عقدت أكثر من 10 مصانع للأسمنت في الدولة اتفاق «جنتلمان» بهدف وقف المضاربات فيما بينها وبيع الأسمنت السائب بأسعار لا تقل عن 220 درهما للطن الواحد بعد أن أوصلته المضاربات إلى نحو 150 درهما على خلفية تراجع الطلب بسبب تباطؤ تنفيذ المشاريع لمواجهة تداعيات الأزمة العالمية.
وسجلت أسعار الأسمنت مستويات كبيرة عام 2008 تراوحت مابين 380 درهما و420 درهماً للطن في ظل طلب بلغ 30 مليون طن سنوياً، لكن تراجع الطلب في السوق إلى 12 مليون طن بداية 2010 عرض تلك الأسعار إلى هبوط حاد بلغت نسبته 50% تقريباً.
وأرسلت المصانع خطابات بالسعر الجديد إلى شركات الخرسانة والمقاولين إلا أن هؤلاء عبروا عن تذمرهم وطالبوا بتدخل «وزارة الاقتصاد» ومنع المصانع من التحكم بالسعر خلافاً لآليات العرض والطلب. ودافعت المصانع عن السعر الجديد بوصفه «خطوة مشروعة لوقف تدهور أسعار الاسمنت عقب تراجع الطلب».
لكن جمعية المقاولين بالدولة انتقدت خطوة المصانع من دون أن تنكر عليها حقها في حماية منتجاتها. ووصفت الجمعية رفع السعر بأنه «إجراء مفاجئ قد يعرض السوق والمقاولين إلى الإرباك».
وأبلغت ذلك لوزارة الاقتصاد واقترحت عليها أن يجري تثبيت الأسعار لمدة عام لضمان عدم رفع الأسعار بشكل مفاجئ. ووعدت الاقتصاد بعقد اجتماع يضم الجمعية والمصانع للتشاور وسماع آراء جميع الأطراف. وتدخلت الوزارة 5 مرات منذ عام 2004 لتقريب وجهات النظر بين المصانع والمقاولين وقامت بتثبيت الأسعار مرتين. إلا أن مضاربات المصانع في ظل تراجع الطلب أدت إلى انخفاض حاد في الأسعار.
وكانت وزارة الاقتصاد وقعت اتفاقاً مع منتجي الإسمنت خلال شهر مايو الماضي، خفض سعر كيس الإسمنت زنة 50 كيلوجراماً من 16 إلى 14 درهماً، وعلى بيع العبوة ذاتها للمستهلك بسعر 16 درهماً بدلاً من 18 درهماً.
وبينما طالبت المصانع بتحديد سعر رسمي أدنى للإسمنت لوقف تدهور أسعاره إلا أن وزارة الاقتصاد وعلى لسان محمد عبدالعزيز الشحي مدير عام وزارة الاقتصاد، رفضت ذلك المطلب كونه يتقاطع مع آليات العرض والطلب وقواعد المنافسة في السوق».
تراجع في الأرباح
ويقول المراقبون بأن شركات الأسمنت تبالغ كثيراً عندما تتحدث عن تعرضها لخسائر بينما تواجه في حقيقة الأمر تراجعاً في الأرباح. وواجهت مصانع وشركات الأسمنت صعوبة في الوصول إلى سقف المليار درهم أرباحاً في العام الماضي على الرغم من وصول إنتاجها إلى 30 مليون طن، في حين سجلت 5,1 تقريباً في العام الماضي.
وكان إجمالي أرباح شركات الأسمنت ال12 المدرجة في أسواق المال قد بلغ 208,4 مليارات درهم منذ عام 2004 وحتى نهاية الربع الأول من عام 2008 ولم يكن إنتاجها يتجاوز 15 مليون طن.
دعوة للهدوء
دعا الدكتور احمد سيف بالحصا رئيس جمعية المقاولين بالدولة، إلى ضرورة أن تتحلى شركات المقاولات بالهدوء وبعدم الانفعال أو اللجوء إلى التصعيد الإعلامي على خلفية قيام المصانع برفع أسعارها خلافاً لآليات العرض والطلب.
وقال الدكتور بالحصا لـ «البيان»: هناك قنوات رسمية لحل هذا النوع من المشاكل. وقد أبلغنا وزارة الاقتصاد بما حدث من جانب المصانع التي اتفقت على سعر جديد من دون التشاور مع الجمعية أو حتى إخطار الوزارة بذلك.ونتوقع اجتماعاً قريباً لمناقشة هذه المشكلة بكل حكمة كما حدث خلال الأعوام الماضية.
وأكد بالحصا بأن الجمعية تنوي الحصول على دعم من وزارة الاقتصاد لتثبيت الأسعار لمدة عام واحد.وأضاف: لقد حرصت الوزارة على التدخل كلما رأت هناك حاجة لضبط الأسعار بدعوة من جمعية المقاولين، وقد سبق للوزارة أن قامت بتدخل رصين وحكيم عبر تثبيت الأسعار مرتين في اجتماعات مشتركة بينها وبين جمعية المقاولين والمصانع. لذلك نحن نستغرب أن تقوم المصانع باتخاذ ذلك القرار لوحدها.
لكن الدكتور بالحصا قال: «بأن قطاع الإنشاءات بأكمله يقف إلى جانب المصانع بهدف حماية هذه الصناعة الحيوية ولن تتردد شركات المقاولات بقبول هذه الأسعار إذا ما وجدت بأنها معقولة وتحقق هامش ربح معقول للمصانع من دون أن تتجاوز تكلفة التصنيع بمعدلات مبالغ فيها».
وقف التدهور
من جهته قال أحمد الأعماش مدير عام شركة إسمنت الخليج» بأن الخطوة التي اتخذتها المصانع لا تخرج عن الإطار الاحترازي ولا يمكن تفسيرها بأنها ضد شركات المقاولات أو محاولة لفرض أسعار جديدة». وأوضح الأعماش لـ «البيان»: بأن من غير المعقول إرضاء بعض شركات المقاولات وشركات الخرسانة وترك صناعة الإسمنت تنهار» مذّكراً بأهمية التدخل الحكومي لحماية شركات الإسمنت، بوصفها صناعة استراتيجية تأتي بالمرتبة الثانية في الدولة بعد صناعة النفط.
وحول سبب قيام المصانع بانتشال سعر طن الإسمنت من نحو 150 درهما و180 درهما إلى 220 درهما من دون إبلاغ الوزارة أو منح المقاولين فرصة من الوقت لترتيب أوضاعهم أجاب الإعماش: نحن نرحب بتدخل وزارة الاقتصاد وندعوها إلى التدخل لحماية هذه الصناعة كما نرحب بأي مقترح من جانب جمعية المقاولين لأننا والمقاولين في مركب، لكن الخطوة التي اتخذتها المصانع كانت لا تحتمل التأخير.
وعبر الأعماش عن استغرابه من تذمر شركات المقاولات والخرسانة بسبب اتخاذ المصانع لخطوة تهدف إلى حمايتها وقال: صناعة الأسمنت تمر بظروف سيئة، وأخبارها لا تسر أحدا لا المساهمين بشركات الإسمنت ولا المعنيين بالصناعة الوطنية».
وقال الأعماش «إن وزارة الاقتصاد ضغطت على مصانع الإسمنت حين رفعت الأسعار، بهدف حماية المستهلك عبر تحديد سعر أقصى للبيع، وحان الوقت كي تتدخل لحماية صناعة الإسمنت».
وتشكو صناعة الأسمنت في الدولة ـ بحسب الأعماش ـ من ارتفاع أسعار الطاقة والمحروقات والمواد الأولية وأجور الأيدي العاملة التي تلقي بظلالها على تكاليف الإنتاج وسعر المنتج في النهاية.
تصرف مرفوض
من جهته قال خالد محمد سالم بخيت مدير إدارة الشركة العالمية لمنتجات الخرسانة المسلحة (يونيميكس) بأن: تصرف مصانع الأسمنت غير مبرر وبأن قيامهم برفع أسعار الأسمنت أربك شركات المقاولات والخرسانة في الدولة، لاسيما بالنسبة لتلك الشركات التي تعاقدت على الأسعار مابين 150 درهما و180 درهما قبل أن تقوم المصانع برفعها وتثبيتها عند 220 درهما من دون سابق إنذار. واتهم بخيت المصانع بأنها تعرقل تنفيذ المشاريع قيد الإنجاز وتضغط على المطورين والمقاولين عبر سيناريوهات وهمية عن تعرضها للخسائر.
وأوضح بخيت لـ «البيان»: بأن الأسعار الجديدة تتجاوز تكلفة التصنيع وهوامش الأرباح المعقولة وتذهب باتجاه تحقيق أرباح مبالغ فيها على حساب المقاولين وشركات الخرسانة ومن ثم ترحيل تلك الزيادات الوهمية إلى فواتير باهظة يتوجب على الاقتصاد الوطني تحملها.
ووصف بخيت خطوة المصانع بأنها التفاف على السوق وعلى العرض والطلب وقال: بان المصانع تناقض نفسها بنفسها فعندما قامت برفع أسعارها قبل سنوات بحجة زيادة الطلب وقلة المعروض تعود اليوم إلى الاستخفاف بآليات السوق فتقوم برفع الأسعار بحجة وقف تدهور الأسعار مع أنها بلغت ما بلغته بفعل العرض والطلب.
ولفت بخيت إلى أن قرار المصانع برفع وتثبيت الأسعار وفرضها بتاريخ محدد وفوري اعتباراً من شهر فبراير الجاري لا يتعدى كونه محاولة للتغطية على افتضاح مشكلة المضاربات التي قامت بها شركات الاسمنت بعد أن بات العرض والطلب هما المتحكم الحقيقي للأسعار في السوق.
أسعار عادلة
وصف المهندس عماد عزمي المدير الشريك في الشعفار للمقاولات السعر الجديد للأسمنت عند 220 درهما للطن بـ «العادل» وقال لـ «البيان»: بالنسبة لنا نعتقد بأن هذه الأسعار منطقية جداً.
وأوضح عزمي بأن: سعر الأسمنت الذي فرضته المصانع لا يزال أدنى من أسعار الأسمنت في الأسواق العالمية.
وقال بأن سعر الأسمنت في الأسواق العالمية يصل إلى 75 دولاراً (275 درهما للطن) بينما يصل سعره في السوق المحلي وفقاً للأسعار الجديدة 220 درهماً.
وتحفظ عزمي على الآلية التي اتبعتها المصانع في تثبيت الأسعار الجديدة لأن بعض المقاولين رأوا فيها استفزازاً. ونصح عزمي المصانع إلى التفاهم مع جمعية المقاولين بالدولة ومناقشتها حول الأسعار بدلاً من تبادل الاتهامات مع المقاولين.
دبي ـ مشرق علي حيدر


