لم تتم بعد تسوية الأزمة اليونانية ولا دراما اليورو من قبل قمة زعماء الاتحاد الأوروبي كما لم تنفع تعهدات الدعم الغامضة التي قدمها هؤلاء على مضض ونتيجة لذلك فإن شهية الأسواق المالية التي لا تعرف الرحمة بدأت تشم رائحة الدم وسوف تتذوقه قريباً.

والسبب الأول لذلك هو أن تعهدات الاتحاد الأوروبي لم تكن صادقة تماماً أو مقنعة. لقد وعد قادة الاتحاد الأوروبي بالقيام بعمل حازم ومنسق إذا لزم الأمر للحفاظ على الاستقرار في منطقة اليورو.

وليست هناك خطوات محددة ينوي الاتحاد الأوروبي القيام بها لدعم اليونان ولا أي ذكر للثمن الذي يتعين على أثينا دفعه لتسوية أوضاعها المالية الداخلية، ويرجح أن يوافق الاتحاد الأوروبي على ضمان السندات الحكومية أو شرائها لمساعدة أثينا على تجاوز أزمتها المالية هذا العام لأنها ترزح تحت ديون تقدر قيمتها بنحو 50 مليار دولار.

ولكن ذلك لن يحدث كما قال مسؤولون ألمان إلاّ إذا وافقت الحكومة اليونانية على حزمة تقشف ذات صدقية وضمانات بأنها سوف تنفذها. وقال وزير المالية الألماني وولفغانغ تشوبل: على اليونانيين مساعدة أنفسهم. وأضاف: نريد دعم اليونان على القيام بذلك.

وأبدى رئيس الحكومة اليونانية جورج باباندريو استياءه الشديد بعد سماعه ذلك وقال في كلمة وجهها إلى حكومته ونقلها التلفزيون إن الشركاء الأوروبيين خلقوا سيكولوجية انهيار تلوح في الأفق.

وأضاف باباندريو إن الاتحاد الأوروبي يتحمل جزئياً مسؤولية تسهيل قيام السجل الإجرامي للحكومات اليونانية السابقة من خلال تلفيق الإحصاءات الاقتصادية والتي لم تكن سوى حزمة من الأكاذيب حين زعم أن حجم العجز هو 6% فيما أنه كان أكثر من ضعف ذلك.

اليونان والاتحاد الأوروبي إذا يتحملان معاً مسؤولية مشتركة لأنهما قدما وعوداً سياسية غامضة وكان عليهما في ما بعد معالجة التداعيات الفورية للمشاكل الاقتصادية التي حدثت جراء ذلك.

ويتوقع أن تقدم ألمانيا التي تعد أكبر الاقتصادات الأوروبية الدعم إلى اليونان وربما البرتغال وأسبانيا عندما يزيد الضغط على اليورو.

معارضة ألمانية

وقال الباحث الاقتصادي هولغر ستلزينر: لم تكن هذه الطريقة التي تمّ فيها إقناع الألمان باعتماد اليورو. وأضاف: سبق التخلي عن المارك الألماني التوقيع على معاهدة ماستريخت بشكل رسمي وهي تحظر صراحة على أي عضو في الاتحاد النقدي اكتتاب ديون أي دولة عضو أخرى.

ومن المتوقع أن تبدي المعارضة الألمانية تشدداً في دعم اليونان بعد ظهور حقائق كثيرة تتعلق بالنظام الاقتصادي لها وذلك بعدما تبين أن ميزانية وزارة الدفاع اليونانية التي تبلغ حوالي 5,4% من الناتج المحلي الاجمالي أكبر بثلاث مرات من ميزانية ألمانيا بسبب النزاع التقليدي بين أثينا وأنقرة.

لماذا يتعين على الألمان دعم هذه العداوة القديمة بين هذين الحليفين فى حلف شمال الاطلسي الناتو.

واستطراداً لماذا عليهم دعم نظام التقاعد المبكر لموظفي الخدمة المدنية اليونانية غير الأكفاء في تحصيل الضرائب.

وسيسأل الأوروبيون الآخرون الذين خصخصوا معظم الصناعات المملوكة للدولة لماذا لا تبيع اليونان بعضاً من ممتلكاتها الكثيرة مثل الفنادق واليخوت البحرية والمطارات والمصارف وشركات التأمين ومنتجعات التزلج على الجليد فضلاً عن المرافق العامة مثل شركات المياه والغاز والكهرباء لحل مشاكلها.

وقال الاقتصادي البارز في مصرف ألفا الكسندر ماسوراكيس إن حصة الشركات المدرجة في بورصة أثينا تساوي أكثر من 12 مليار دولار مشيراً إلى أن الملكيات العقارية في كبريات الشركات اليونانية تقدر قيمتها تقدر بأكثر من 400 مليار دولار لكن عائداتها قليلة جداً.

إن ألمانيا دولة مزدهرة نسبيا لأن الناخبين والعاملين حافظوا على أجور ثابتة لأكثر من 10 سنوات ما ساعد على ضمان بقاء الصناعة الألمانية قادرة على المنافسة طوال هذه الفترة وهذا لم يفعله نظراؤهم الإيطاليون والأسبان واليونانيون الذين رأوا مستوى تنافسهم التجاري مع ألمانيا ينخفض بمعدل 30% خلال هذه الفترة.

إفلاس

وخلاصة القول فإن الناخبين والسياسيين في ألمانيا لا يشعرون أن عليهم إنقاذ بلدان متوسطية مفلسة الآن.

وتعلم الحكومة الألمانية أن مصارفها وكذلك المصارف الفرنسية والهولندية والبريطانية تستثمر فيما بينهما أكثر من 800 مليار دولار في سندات ومصارف دول النادي الشرق أوسطي وأن أي تقصير سيكون مكلفا جداً.

وتبلغ نسبة الانفاق في اليونان 30% أكثر من الانتاج ولذا يجب خفض الرواتب بما فيها تلك التي يتقاضاها المتقاعدون ورفع الضرائب وهذا سوف يؤدي لقيام تظاهرات غاضبة وقد يستدعي دعوة الحكومة لإجراء انتخابات تكون نتيجتها حكومة وحدة وطنية من أجل فرض هذه السياسة التقشفية في نهاية المطاف. وقد يؤدي ذلك لأعمال عنف وإحراق مكاتب الاتحاد الأوروبي في أثينا.

وقد يكون هذا هو الثمن لإظهار الجدية لاقناع اليونانيين أن الاتحاد الأوروبي جاد في معالجة هذه الأزمة. وكاقتصادي صاحب خبرة يدرك باباندريو أن أمامه تحديات عليه مواجهتها وهو قال لحكومته إن بلاده باتت الآن كمختبر للحيوانات في المعركة القائمة بين أوروبا والأسواق المالية.

ومن المفارقات أن الألمان قد لا يمانعون في ذلك على الاطلاق لأنهم يريدون أن ترتفع قيمة اليورو مرة أخرى ولذا فإن برلين تتطلع إلى النتيجة الايجابية لذلك وهي حل أزمات اليونان واليورو، لكن الأمر لم يحن بعد لتحقيق ذلك.

وكالات