائلاً:

«دوائر محدودة كان فيها مواطنون ومنها دائرة الأراضي والبلدية، وكنا نشعر آنذاك بالغربة في بلدنا، كما أن المرأة لم يكن لها في تلك الفترة دور يذكر على الرغم من أهمية دورها قبل ذلك في أيام تجارة اللؤلؤ، عندما كان الرجال يسافرون وتبقى للمرأة شؤون إدارة بيتها وحياتها».

وعلي غرار سرده لمشهد التعليم، انطلق معالي أحمد الطاير من قتامة الصورة التي كان عليها حال التوظيف والتوطين، ليظهر الفارق بين هذا المشهد وما آل إليه في الوقت الحاضر.

ومن منظور معاليه، يكمن السبب الرئيسي وراء تلك النقلة النوعية في إيمان وحماسة الناس بضرورة الالتفاف حول الاتحاد وإقامة كيان دولة حقيقي، وذلك رغم حقيقة أن تطور هذه المؤسسات في بعض الحالات بدأ من نقطة الصفر أو تحت الصفر، فعلى حد قوله «لم تكن هناك أجهزة إدارية أو تنظيمية، كما لم تكن هناك كوادر إدارية.

، وكانت التحديات أكثر شدة وصعوبة بالنسبة لبعض الوزارات كوزارة الخارجية التي كان من الصعب عليها العثور على كفاءات مواطنة قادرة على الإضلاع بالمهام التمثيل الدبلوماسي الخارجي» وتحدث عن أهمية المؤسسات الوطنية، فالشركات الأجنبية لا تستثمر في الموارد البشرية وبخاصة المواطنة، ولا تستثمر في البنية التحتية فهي تبحث عن العائد السريع، لذا كان من المهم أن تكون هذه المشاريع تابعة للحكومة.

تطور الدولة

وساق معالي أحمد الطاير الكثير من الأمثلة الدالة على تطور بنيان وكيان الدولة، وتطرق في هذا إلى التطورات التي واكبت عملية تأٍسيس المصرف المركزي وإطلاق العملة المحلية بقوله :

«كانت لدينا الروبية الهندية حيث ربط الانجليز اقتصادنا باقتصاد الهند، وبعدها انتقلنا إلى روبية الخليج، ومن ثم تم إنشاء مجلس نقد قطر ودبي واعتماد ريال قطر ودبي، واعتمدت أبوظبي دينار البحرين. ولكن بعد الاتحاد تأسس مجلس النقد، وتم إنشاء العملة الوطنية الدرهم، فلولا الاتحاد لما كنا على ما نحن عليه اليوم».

وواصل حديثه بقوله: استمر مجلس النقد في مواصلة مهمته، معتمداً الإدارة الحكيمة للاقتصاد، وقال الطاير «وبعدها تولى شخص بريطاني اسمه سكوت إدارة مجلس النقد.

وبدلاً من أن يلعب المجلس دوره في صياغة السياسة النقدية للدولة، حول سكوت نشاطه إلى تمويل المشاريع، وبعد ذلك في عام 1976 تم اعتماد لجنة ثلاثية كان الطاير أحد أعضائها، ومعه عبدالله محمد المزروعي وناصر النويس لمواجهة مشاكل مجلس النقد، وعمدت اللجنة إلى مراجعة أساسيات العمل.

وتصويب الأمور واقترحت تطور مجلس النقد إلى مصرف مركزي وهذا ما حدث بموجب القانون رقم (10) لعام 1980 واستغرقت عملية اعادة الهيكلة بحسب الطاير 4 سنوات، وقال إن اللجنة وقتها حظيت بدعم صندوق النقد الدولي والخبراء العرب وصدر قانون البنك المركزي.

وبعدما استعرض معالي أحمد الطاير النماذج التي تبرهن على قوة بنيان الدولة، وجه أنظار القيادات الشابة إلى أن الإمارات نموذج للاتحاد يجب الحرص عليه وتعزيزه ورؤى الشيخ محمد واضحة، فقد ذابت الحدود وتلاشت بين إمارات الدولة التي تحولت إلى أسرة واحدة، كما أن تعاضد أبناء الدولة يندر أن نجد له مثيلاً في العالم».

ويضع معالي أحمد الطاير المسؤولية على الأجيال القادمة والحاضرة بأن تحمي وتصون الاتحاد وأن تستكمل المسيرة التي بدأها الآباء المؤسسون بقوله «نجح الآباء المؤسسون في تأسيس الدولة ونحن نفخر بها وعلينا الحفاظ على ما حققوه من إنجازات، إذ رد الاتحاد للمواطن اعتباره بعد أن كان مهمشاً مع غياب التعليم وتركز الوظائف في غير المواطنين من آسيويين وبريطانيين، حتى المناصب العليا مثل مدير دائرة المياه والمالية كانت في يد أجانب».

الاتحاد مفصل تاريخي في المسيرة الوطنية

لم تقف التحديات في رأي معالي أحمد الطاير عند حدود نقص الموارد البشرية، بل كانت الموارد المالية محدودة هي الأخرى، ويعبر عن هذه النقطة بقوله «أنشأنا دولة احتياجاتها كبيرة ومواردها محدودة، إذ كانت الرسوم والعوائد محدودة، وكان النشاط الاقتصادي محدودا في ذلك الوقت.

لكننا تطلعنا إلى تحقيق هدف أسمى وهو تطوير مجتمع واقتصاد الإمارات، لذا تم إنشاء المؤسسات وكنا وقتها نناقش ميزانياتنا وندرس الأولويات التي كان على رأسها دائما التعليم والرعاية الصحية.

ومن ثم الامن والمشاريع والإسكان وغير ذلك من مشاريع البنية التحتية لربط كيان الاتحاد وانطلقت المسيرة»

أراد معالي أحمد الطاير من تناوله لتفاصيل هذا المشهد أن يرسخ الإيمان في أذهان القيادات الشابة بأن قيام الاتحاد يعد أهم نقلة اقتصادية ويشكل مفصلاً تاريخياً للدولة.

حيث كرس الهوية الوطنية. وأصبحنا أبناء دولة واحدة لتنطلق مسيرة التنمية بشكل غير مسبوق، ويعبر عن هذه القناعة بقوله «من عاش فترة ما قبل الاتحاد بين إمارات الدولة هو من يمكنه اليوم أن يدرك قيمة وأهمية الاتحاد. فلا يعرف قيمة الشيء إلا من كان يفتقده، ومن ثم، يجب علينا أن نحرص على مؤسساتنا الوطنية، على دولتنا، التي لا نساوي شيئاً من دونها ومن دون مؤسساتها».

دبي ـ مجدي عبيد