قبل الخوض في آليات عمل قطاع الاتصالات المستقبلية والخوض في تفاصيل التحديات المقبلة، علينا التذكير بأنه كان من الأكثر قدرة على مواجهة تبعات الأزمة الاقتصادية العالمية مستفيدا من كونه قطاعا خدميا بالدرجة الأولى ولم تتعرض أصوله التشغيلية إلى هزات حقيقية كغيره من القطاعات الصناعية والمالية.

بدليل أن معظم المشغلين المحليين والإقليميين حققوا أرباحا جيدة مقارنة بالخسائر الهائلة التي لحقت بالقطاعات الأخرى وعلى رأسها العقار والسياحة. فهل يعني ذلك بأن كل شيء سيكون بخير خلال 2010 وما يليه وأن الأدوات المستخدمة في العمل لا تزال صالحة للمستقبل؟

لكن الواقع يقول بأن مشغلي الاتصالات في المنطقة سيواجهون تحديات جديدة، بعد انقشاع غيوم الأزمة «نظريا» وظهور علامات تعاف في هيكل الاقتصاد العالمي.

فهناك مشكلة الجيل الجديد من «السكان الرقميين» الذين ليس لديهم عالم آخر سوى الربط بالعالم الرقمي، وهناك التهديدات من شركات مثل «أبل» و«بلاك بيري» و«غوغل» و«نوكيا» التي تحاول إعاقتهم عبر تقديم تطبيقات مباشرة إلى المستخدمين من خلال أجهزتها الخاصة أو تلك الخاصة بأطراف خارجية كمواقع الشبكات الاجتماعية مثل «فيس بوك» و«تويتر» التي تستقطب ملايين المستخدمين.

وهناك تهديد غير ظاهر للعيان وهو ازدياد الاشتراكات بخدمات الانترنت العريض في المنطقة بنسبة 44% إلا أن مستوى الاستعمال يبقى متدنياً عند حدود 4, 2% من مجموع سكان المنطقة.

وكذلك التعامل مع قضية ارتفاع أسعار الخدمات ووضع برامج تخفيض التكاليف، وتحديد القدرات الأساسية التي تنتج منها فائدتهم التنافسية وتجنب تخفيض التكاليف ذات الصلة، مع تركيز كبير على تخفيض النفقات الأخرى.

فالتقارير المتخصصة في قطاع الاتصالات والتقنية تشير إلى أنه سيكون عليهم إدارة مجموعة من نماذج عمل واستراتيجيات أكثر تنوعاً من ذي قبل، مع إرساء التوازن بين الموارد البشرية ورأس المال الاقتصادي في مختلف مناطق العالم، على أمل مواجهة التحديات المتنوعة في الأسواق المتقدمة والنامية معا.

كما أنهم سيواجهون المزيد من المنافسين وطلباً متزايداً من عملاء أكثر اطلاعاً، فضلاً عن مواجهة انتشار التقنيات الجديدة. وفي الوقت نفسه، سوف تؤدي الحكومات والجهات المنظمة دوراً محورياً في دفع عجلة تطوير القطاع، الأمر الذي يؤدي إلى إنعاش النمو الاقتصادي.

ويرى كريم صباغ، وهو نائب رئيس في بوز أند كومباني والمسؤول العالمي عن قطاع الاتصالات والإعلام والتقنية في الشركة أنه:«سوف يتعين على المشغلين التركيز أكثر فأكثر على أربع حتميات هي إنعاش زخم النمو وتسريع الابتكار في الخدمات والاستفادة من قدرات الإنترنت الفائق السرعة، وتحويل هياكل التكلفة». وسيتعين على المشغلين تطوير القدرات المناسبة لمواجهة هذه الحتميات، في حال أرادوا الاستمرار في النمو في جميع أسواقهم.

المزيد من النمو

كان الانكماش بالنسبة إلى المشغلين في الشرق الأوسط أقل قسوة منه بالنسبة إلى المشغلين العالميين، إذ استمرت أسواق المنطقة بالنمو. ومنذ بداية الانكماش في أواخر عام 2008، عمل المشغلون على تخفيض استثماراتهم الاستراتيجية في النمو العضوي وغير العضوي على السواء.

وفي غالبية الحالات، تعمد المشغلون الأمر للاحتفاظ بالسيولة النقدية تحسباً لظروف أسوأ قد تقع، مما بدد الكثير من فرص الاستثمار.

وتباطأ الاستثمار في البنية التحتية. فخلال عام 2009، سعى المشغلون إلى تحقيق أعلى فائدة من خطط توسيع الشبكات.

وتشاركوا الشبكات مع منافسيهم، وطلبوا من الموردين مهلاً أكثر مرونة ونماذج تمويل مبتكرة. بيد أن حركة العملاء استمرت. وهذه السنة، سوف يسعى المشغلون في الشرق الأوسط بفعالية إلى تحقيق النمو من جديد.

وبرأي دايفد توسا، المدير في بوز أند كومباني أن: «المشغلين سيستأنفون النمو غير العضوي من خلال عمليات الاستحواذ، لكنهم سيركزون بصورة متزامنة على التحكم بالعمليات في أسواقهم الناشئة لضمان النمو المنشود. وسوف يعملون بغالبيتهم على إيجاد التوازن الملائم بين جهودهم باستخراج القيمة من انتشارهم المتوسع» .

وسوف يركز المشغلون في الشرق الأوسط على تحقيق الحجم مع فورة السوق الإجمالية في أسواقهم الناشئة، الأمر الذي يستمر لثلاث أو أربع سنوات ومن ثم يتلاشى. وسوف يحقق المشغلون الذين يعتمدون الاستراتيجيات الصحيحة ويستثمرون مقدماً خلال هذه الفترات المحدودة فائدة مستدامة طويلة الأمد من خلال الحجم وضمان تحقيق أداء مالي أعلى من أداء منافسيهم الأكثر ممانعة.

ومع الاستثمار في توسيع الشبكات، يتعين على المشغلين المطلعين التركيز على بناء مجموعات عملاء أكبر عبر تشجيعهم على الاستفادة من أسعار اتصالات أكثر استقطاباً بين العملاء المحددين بعناية.

ويتعين على المشغلين العمل على بناء ماركات قوية ودعمها بتغطية إعلامية واسعة وحضور قوي في المحال التجارية وعلى صعيد التوزيع. وسوف يسمح الأثر الناشئ للمشغلين الكبار بتحقيق الزخم والقدرة على الاستقطاب، مما يقلل شيئاً فشيئاً من قدرة المشغلين الأصغر حجماً على الاستقطاب.

أما في أسواقهم المتقدمة، فيتعين على المشغلين في الشرق الأوسط البحث عن مجالات للنمو عبر التركيز على قطاعات جديدة في السوق والتركيز على حصصهم من قيمة السوق كمؤشر وحيد مهم للنجاح. وسوف يكون على المشغلين التركيز على خدمات معينة لكل قطاع في حال أرادوا تأمين عملاء ذات قيمة عالية.

وقال محمد مراد وهو مدير في بوز أند كومباني إنه «رغم أن المشغلين في الشرق الأوسط يواجهون في الوقت الراهن مجموعة مختلفة من التحديات في أسواقهم المتقدمة والناشئة، تميل مصادر القلق هذه أكثر فأكثر إلى التماهي».

تسريع الابتكار في الخدمات

يتجه القسم الأكبر من عالم الاتصالات بسرعة نحو التسليع ـ من الربط والخدمات الأساسية للهواتف المتدنية التكلفة، إلى تجهيزات الشبكات بذاتها ـ الأمر الذي يدفع غالبية الفاعلين في القطاع إلى البحث عن مصادر جديدة للقيمة، ويكمن الحل الواضح في الخدمات.

ومع سعي المتنافسين في قطاع الاتصالات إلى الارتقاء في سلسلة القيمة، يسير العالم بسرعة في اتجاه نموذج رقمي ودائم.

ويتوقع المستهلكون الحصول على التجربة الرقمية الخدمات النصية، والشبكات الاجتماعية، والأخبار والمعلومات، والأفلام العالية الدقة ـ في أي مكان وأي وقت. وقد بدأ مشغلو الاتصالات باعتبار بوابات الإنترنت من الأصول الأساسية في السباق إلى تقديم الخدمات.

ولفت صباغ في هذا الإطار إلى أن «هذا التوجه سيؤثر في كل وجه من أوجه قطاع الاتصالات ؟ من الشبكات الفائقة السرعة التي سيصر عليها العملاء، ومجموعة الأجهزة الجديدة التي يتوقعون الربط بها، والأنواع المتوسعة للتطبيقات التي يرغبون في الدفع مقابل الحصول عليها.

وسوف يزداد طلب الجيل الجديد من «السكان الرقميين» الذين ليس لديهم عالم آخر سوى الربط بالعالم الرقمي بشكل مستدام». ورغم أن التركيز على ابتكار الخدمات يمثل أولوية واضحة، فإن هذا التوجه ما زال في مهده.

وعليه، يوفر هذا المجال للفاعلين الأكثر ابتكاراً العديد من فرص النمو ؟ فضلاً عن القدرة على الانقطاع عن تقديم الخدمات لمن لا يستطيعون التكيّف.

ويتعين على المشغلين في الشرق الأوسط مواجهة التهديدات من شركات مثل Apple hGoogle hBlackBerry hNokia التي تحاول إعاقتهم عبر تقديم تطبيقات مباشرةً إلى المستخدمين من خلال أجهزتها الخاصة أو تلك الخاصة بأطراف خارجية ؟

ومن مواقع الشبكات الاجتماعية مثل Facebook hYouTube hTwitter التي تستقطب ملايين المستخدمين، عبر تعزيز الابتكار واستقطاب مطوري التطبيقات المستقلين إليهم. وللمشغلين في الشرق الأوسط أفضلية على سائر الفاعلين الدوليين في هذا الإطار بفضل المعرفة العميقة للعملاء المحليين وقدرتهم على تقديم المحتوى باللغة العربية.

وسوف يكون التماهي أيضاً عاملاً محركاً لابتكار الخدمات في سنة 2010، فالتماهي داخل قطاع الاتصالات سيدفع بعجلة خدمات الاتصالات الخالية من التعقيد وخبرات المستخدمين من خلال تقنيات الهاتف الجوال والثابت على السواء وفي ما يتعلق بمختلف أجهزة المستخدمين.

وسوف تساعد التقنيات الممكنة على غرار تقنية نمٍُُّكمٌٌَّ التي تسجل نمواً سريعاً في دفع هذا التوجه إلى الأمام. بالإضافة إلى ذلك، سوف يركز المشغلون الذين لديهم تغطية جغرافية واسعة على الخدمات العابرة للحدود مثل خدمات التجوال الموحدة وخدمات الدفع والتحويل عبر الجوال التي تسمح لهم بالتمايز.

وقال توسا إن:«المشغلين الذين يؤدون هذه اللعبة سيجدون أنفسهم في معركة قائمة على ردة الفعل وقصيرة الأمد ومرتكزة على الأسعار مع منافسيهم المباشرين، وغافلين عن التحولات في سلوك المستخدمين التي قد تجعل نموذج الاتصالات التقليدي برمته غير صالح».

ولمواجهة هذا الوضع، يتعين على المشغلين تخطي منافسيهم المباشرين في ابتكار الأفكار إلى أسواق أخرى أو قطاعات أخرى أو حتى فروع ضمن مجموعتهم، فتحريك الابتكار الحقيقي سيشكل عامل التمايز المستدام الفعلي.

الإنترنت الفائق السرعة

يزداد الطلب على الإنترنت الفائق السرعة بشكل كبير على المستوى العالمي، لناحية ازدياد الطلب على الاشتراكات والسرعات على السواء. وبالنسبة إلى المشغلين في الشرق الأوسط، فإن ظروف نمو الإنترنت الفائق السرعة تتطلب عناية بالغة. فقد كان من المتوقع ازدياد الاشتراكات فيه في منطقة الشرق الأوسط مع نهاية عام 2009 بحوالي 44 في المئة للعام الماضي، رغم أن مستوى الاستعمال يبقى متدنياً عند حدود 4, 2 في المئة من مجموع سكان المنطقة.

وفي الأسواق الناشئة مثل الهند وإندونيسيا ونيجيريا، سوف يؤدي الإنترنت الفائق السرعة دوراً محورياً نظراً إلى البنى التحتية المحدودة للهاتف الثابت فيها والطبيعة الجغرافية الصعبة لأراضيها والتوزع الجغرافي الواسع لسكانها. وبالنسبة إلى المشغلين في الشرق الأوسط، تفترض هذه الأرقام قدرة كبيرة لنمو الإنترنت الفائق السرعة في المديين القصير والمتوسط.

ولا يسعى مستخدمو الإنترنت الفائق السرعة المستهلكون والشركات على السواء في الأسواق الأكثر تقدماً في الشرق الأوسط إلى مجرد الحصول على خدمات إنترنت سريع بل يرغبون أيضاً في اختبار التطبيقات المتعددة التي يتيحها الإنترنت الفائق السرعة وخدمات القيمة المضافة الناتجة منه.

وفي الأسواق الناشئة، سوف يلبي المشغلون الطلب المتزايد على الإنترنت الفائق السرعة من خلال الربط اللاسلكي. ومع انتشار مدونات الإنترنت َetbooks المتدنية التكلفة وتدني أسعار أجهزة الهاتف الجوال، سوف يجد المستخدمون لاسيما الشباب منهم طرقاً لركوب موجة الإنترنت الفائق السرعة.

وقال مراد إن:»اقتصاديات الجيل التالي من الإنترنت الفائق السرعة مازالت تنطوي على تحديات تمنع الانتشار في الأسواق المتطورة والناشئة على السواء مع سعي المشغلين إلى تحقيق إيرادات يمكنها تبرير تكلفة نشر الإنترنت الفائق السرعة». فبعدما أدركت الحكومات الآثار المفيدة لشبكة الإنترنت الفائق السرعة الوطنية على التنمية الاجتماعية والاقتصادية، بات التزامها وتدخلها أكبر مع توقها إلى دعم النمو الاقتصادي من خلال نشر شبكة الإنترنت الفائق السرعة على نطاق واسع.

ويتعين على المشغلين في الشرق الأوسط الالتزام مبكراً مع الحكومات وصانعي السياسات لضمان مكانة لهم في برامج الجيل التالي من الإنترنت الفائق السرعة في جميع الأسواق التي يعملون فيها.

وسوف تتطلب إدارة التداخل بين الفتح المستمر لخدمات الاتصالات للأفراد والشركات أمام المنافسة والتنظيم المتجدد للشبكات الوطنية قدرة استراتيجية مهمة للفاعلين في القطاع الذين يأملون في النجاح في المستقبل الذي سيكون أكثر خضوعاً للأنظمة.

التعهيد حل لخفض التكاليف

بعدما كان التعهيد منتشراً في أوروبا وأميركا الشمالية خلال العقد الماضي، سوف ينتشر بين المشغلين في الشرق الأوسط هذا العام أسلوب تعيهد الخدمات أكثر فأكثر مع إجبار الهوامش المنخفضة المشغلين على النظر في تعديل أحجام هياكلهم التنظيمية في المدى الطويل.

والمرشحون للتعهيد في الأسواق الناشئة مشابهون لأولئك في الأسواق المتقدمة، أي مراكز الاتصال والجهات التي تقدم خدمات الدعم لتقنية المعلومات وتلك التي تتولى بناء البنية التحتية للشبكة وعمليات الشبكة وصيانتها.

وبالنسبة إلى المشغلين المنتشرين في أكثر من منطقة، سوف يفسح التشابه في تنفيذ برامج من هذا القبيل بين سوق وأخرى، المجال أمام التنسيق والعمل على أساس مركزي، بهدف تحقيق أعلى مقدار من الفعالية وتبادل المعرفة عبر المناطق .

ويتعين على المشغلين الاهتمام بتنفيذ التعهيد باختيار نموذج العمل ونموذج الشراكة الملائمين، فضلاً عن اختيار الشريك المناسب. وسوف يحتاج المشغلون لقدرات جديدة ليديروا بفعالية برامج التحول إلى التعهيد وكذلك الاتفاقات على مستوى الخدمة مع الموردين. كما يتعين على المشغلين مراجعة ميزانياتهم العمومية للإحاطة بصورة شاملة بأصولهم الثابتة وتقييم إنتاجيتهم وتحديد كيفية تحقيقهم للقيمة بصورة أفضل.

دبي ـ محمد بيضا