رصد المشاركون في مؤتمر «مستقبل شركات النفط الوطنية : التحديات والفرص المقبلة» الذي جري عقده أمس في دبي جملة تغييرات في بيئة المخاطر التي تتعامل معها شركات النفط الوطنية ، سواء فيما يتعلق بامن إمدادات الطاقة أو تغير الظروف الاقتصادية.

واشاروا إلى أن بيئة المخاطر أضحت أكثر عرضة مما كان عليه الوضع في الماضي للتغير بشكل دائم ، وأوصى بعض المشاركين بأن تتبني شركات النفط الوطنية أساليب تتميز بالشمولية في التعامل مع مسألة ادارة المخاطر كما أوصي البعض بان تعمل شركات النفط الوطنية علي تعظيم قدراتها وطاقتها المؤسساتية في مجال التعامل مع المخاطر. وفي ظل تزايد هذه المخاطر تسعى الشركات إلى توفير بيئة استثمارية آمنة لها.

وقال جيمس آر بيرس رئيس شركة مارش ل «البيان الإقتصادي» إن الشركة تعتزم خلال السنوات العشر المقبلة اعطاء المزيد من التركيز على شركات النفط الوطنية بأن تكون مزود الإستشارات الأول لهذه الشركات بخصوص إدارة المخاطر وذلك عبر توسيع تواجدها في دبي التي تشكل مركزا لعملياتها الإقليمية.

وقال المدير التنفيذي للشركة ان هذا التركيز يأتي نتيجة توافر الإدراك والاقتناع لدى الشركة بأن الإتجاهات في صناعة النفط والغاز تشير إلى أن شركات النفط الوطنية ستشغل مكانة اللاعب الرئيسي في هذه الصناعة وبالتالي نحن نحرص على تقوية إلتزامنا حيال هذه الشركات عبر تقديم تزويدها بالخدمات الإستشارية في مجال إدارة المخاطر .

وتابع : قمنا على المستوى المحلي بتشكيل فريق من خبراء الطاقة يضم 11 شخصا ، وذلك على مدار العامين ونصف عام الماضية ، ويتمركز هذا الفريق في دبي ، وهو ما يعزز قدرة الشركة على تقديم الخبرة والمعرفة في هذا المجال للشركات النفط الوطنية في المنطقة .

أشار إلى أن لندن تعد الخيار المفضل تقليديا بالنسبة لمديري إدارة المخاطر ، ولكن شركة مارش تفضل توجيه إستثمارها في هذا المجال إلي المنطقة ، وذللك عبر إتخاذها دبي مقرا لعملياتها الإقليمية وهو ما يتيح للشركة إمكانية إظهار قدراتها وخبراتها بناء على اسس موجودة على ارض الواقع ، ويتيح لها كذلك مد الجسور مع شركات النفط الوطنية المتواجدة في دول الخليج ، على سبيل المثال الكويت التي تبعد بمقدار نصف ساعة عن دبي ، وبالتالي ، تعتبر دبي بالنسبة للشركة مركزا لعملياتها الإقليمية .

توسيع الأنشطة

وأكد جيمس آر بيرس على إلتزام الشركة بتوسيع تواجدها في قطاع الطاقة بالمنطقة خلال السنوات القليلة المقبلة ، وذلك من خلال توسيع فريق خبراء الطاقة المتواجد في دبي خلال السنوات القليلة المقبلة ، مشيرا إلى أن الشركة تؤمن بأن تواجد فريق خبرائها في مكان واحد يكون أكثر جدوى وقوة ، بالمقارنة مع أسلوب توزيع الخبراء على دول المنطقة ، حيث يتيح تواجد أعضاء الفريق في مكتب واحد إمكانية تقاسم الخبرات والأفكار القابلة للتطبيق على أكثر من دولة.

وردا على سؤال حول الفوائد التي تحققها الشركة من جراء التواجد في دبي التي لا تعتبر منتجا رئيسيا للنفط والغاز أجاب جيمس آر بير : وقوع إختيارنا على دبي كمقر إقليمي لعمليات الشركة يعود إلى المكانة التي تتمتع بها دبي كمركز مالي والتي تعد ترجمة لرؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بأن تكون دبي مقرا للشركات العالمية ، وهو ما ينسجم مع طبيعة أعمال الشركة كمزود للإستشارات ، وتماشي كذلك مع تطلعات الشركة فيما يتعلق بنمو وتوسيع أعمالها في مجال خدمات الطاقة.

وقال جيمس آر بيرس في معرض رده على سؤال بشأن تقييمة لمكانة الشركة كمزود للإستشارات في مجال المخاطر أن الشركة تؤمن بأن هناك دائما حيزا لجلب المزيد من التحسينات علي نموذج أعمال الشركة ، ولكننا على إيمان جازم بأننا شركة قيادية ورائدة في مجال تقديم إستشارات إدارة المخاطر لشركات الطاقة ، كما أننا نحرص على إدخال التعديلات في أساليب العمل بما يتلاءم مع احتياجات وتطلعات عملاء الشركة.

رسوم المشروعات

وتوقعت شركة مارش انخفاض رسوم بالنسبة لمشروعات الإنشاءات البحرية والبرية المتعلقة بالطاقة ، وذلك بنسبة تبلغ 5 % بحلول شهر يونيو من العام الجاري ، يضاف إليها خفضا ثانيا نسبته 5 % بحلول شهر يناير من العام المقبل ، على أن تصعد هذه النسبة مجددا لتتراوح بين 10 و 15 % بحلول شهر يونيو من العام المقبل . وأوضح بيرس أن الشركات التي تمكنت من إرساء إدارة كفؤة للمخاطر ستكون في وضع أفضل للإستفادة من هذه الإتجاهات الجديدة ، حيث أن الشركات العاملة في مجال التأمين صارت راغبة في رؤية تبني الشركات النفطية خططا مفصلة في مجال إدارة المخاطر ، وذلك قبل أن تعرض شروطا تأمينية أفضل .

آفاق الصناعة

عرض بريان ديبيرولت رئيس شركات مارش ومكلينان الشركة الأم لشركة مارش الرائدة في مجال تقديم حلول إدارة المخاطر توقعاته بالنسبة لآفاق صناعة النفط و الغاز خلال العقد المقبل بدءا من عام 2010 وبلور هذه التوقعات في النقاط التالية :

أولا : استمرار التركز العالمي للنفط والغاز في الكيانات المدارة من قبل الدول : إذ تسيطر شركات النفط الحكومية على الإحتياطيات المتبقية من النفط والغاز ، ومن المتوقع أن تواصل هذه الشركات توسيع نطاق سيطرتها على هذين الموردين .

ثانيا : إنتهاء عهد النفط السهل : حيث تواصل كل من شركات النفط الوطنية وشركات النفط المتكاملة الغربية مسعاها في التنقيب عن الإحتياطيات في المناطق المحفوفة بالتحديات الصعبة جغرافيا وسياسيا على غرار البحث عن الإحتياطيات في المياه العميقة .

ثالثا : المزيد من نشاط الإستحواذات والإندماجات في قطاع الطاقة خلال العام الجاري وما بعده : حيث من المتوقع عودة هذا النشاط ، إثر إتباع نهج الترقب والإنتظار في عام 2009 ، وذلك بفعل تشدد الإئتمان وندرة رؤوس الأموال في بعض القطاعات، وكان الإستثناء على ذلك ، قيام بعض الشركات الصينية بعمليات شراء .

رابعا : تواصل البحث عن الطاقة المتجددة ، حيث أنه من المتوقع أن تواصل شركات الطاقة البحث عن موارد الطاقة المتجددة ، وذلك بغض النظر عن إختلاف الاجندات السياسية ، ويهدف هذا المسعى إلي الإستفادة من موارد الطاقة المتجددة في تقليل تقلبات أسعار السوق لمنتجات الطاقة ، وتعزيز أمن الإمدادات .

خامسا : إطلاق المزيد من المشروعات الضخمة في قطاع الطاقة ، حيث أقترب عهد إطلاق مشروعات تزيد قيمتها علي 50 مليار دولار .

سادسا : استمرار علاقات المشاركة بين شركات النفط المتكاملة الغربية وشركات النفط الوطنية ، ومن ثم ، سيكون بمقدور الشركات النفطية الإستفادة من هذه الشراكات لأسباب سياسية ولوجيستية .

سابعا : ترتكز طبيعة العلاقات بين شركات النفط المتكاملة الغربية وشركات النفط الوطنية علي التوظيف الأمثل للتكنولوجيا والإدارة ورأس المال ، وهو ما يخلق علاقات مشاركة مختلفة عما كان عليه الأمر في العقد الماضي ، ففيما سيتم تشكيل تحالفات جديدة ، ستصر شركات النفط الوطنية على نقل المعرفة إلى قطاعاتها المحلية .

ثامنا : تزايد الأطر التنظيمية وإتباع نهج أكثر صرامة في الإمتثال ، وذلك بزيادة التركيز على إتباع سياسات الحوكمة لتعزيز كفاءة إدارة شركات الطاقة .

معان ودلالات

وتساءل بريان ديبيرولت عن المعاني والدلالات التي تنطوي عليها مثل هذه الإتجاهات الجديدة ، مجيبا بأن هذه الإتجاهات تعني بالنسبة لشركات النفط الوطنية أن هناك فرصة لتحقيق كفاءة ذاتية حقيقية وتعزيز أمن الإمدادات ، كما أنها تعني بالنسبة لشركات التأمين أن هناك فرصة لكي تقدم خبراتها وخدماتها لشرائح السوق الجديدة ، وتعني كذلك بالنسبة للمستثمرين وشركات النفط الغربية المتكاملة أن عنصر المخاطرة المرتبط بالمشروعات الكبيرة والتكنولوجيات الجديدة يجعلها في موقع يمكنها من الحصول على قيم سوقية أعلى لمساهمتها .

ولفت بريان الإنتباه إلي ان منطقة الشرق الأوسط بحاجة لتأخذ في حسبانها التحديات والفرص الناشئة عن بروز لا عبين إقتصاديين غير تقليديين ، وهم روسيا والهند والبرازيل والصين ، حيث تستحوذ هذه الدول مجتمعة علي 15 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي ، ومن المتوقع أن تصعد هذه النسبة إلي 35 % بحلول عام 2025 .

واوضح أنه من الضروري الأخذ في الحسبان أفق نمو الإقتصاد الصيتي ، إذ من المتوقع أن ترتفع حصة الصين من الناتج المحلي العالمي من 9 % إلي مايزيد علي 20 % في عام 2025 ، كما أنه من المتوقع أن يتضاعف إنتاجها الصناعي أربع مرات ليرتفع من 15 % في الوقت الحالي إلي 26 % في عام 2025 ، فضلا عن أنه من المتوقع نمو واردتها 55 % إلي ما يتراوح بين 70 إلي 80 % في عام 2025 .

إدارة المخاطر

قدر جيمس آر بيرس مدير مارش أن شركات النفط الوطنية في منطقة الشرق الأوسط صارت أكثر وعيا بإدارة المخاطر ، مقارنة بما كان عليه الوضع منذ ثلاث سنوات مضي ، حيث أفاد إستطلاع للرأي أجرته الشركة في عام 2007 بأن اٌل 10 % من قادة شركات النفط الوطنية على وعي كامل بنوعية المخاطر التي يواجهونها وكيفية إدارتها بشكل كفؤ.

وقال آر بيرس إن المؤتمر سيتخلله إجرء إستطلاعات لآراء المشاركين بشأن مدى وعي شركات النفط الوطنية باساليب إدارة المخاطر في منطقة الشرق الأوسط ، معربا عن إيمانه الجازم بأن هذه الإستطلاعات سوف تبرهن على أن هناك تفهما ووعيا كبيرين بشأن إدارة المخاطر ، واشار إلي أن هناك تقدما ضخما قد تم احرازه في هذا المجال ، وذلك بناء على خبرة شركة مارش التي اكتسبتها علي مدار السنوات الثلاثة الماضية .

وأوضح أن تصورات ومدركات شركات النفط الوطنية في الشرق الأوسط تجاوزت النظر إلى إدارة المخاطر على أنها مجرد التغطية التأمينية بأن أضحت تنظر إلى هذه المسألة من زاوية التعامل مع المخاطر الوثيقة الصلة بمباشرة الأعمال بما في ذلك المخاطر التشغيلية علاوة على إنتهاج إساليب الحد من المخاطر بما في ذلك نقل جزء من هذه المخاطر إلى شركات التأمين .

وقدر جيمس آر بيرس أن إستطلاعات الرأي لا تعد في حد ذاتها كافية للحكم على مدى وعي شركات النفط الوطنية بأهمية وأساليب إدارة المخاطر ، مشيرا إلي أن هذه الإستطلاعات تتيح الفرصة لمدراء إدارة المخاطر التعرف علي إتجاهات وآراء وإهتمامات مجتمع صناعات الطاقة .

كما أنها تشكل إداة لخلق وتطوير الوعي ، وذلك من خلال خلق حوار ونقاش مباشر بين مدراء إدارة المخاطر من جانب ، وشركات النفط الوطنية من جانب آخر ، ومن واقع هذه العملية ، يكون بإمكان مدراء إدارة المخاطر التعرف على الفجوات الموجودة في نوعية الخدمات التي يقدمونها ، لكي يكونون علي ثقة بأن خدماتهم تتمشي مع تطلعات وإحتياجات الشركات ، ومن ثم ، تمثل إستطلاعات الرأي مجرد بداية لعملية تطوير الوعي وليست نهاية لها .

ويذكر في هذا المجال أنه قد تم التوصل إلي نتائج إستطلاع الرأي الذي أجرته شركة مارش في عام 2007 بناء على بيانات تم تجميعها خلال إنعقاد مؤتمر لمستشاري إدارة المخاطر جري عقده في دبي حينذاك ، وشارك فيه ما يزيد على 250 شخصية قيادية من شركات النفط الوطنية والحكومات والمؤسسات الأكاديمية، وأظهر الإستطلاع أن ما يزيد على 90 % من قادة شركات النفط الوطنية يرون أن هناك حاجة لزيادة الوعي والفهم لمسألة إدارة المخاطر .

انخفاض تكلفة التغطية التأمينية بنسبة 20 %

قدرت تقارير أن شركات النفط الوطنية على مستوى العالم صارت الآن في وضع يؤهلها للإستفادة من انخفاض التكاليف الكلية للمخاطر خلال السنوات القليلة الماضية ، مشيرة إلى أن تكلفة التأمين بالنسبة لشركات النفط الوطنية انخفضت بنسبة تصل إلى 20 % بخصوص تلك العاملة في قطاع أنشطة التكرير والتوزيع ( المصب ) وقطاع الإستخراج والإنتاج ( المنبع ) ، كما أنه بمقدور الشركات المنخرطة في مشروعات إنشائية تتعلق بالطاقة ، سواء في المناطق البحرية أو البرية ، الإستفادة من الظروف الحالية التي يمر بها السوق.

وصاحب التراجع العالمي في الطلب العالمي على الطاقة تراجع عدد الكوارث الطبيعية وتعزز تقنيات إدارة المخاطر وتتضافر هذه العوامل مجتمعة في توفير فرص لشركات النفط الوطنية لتدخر حجما كبيرا من الأموال المرصودة للتغطية التأمينية وذلك على مدى العامين المقبلين مشيرا إلى أن شركات النفط الوطنية ستعيد مراجعة مشروعاتها المؤجلة عندما يبدأ الطلب على الطاقة في الإنتعاش وهو ما يمكنها من إدخار قدر كبير من المصروفات .

دبي ـ مجدي عبيد