استمر سقوط المصارف الأميركية في دائرة الإفلاس تحت تأثير نزيف الخسائر التي حلت بها منذ النصف الثاني من عام 2008.

وأعلنت 4 مصارف جديدة افلاسها الاسبوع الماضي فقط ليرتفع بذلك عدد المصارف المتعثرة التي اغلقتها السلطات الأميركية الى 26 مصرفا وتشير التقديرات الرسمية إلى أنه بحلول نهاية العام سيضطر أكثر من 140 من بين 8500 مصرف في السوق الأميركية إلى إغلاق ابوابها والانسحاب من السوق.

والصدمة الأكبر التي أشاعت قدرا كبيرا من الذعر بين أصحاب الودائع والمدخرات لدى هذه المصارف، هو اعلان اللجنة الفيدرالية للتأمين على الودائع وهي المنوط بها حمياة حقوق المودعين في البنوك اخفاقها في ايجاد مشترين لاثنين من البنوك الأربعة المنهارة الاسبوع الماضي، وهما مصرفي أوجدين بولاية يوتا وبنك ووترفيلد بميرلاند.

أما بنك سن أميركان بولاية فلوريدا وهو بمثابة الذراع اليمنى لمجموعة سن أميركان بودائع واصول تصل الى أكثر من مليار دولار، فقد كان أوفر حظا من مصرف أوجدين وبنك وترفيلد.

حيث قبلت المؤسسة المالية الاميركية فيرست سيتزن الاستحواذ عليه، ووافقت اللجنة الفيدرالية علي تحمل جزء من الخسائر التي بلغت حتي 5 مارس الجاري نحو 433 مليون دولار.

أسئلة ملحة

وعن مصير اصحاب الودائع في بقية المصارف المنهارة وكيفية ضمان حقوقهم أوضحت شيلا بير رئيس اللجنة الفيدرالية للتأمين على الودائع ل«البيان» أنها ستقدم اعتبارا من 20 مارس الجاري شيكات في شكل شهادات ايداع لأصحاب المدخرات المؤمن عليها في البنوك التي أعلنت افلاسها.

وذلك بهددف طمأنتهم والقضاء على حالة الذعر التي انتابتهم، وضمان سلامة ودائعهم. وقدرت شيلا بير حجم الودائع المؤمن عليها في البنوك الاربعة الأخيرة بحوالي 407 ملايين دولار.

حقوق المودعين

وحول الذي يحدث عندما يقوم بنك باعلان افلاسه والخطوات التي تتخذها السلطات المختصة لحماية حقوق المودعين والأموال التي قام بالبنك باقراضها والديون المستحقة عليه.

تقول بير إنه عندما يعلن اي مصرف افلاسه وعجزه عن الاستمرار في السوق، تدخل المؤسسات المالية وهيئات الإقراض المالي لشراء البنك المتعثر. وفي ظل الظروف الحالية التي يمر بها القطاع المصرفي في الولايات المتحدة، يصبح أحيانا من العسير ايجاد مشترين راغبين في الاستحواذ على البنك المنهار.

في مثل هذ الحالة نقوم في اللجنة الفيدرالية للتأمين على الودائع بتحويل أصحاب المدخرات والدائنين للبنك المتعثر الى دائنين للجنة الفيدرالية، وبنفس القيمة الحقيقية لودائعهم. غير أن أحدث بيانات وزارة الخزانة الأميركية، تشير الي وجود صعوبة كبير لتحقيق ذلك، نظرا لأن عدد المؤسسات المالية القارضة يتضاءل بصورة مخيفة منذ اندلاع ما عرف بفقاعة العقارات في أوائل عام 2007.

واضطرت اللجنة الفيدرالية للتأمين علي الودائع من جهتها ومن أجل التعامل السريع مع تجدد أزمة افلاس المصارف العام الحالي في منتصف الأسبوع الماضي إلى بيع 81 .1 مليار دولار من الأوراق المالية، ومن المتوقع أن تصدر اللجنة الفيدرالية أيضا سندات خزانة بقيمة 4 مليارات دولار في الاسبوعين المقبلين لمحاصرة توابع البنوك المنهارة والحد من اثارها على القطاع المصرفي ككل.

مصادر التمويل

ورداً على سؤال عن المصدر الذي تحصل منه اللجنة الفيدرالية للتأمين على الودائع على التمويل اللازم لتغطية كل عمليات الاستحواذ وضمان سداد الديون المستحقة على المصارف المنهارة، قالت بير إن الحكومة الفيدرالية في واشنطن رصدت 700 مليار دولار لانعاش الاقتصاد الأميركي، وهو ما عرف بخطة الرئيس أوباما للانقاذ.

وأضافت: تسمح الاجراءات والضوابط الجديدة التي أعلنها الرئيس أوباما في بداية توليه السلطة أوائل العام الماضي للحكومة الأميركية بشراء الأصول المملوكة للبنوك المتعثرة بهدف تحجيم الخسائر واستعادة الثقة في النظام المالي الأميركي ككل.

وقام الكونغرس بادخال تعديلات هيكلية عليها بهدف فرض بعض القيود علي استحواذ الحكومة الأميركية لاصول المؤسسات المصرفية التي تعرضت للافلاس. وجاءت هذه التحولات نزولا علي رغبة الجمهوريين في الكونغرس الذين بدأوا حملة مضادة لخطة الانقاذ ووجهوا اتهامات صريحة للرئيس اوباما بوجود ميول اشتراكية لديه.

مجلس الاحتياط

وأشارت بير إلى ان مجلس الاحتياط الفيدرالي يلعب دور المايسترو في مثل هزه الظروف الاستثنائية أو حتى في الظروف الطبيعية للنظام المصرفي الأميركي. ويمتلك المجلس من الأدوات والوسائل التي تمكنه من استعادة حالة الانضباط التي كان عليها القطاع المصرفي قبل حلول أزمة العقارات.

ومن هذه الأدوات مثلا ما قام به في 16 ديسمبر الماضي عندما أعلن تخفيض سعر الاقراض الى الصفر ثم اتبعها بخطوة محسوبة اخرى وهي طبع أوراق مالية اضافية لتشجيع المستهلكين على الانفاق ومحاصرة حالة الركود في السوق المحلية وتشجيع المستهلك الأميركي على الانفاق لتحريك عجلة السوق. لكن بيانات مجلس الاحتياط الفيدرالي ليست بالصورة الوردية التي قدمتها رئيس اللجنة الفيدرالية للتأمين على الودائع.

وكما يقول أحد الخبراء الماليين في بورصة نيويورك فإن الاختبار الحقيقي لخطة انقاذ أوباما هو ما تتعرض له حاليا المصارف الأميركية بعد مرور أكثر من عام على قدوم أوباما إلى البيت الأبيض. فلا تزال خسائر البنوك المتعثرة التي تم الاستحواذ عليها وشراء أصولها تتوالى.

المسكنات الرأسمالية

وطبقا لمسح معلوماتي قامت به أحد بيوت المال في بورصة نيويورك على 19 مصرفا تم اعلان افلاسها العام الماضي، تبين أن 10 بنوك من هذه المصارف المنهارة لاتزال في حاجة ماسة الي مسكنات رأسمالية باجمالي 75 مليار دولار لافاقتها واستعادة عافيتها المصرفية.

أحد الأسباب المباشرة لاستمرار تعثر هذه البنوك هو الفشل في ايجاد مصادر جديدة لجذب الأموال الخاصة اليها وضعف ثقة المستثمرين الأميركيين والأجانب على السواء وحالة الترقب الطويلة التي تسود أوساط المال العالمية انتظارا لما ستسفر عن خطة أوباما للانقاذ.

لكن على الجانب الآخر يومض بعض الضوء في اخر النفق الذي دلفت اليه المصارف التي أغلقت أبوابها في السنوات الخمس الأخيرة. حيث أظهرت بيانات مجلس الاحتياط الفيدرالي أن عددا لا بأس به من المصارف الأميركية الكبرى مثل تشيز وجولدمان ساش وامريكان اكسبريس تم السماح لهم باعادة 68 مليار دولار الى وزارة المالية .

بعد أن أظهرت البيانات تحسنا ملحوظا في الأداء المصرفي النصف الأخير من العام الماضي وبدايات العام الحالي. وكان مبلغ الـ 68 مليار دولار جزءا من المساعدات المالية العاجلة التي وفرتها خطة انقاذ أوباما للقطاع المصرفي.

تأمين

تأسست اللجنة الفيدرالية للتأمين على الودائع في الثلاثينات من القرن الماضي بهدف التأمين على الودائع لدى البنوك. وتقوم المصارف الأميركية بالتعاون مع الحكومة الفيدرالية في واشنطن بتغطية نفقاتها.

وتطور دور اللجنة عبر عمرها الممتد الى أكثر من 80 سنة ففي السنوات العشر الأولى لانشائها كان عملها الرئيسي هو تأمين اغلاق البنوك المفلسة والمحافظة على حقوق أصحاب الودائع بها.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 تضاءل دور اللجنة نظرا لمرحلة الاستقرار الطويل التي تمتع بها النظام المصرفي. لكن مع اندلاع ما يعرف بأزمة القروض والمدخرات أواخر الثمانينات من القرن الماضي اضطرت اللجنة الفيدرالية ولأول مرة في تاريخها الى الاقتراض من وزارة الخزانة الأميركية لتغطية نفقات أعمالها.

ثم دخل الاقتصاد الأميركي ككل في مرحلة انتعاش كبيرة في فترة التسعينات بفضل سياسات الرئيس الأسبق بيل كلينتون، وشهدت الفترة من 1996 الى 2006 حالات نادرة لافلاس البنوك.

لكن انفجار ازمة العقارات في العام التالي في 2007 والخسائر المصرفية الهائلة التي أعقبتها جعلت من اللجنة الفيدرالية للتأمين على الودائع بمثابة طوق الانقاذ الحقيقي للمستهلكين واصحاب الودائع المصرفية في الولايات المتحدة.

ثروات الأميركيين تتضخم رغم الأزمة

أظهرت دراسة لمجموعة استشارية أن عدد الاسر في الولايات المتحدة التي تبلغ ثروتها الصافية مليون دولار على الاقل قفز 16% العام الماضي بعد أن كان تراجع بشكل حاد اثناء الازمة المالية.

وقالت الدراسة التي اجرتها مجموعة سبكتريم الاستشارية ان عدد الاسر الأميركية التي لديها ثروة صافية تبلغ مليون دولار فأكثر مع استبعاد مقر الاقامة الاساسي بلغ 8 .7 ملايين اسرة في 2009 ارتفاعا من 7 .6 ملايين في 2008. وأشارت الدراسة إلى أن العدد كان هبط 27% في 2008.

وأضافت ان العدد الحالي لا يزال أقل من الرقم القياسي المسجل في 2007 والذي بلغ 2 .9 ملايين أسرة.

وجاء الارتفاع في العام الماضي مع صعود أسواق الاسهم في الولايات المتحدة. وزاد مؤشر ستاندرد اند بورز 500 نحو 28% وسجلت شركات ادارة الثروات الكبرى أرباحا قوية مع تعافي حسابات زبائنهم عما كانت عليه في 2008.

وأظهرت الدراسة أيضا ان عدد الاسر الاكثر ثراء التي تزيد ثروتها الصافية عن خمسة ملايين دولار ارتفع 17% العام الماضي الى 980 ألف اسرة. وتجاوز عدد الاسر التي تبلغ ثروتها الصافية 500 ألف دولار أو أكثر 7 .12 مليون اسرة بزيادة 12%. وقالت سبكتريم ان دراستها جاءت على أساس مسوح شملت حوالي 3000 اسرة غنية ونحو 2600 اسرة عبر الانترنت.

لكن في الجانب الآخر ذكرت دراسة نشرت بالتزامن مع الدراسة الأولى أن عدد العمال الأميركيين الذين ليس لديهم مدخرات للتقاعد زاد للسنة الثالثة على التوالي.

ونقلت شبكة سي ان ان الإخبارية الأميركية عن معهد أبحاث التقاعد السنوي قوله أن نسبة العمال الذين قالوا إن مدخراتهم تقل عن عشرة آلاف دولار ارتفعت إلى 43% في عام 2010 بعدما كانت 39% في عام 2009. وقال المعهد إن 16% من الذين شملتهم الدراسة يعتقدون أن باستطاعتهم توفير مبلغ كاف من المال كي يعيشوا فترة تقاعد مريحة.

ورأى رئيس معهد أبحاث التقاعد السنوي في أميركا جاك فانديرهي أن أوضاع العمال الأميركيين تعكس الحالة الاقتصادية التي مرت بها البلاد خلال العامين الماضيين و يبدو أن ذلك ينطبق أيضاً على عام 2010.

وانخفض عدد العمال الذين قالوا إن لديهم مدخرات للتقاعد الى 69% الآن بعدما كان 75% في عام 2009. وعزا فانديرهي التراجع في عدد العمال الذين لديهم مدخرات إلى الأزمة المالية في أميركا والبطالة والمشاكل المتعلقة بالحصول على قروض وغير ذلك.

وقال إنه خلال السنوات الماضية لم يكن لدى الكثير من الأميركيين المال الكافي لتدبر أمورهم. وقال 24% من العمال الأميركيين إنهم أجلوا موعد تقاعدهم خلال السنة الماضية وبزيادة 14% عما كان عليه الأمر في عام 2008. وشملت الدراسة 1153 عاملاً ومتقاعداً أميركياً في الخامسة والعشرين من العمر وما فوق.

نيويورك - طارق فتحي