حذر خبراء دوليون من أن استدانة دول العالم ، خاصة المتقدمة ، تمثل قنبلة موقوتة تهدد بالانفجار في أي لحظة. وسوف تصدر حكومات العالم في العام الجاري فقط سندات دين بقيمة 5 .4 تريليونات دولار وهي تعادل اصدارات الدين في الدول الصناعية المتقدمة في السنوات الخمس الماضية مجتمعة.

واقترض العالم في العامين الماضيين من خلال مختلف الاصدارات لمكافحة الكساد الكبير، لدرجة أن السداد سوف يكون معضلة كبرى. سوف ترتفع الضرائب في انحاء العالم مما يعيق نمو الوظائف والانتعاش الاقتصادي.

يمكن لبعض التجار أن يسجلوا مكاسب كبيرة بالرهانات على ديون الدول بنفس الطريقة التي توصلوا بها لديون قصيرة الأجل الى الذروة التي بلغتها مع فقاعة المنازل في أميركا.

تفاقم كبير

لقد سمحت أميركا للديون الفيدرالية بأن تتفاقم بنسبة 50% لتصل الى 3 .12 تريليون دولار في عام 2006. ولم يشعر الأميركيون بوخز عملية السداد بعد، لأن اسعار الفائدة تقريبا صفرية على سندات الخزانة قصيرة الأجل. لكن تلك الفوائد سوف ترتفع في أي وقت ثم يشعر دافعو الضرائب حينئذ بألم السداد الحقيقي.

وكان هناك مبرر أخلاقي للانفاق ببذخ في الفترة الماضية، لكن لابد أن يكون هذا مصدر قلق في الفترة المقبلة. وتقول كارمن رينهارت الخبيرة الاقتصادية بجامعة مريلاند إن ارتفاع الديون يضغط بشكل كبير على اجمالي الناتج المحلي. واكتشفت رينهارت ان وصول الديون الى 90% من اجمالي الناتج المحلي لأي بلد يعني اعاقة النمو الاقتصادي تماما.

الدول النامية

الأكثر من هذا أن الدول النامية تسجل نموا اقتصاديا يقل بنسبة 2% في المتوسط مقارنة بالدول التي انتقلت الى فئة المتقدمة. وتقول رينهارت إن العملية غير متوالية، الأمر يتفاقم ويتفاقم ثم يأتي الى نقطة الانفجار. ونسبة الديون الاميركية الى اجمالي الناتج المحلي تبلغ 84% ، أي على وشك بلوغ نقطة الانفجار.

لقد مرت الولايات المتحدة بهذا السيناريو من قبل وتفاقمت المشكلة بارتفاع معدل التضخم أيضا. في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية مباشرة ارتفع التضخم الى 6% فيما تراجع النمو الاقتصادي وفاقت نسبة الديون الحكومية اجمالي الناتج المحلي نسبة 90%. واستطاع الاميركيون خفض تلك النسبة خلال نصف قرن من الزمان. الآن ترتفع النسبة مرة ثانية.

إدمان الإنفاق

وتعتبر أميركا بلد الانفاق الكبير، فهي معتادة بل مدمنة على الاقتراض الرخيص اعتمادا على طيبة المقرضين في الخارج. وصناعة التجزئة تعتمد على بطاقات الائتمان وتعتمد العقارات بنسبة 95% على التمويل (الاقراض) والاعفاءات الضريبية مقابل تخفيض اسعار الفائدة العقارية.

وارتفعت نسبة الادخار الشخصية من 4 .0% بالسالب في 2006 الى 5 .4 % بالموجب حاليا برغم أن النسبة لا تزال ضعيفة جدا بالنسبة لبلد لا يعمل على تخفيض عجز ميزانيته ويترك لها العنان.

القادة السياسيون الاميركيون يعربون عن تعاطفهم بشكل جيد، سواء بمحاولة مساعدة الناس على البقاء في منازلهم الباهظة أو توفير رعاية صحية لملايين من الذين لا يحظون بها. لكن الأميركيين لم يتكيفوا مع تطبيع النمو.

مهمة صعبة

اذا لم ينم اجمالي الناتج المحلي بمعدلات طبيعية من 3 الى 5 % للخروج من هذا الكساد فإن مكافحة الدين سوف تكون مهمة شديدة الصعوبة. ويقول بين ستيل العضو في مجلس العلاقات الخارجية إن الاقتصاد في الأشهر الستة الماضية كان مذريا. فإذا لم تستطع الحكومة والمسؤولون خفض العجز فسوف يصل الاقتصاد الى ارتفاع تكلفة الاقراض داخل اميركا بأكثر مما كان عليه في أي وقت في التاريخ.

ويشعر الخبراء الماليون بالقلق الشديد ويقولون إن الولايات المتحدة استطاعت بيع الدين بكميات كبيرة بسبب سوق السندات الذي بلغت صفقاته 500 مليار دولار يوميا . ويعتبر المستثمرون السندات ( الخزانة) استثمارا آمنا ويطغى على كل اسواق الدين الاخرى.

لكن بريان كولتون رئيس قسم الاقتصاد العالمي في مؤسسة فيتش للتصنيف في لندن يحذر من أنه بمجرد أن تهتز اقتصاديات صلبة وكبرى مثل اميركا وبريطانيا سوف يهز اقتصاديات أخرى مثل اليابان وايرلندا ويجعلها تفقد تصنيفها اذا لم تسيطر على عاداتها السيئة.

ويوضح كولتون أن الدول على فئات ايه ايه ايه مثل الدول المذكورة يمكنها الاقتراض على المدى القصير، لكن الارتفاع الشديد في الدين نسبة الى اجمالي الناتج المحلي لا يتماشى مع وضع تلك الفئة .

أوضاع أوربا

تميل اصول البنوك الى التحول الى مشكلة عامة خلال الازمات. بهذا المقياس فإن الدول الاوروبية أسوأ من الولايات المتحدة . واجتماع تلك الظروف يمكن أن يكون قاتلا للمستثمرين الذين يحوزون سندات صادرة عن دول مهتزة اقتصاديا مثل الارجنتين واليونان ، التي تبيع غالبية ديونها خارج حدودها. ومع تدهور القطاع المالي في أي دولة يبيع المستثمرون سندات الدين التي بحوزتهم مما يضع مزيدا من الضغوط على اسعار الفائدة.

ويؤدي هذا في الغالب الى موجة جهنمية تشمل تدهور سعر العملة، وإذا كانت سندات الدين مقيمة بعملة أجنبية مثل الدولار سيكون من المستحيل على هذا البلد سداد الديون. ولا ينبغي على اليونان أن تقلق بشأن هذا التطور الأخير لأنها تستخدم اليورو.

لكن استخدام اليورو في سندات الدين اليونانية قد يكون أسوأ، لأنها لا تستطيع أن تطبع العملة للخروج من ازمتها المالية. ويقول كايل باس الخبير الاقتصادي إن الأمر كما لو كنت تشارك في مباراة ملاكمة واحدى يديك مربوطة خلف ظهرك.

عجز الأرجنتين

ويختلف وضع الارجنتين، فهي لا تزال تعاني منذ عجزها عن سداد ديونها في عام 2002. وقد حاول رئيسها أن يستغل الودائع الاجنبية بالبنك المركزي لسداد الديون الخارجية لكنه أخفق.

وإذا لم تحجم الدول المقرضين فهي تستطيع احيانا أن تحقق نفس الشيء من خلال التضخم. واكتشفت رينهارت وآخرون أن الحال كانت هكذا في ثلث الدول التي درستها التي عانت من تدهور في العملة بنسبة تصل الى 15% سنويا بعد كساد الثمانينيات. ويحدث هذا بالطبع للديون بالعملة المحلية فقط اذا تعرض المستثمرون للمباغتة. فإذا لاحظوا أن التضخم وانخفاض سعر العملة على الأبواب يضيفون الفارق على سعر الفائدة .

تبادل الدين

كانت سويسرا تعتبر مركزا لا يضاهى للمال. لكن تكلفة تبادل الدين في سويسرا بلغت 46 .0% سنويا مقابل 0.33% في الولايات المتحدة. الحكومة الوسيسرية نفسها ليست في مأزق لكنها قد تضطر الى دعم البنوك الخاصة كما فعلت اميركا أو ايسلندا.

ويصل حجم ديون البنوك الخاصة في سويسرا الى سبعة اضعاف اجمالي الناتج المحلي. ويقول مديرو الصناديق التحوطية إن تراجع قيمة اصول البنوك السويسرية بنسبة 10% يمثل 80% من اجمالي الناتج المحلي في عام 2008 الذي كان 488 مليار دولار و يمثل 400% من عائدات الحكومة.

ويقول احد الخبراء يمكنك استثمار كمية قليلة جدا من المال لأنك إذا اخطأت في اختيار الاستثمار الامثل تكون الخسارة بسيطة. وإذا لم تخطئ يمكنك أن تحصل على عائد بنسبة 100%.

أزمة اليابان

في حالة اليابان انخفاض اسعار الفائدة يمثل مشكلة كبيرة متفاقمة. جمعت الحكومة 500 مليار دولار من الضرائب في العام الماضي اضافة الى 100 مليار أخرى من عائدات أخرى شملت اقتراض لبرنامج الحكومة الاستثماري.

لكن الحكومة انفقت 980 مليار دولار منها 100 مليار أو أكثر على الفوائد و نحو 190 مليار دولار حولتها الى الحكومات المحلية والبلديات. هذا يترك عجزا قيمته 360 مليار دولار لا يمكن سداده الا بمزيد من السندات ( الدين ) اضافة الى السندات التي تستحق كل عام.

يمكن لليابان أن تقترض من المواطنين. لقد جمع الشعب 7 .7 تريليونات دولار من المدخرات على مدى عقود احتفظوا بها غالبا في البنوك التي تعطيهم فوائد منخفضة جدا. تعادل تلك المدخرات ثلثي إجمالي دخل العائلات في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا معا ، كما يقول جون ريتشارد رئيس الاستراتيجيات لأميركا الشمالية في بنك ار بي اس ، الذي قضى التسعينيات في اليابان يحاول فتح قناة لبيع السندات الحكومية اليابانية في الخارج.

ويقول ريتشارد تسألون عما إذا كانت اليابان يمكن أن تسقط في ازمة الدين الحكومي، لكنكم لا تجدون الإجابة تراجع سعر الين لأن هناك اعتقادا بقدوم أزمة ليس له معنى على الإطلاق. لكن العملية سوف تتفاقم اذا تراجع سعر الين وارتفعت أسعار الفائدة مما يدفع المدخرين هناك الى سحب مدخراتهم .

ترجمة ـ أشرف رفيق