حدد مسؤولون قانونيون وقضائيون من دبي ولندن عددا من القواسم المشتركة التي تجمع بين المدينتين في مجال توفير بنية تحتية قضائية وقانونية تؤهلها للتعامل مع تسوية المنازعات التجارية والمالية خلال مرحلة ما بعد عودة الانتعاش الاقتصادي العالمي.
ورصد المسؤولون في هذا المجال أن الكثير من مقومات قوة لندن كمركز عالمي لتسوية المنازعات صارت متواجدة في دبي، وهو ما يعزز الاقتناع بأن دبي قد نجت في توطيد مكانتها باعتبارها جهة اختصاص قضائية رئيسية لحل المنازعات الدولية.
ويرصد المسؤولون هنا أن تألق صناعة المال في دبي لم يكن منفصلا ومستقلا بشكل عن ما يجري من تطورات في صناعة المال في لندن، وهو ما يتجلى في حقيقة أنه يتم تنفيذ معظم الأعمال في مركز دبي المالي العالمي باللغة الإنجليزية (كون معظم العقود الدولية هي باللغة الإنجليزية).
كما أن محكمة مركز دبي المالي العالمي هي محكمة تعمل باللغة الإنجليزية وفقا للإطار القانوني في دولة الإمارات، كما أن صناعة المال في دبي تزخر بالكثير من الخبرات البريطانية في مختلف شرائح السوق، وهو ما يعني أن تطور صناعة المال في دبي اعتمد على استخلاص الدروس من مختلف الخبرات والنماذج بما في ذلك النموذج البريطاني.
ويبرز تنوع وتعدد خيارات تسوية المنازعات كأحد القواسم المشتركة التي تجمع بين البنيتين القضائية والقانونية في كل من دبي ولندن، ويأتي الدكتور أحمد بن هزيم السويدي مدير محاكم دبي في متن كلمته التي ألقاها أمس الأول أمام ندوة نظمها مركز دبي المالي العالمي بعنوان «نحو الانتعاش الاقتصادي:دور المحاكم والتحكيم».
على ذكر أهمية تنويع الخيارات المتاحة لأصحاب الأعمال في مجال تسوية المنازعات بشرح وجهة نظر محاكم دبي بشأن ما أسماه بالأساليب البديلة لتسوية المنازعات قائلا: لا توجد ثمة حاجة للتدليل على الإيمان الجازم لمحاكم دبي بآلية التحكيم التجاري، حيث يعتبر هذا الأسلوب جزءا مكملا لمهام المحاكم.
بالنظر إلى الاقتناع العام في دبي بأهمية إتاحة خيارات متعددة لمتلقي الخدمات، كما أنه من المعروف أن قرارات محاكم التحكيم تنفذ من خلال محاكم دبي، وذلك على النحو المنصوص عليه في قانون دولة الإمارات.
الريادة الإقليمية
وأكد الدكتور أحمد بن هزيم السويدي أن محاكم دبي هي رائدة على مستوى المنطقة في مجال المحاكم المتخصصة التي تتعامل كل واحدة منها مع نمط معين من القضايا، إذ يوجد حوالي 6 محاكم متخصصة، تغطي القضايا التجارية والعقارية والعمالة، فضلا عن القضايا المدنية والجنائية والأحوال الشخصية.
وشدد الدكتور أحمد بن هزيم على أن محاكم دبي قد حافظت على مستوى عال من الكفاءة والفاعلية في الاضطلاع بمهامها خلال الأزمة الاقتصادية، وذلك على الرغم من تزايد عدد وتعقيد القضايا المنظورة من جانبها، وهو ما يعود إلى الجهود المبذولة خلال السنوات القليلة الماضية في تطوير ميكنة عمليات وخدمات المحاكم.
واستدرك في حديثه بقوله:نحن في محاكم دبي نقدم خدمات التسوية الودية للمنازعات منذ سنوات عديدة مضت، ويعتبر دورنا في هذا المجال بمثابة قصة نجاح محل فخرنا واعتزازنا.
إذ تقدم محاكم دبي خدمات تسوية المنازعات بأسلوب الوساطة منذ عام 1994، ويوضح تقريرنا السنوي الإنجازات المتحققة في هذا المجال، كما أننا نتعاون بشكل وثيق مع وزارة العمل في توفير خدمات التسوية الودية لمنازعات العمال.
ونحن في هذا المجال نجحنا في تسوية عدد كبير من المنازعات العمالية، ويعبر تأسيس مركز التسوية الودية للمنازعات بمحاكم دبي عن تطور ضخم في هذا المجال، إذ يوفر المركز فرصة للتسوية الودية لكافة أنواع المنازعات والقضايا.
النهج العملي
وتحدث اللورد نيك أنستي، عمدة «سيتي أوف لندن» صراحة عن أوجه القواسم المشتركة بين البنيتين القضائية والقانونية في دبي ولندن في الكلمة التي ألقاها أمس الأول أمام ندوة نظمها مركز دبي المالي العالمي بعنوان «نحو الانتعاش الاقتصادي: دور المحاكم والتحكيم» بإشارته إلى أن الدور التقليدي الذي تنهض به دبي كمركز للأعمال التجارية يعد مرآة عاكسة للخبرات التي تمتلكها مدينة لندن في هذا المجال.
وتابع شرحه لهذه النقطة بقوله:أن مشاركة كل من محاكم دبي ومحاكم مركز دبي المالي ومركز دبي للتحكيم الدولي ومحكمة لندن للتحكيم الدولي في أعمال الندوة هو ترجمة للنهج العملي الذي تتبناه إمارة دبي في استقطاب الأعمال وتعزيز ثقة مجتمع الأعمال بقدراتها وإمكانياتها، وعلى نفس المنوال.
فان المحاكم وخدمات التحكيم المتميزة بالشفافية والتماسك قد أضافت الكثير في تعزيز المكانة العالمية لمدينة لندن، إذ أن الملمح الرئيسي الذي يميز محاكم لندن، هو الطابع الدولي الذي يغلب على القضايا التي تتعامل معها، كما أنها تغطي مجلات تتعلق بالشحن والتجارة والتمويل والطيران، وفي العديد من هذه القضايا، لا توجد صلة لأطراف هذه القضايا بالمملكة المتحدة، ولكنهم اختاروا محاكم لندن كساحة لتسوية منازعاتهم.
وأعرب اللورد نيك أنستي عن اعتقاده بأنه بمجرد قيام الإمارات بإصدار القانون الفيدرالي للتحكيم التجاري، فانه سيكون بالإمكان جني الكثير من الفوائد والمزايا، خاصة وأنه ضار واضحا كم الفوائد التي جناها مجتمع الأعمال المحلي من تنامي سمعة وشهرة دبي في مجال تسوية المنازعات.
مشيرا إلى أن هناك نموا ملحوظا في حجم وأعمال الشركات العاملة في مجال الاستشارات القانونية في دبي، خاصة تلك العاملة في مجال تسوية المنازعات، فضلا عن أن الشركات البريطانية تتطلع إلى مباشرة أعمالها في دبي، وهو موضع ترحيب من جانب دبي، وهذا من شأنه أن يسهم في تطوير ثقافة قانونية قائمة على الاحترام المتبادل بين الجانبين.
وأعرب اللورد نيك أنستي، عمدة «سيتي أوف لندن» عن تقديره وترحيبه بتطلع دبي إلى تقديم خبرات هيئاتها العاملة في تسوية المنازعات بالمملكة المتحدة، عبر إطلاق هذه الهيئات لعملياتها هناك، مشيرا إلى أنه من دواعي الفخر والاعتزاز وجود مثل هذا الترابط بين الجانبين.
ولفت اللورد نيك نيستي إلى أن مدينة لندن تقدم خيارات متنوعة في مجال تسوية المنازعات، وهو ما يتيح للأطراف المتنازعة اختيار أساليب متنوعة في تسوية منازعاتهم والتي تتناسب مع احتياجاتهم، وذلك على غرار ما يجدونه بشكل آخذ في التزايد في دبي.
مشيرا إلى أنه بوسع كل من محاكم دبي ومركز دبي للتحكيم الدولي ومحاكم مركز دبي المالي العالمي تقديم الكثير للأعمال على الأصعدة المحلية والإقليمية والعالمية.
وأشار اللورد نيك أنستي إلى أن تدهور الاقتصاد العالمي الناجم عن أزمة تشدد الائتمان، قد واكبه تراجعا في الاستثمارات والصادرات والصفقات المالية الدولية، بيد أنه أشار إلى أن الاقتصاد العالمي بدأ يتعافي، وأنه لا يوجد أدنى شك أن الطلب على خدمات تسوية المنازعات الدولية سيتواصل مع هذا التعافي.
وأنه من الملاحظ بناء على خبرة مدينة لندن، وجود تزايد في المنازعات الخاصة بطيف متسع من القضايا المتعلقة بالقطاعات التجارية، بما في ذلك النقل البحري والسلع والخدمات المالية والإنشاءات، ومنذ عام 2007، تم تسوية 10 آلاف قضية بالمملكة المتحدة، أغلبها قضايا ذات طبيعة دولية، وتظهر الدلائل أن هذه الأرقام أن هذه الأرقام آخذة في التزايد.
واستدرك في كلمته قائلا: هناك عدد من المؤسسات التي تقدم خدمات التحكيم التجاري في لندن، بعضها يقدم خدمات متخصصة، على سبيل المثال، نظرت رابطة لندن للتحكيم البحري في حوالي 2700 قضية.
علاوة على أن محكمة لندن للتحكيم الدولي نظرت خلال عام 2007 في حوالي 285 قضية، إلى جانب أنه جرى استخدام أسلوب الوساطة خلال عام 2007 في معالجة نحو 3700 قضية بالمملكة المتحدة، بما في 700 قضية جرى النظر فيها من جانب أعضاء في لجنة الوسطاء المستقلين.
وخلص اللورد نيك أنستي قائلا: تستمد محاكم لندن قوتها من كونها ينظر إليها على إنها محاكم مستقلة، فضلا عن تمرس قاضتها وتمتعهم بخبرات كبيرة في هذا المجال، إلى جانب إتباعها نهجا عمليا في تلبية طلبات واحتياجات مجتمع الأعمال والتجارة.
كما أن قوة محاكم لندن تجسد تضافر عناصر الكفاءة والخبرة والتكامل، فضلا عن ترسخ مبادئ تدعم حكم القانون، وقد ساهمت هذه العناصر مجتمعة في جعل لندن واحدة من المراكز الرئيسية في العالم للتحكيم التجاري الدولي.
القانون العام
ويتناول السير أنتوني إيفانز رئيس الهيئة القضائية لمحاكم مركز دبي المالي العالمي قاسما مشتركا آخر بين البنيتين القضائيتين في دبي ولندن، وهو تقديم محاكم مركز دبي المالي العالمي خدمات قانونية تستند للقانون.
وذلك أسوة بالقانون الساري في المملكة المتحدة، ويشرح هذه النقطة بقوله:لقد جرى تأسيس محاكم مركز دبي المالي العالمي بناء على نموذج المحكمة التجارية في لندن، كما تستند المحاكم في عملها وإجراءاتها إلى القانون العام، حيث أن المحكمة التجارية في لندن لم تسهم منذ تأسيسها 1895 .
فحسب في تعزيز نظام القانون العام الذي صار محل اعتراف وإقرار دوليين، بل ساهمت كذلك في تبني إجراءات تتماشى مع المتطلبات العملية لأصحاب الأعمال الذين يستخدمونه، وأرست قواعد محاكم مركز دبي المالي العالمي نظاما يمزج بين هذه الخبرات مع المكانة الدولية لمركز دبي المالي العالمي.
وتابع حديثه بقوله: فيما يتعلق بالقانون التجاري ذاته، هناك حقيقة مؤداها أن القدر الأعظم من حركة التجارة تستند إلى عقود تخضع لقواعد القانون العام، وتصاغ باللغة الإنجليزية.
وينسحب الأمر نفسه على التمويل الدولي، وقد أرست دبي مكانتها ليس باعتبارها مركزا ماليا إقليميا فحسب، بل مركزا ماليا عالميا، وتقوم محاكم مركز دبي المالي العالمي بتوفير نظام قضائي عالمي يرتكز على القانون العام، وبالتالي، لم يتم بناء المحاكم على أحدث التكنولوجيات، بل جرى كذلك إرساء نظام فعال لتحقيق العدالة للأطراف التجارية في مركز دبي المالي العالمي.
قضايا
لفت السير أنتوني إيفانز رئيس الهيئة القضائية لمحاكم مركز دبي المالي العالمي إلى أن عدد القضايا التي تم النظر فيها في محاكم مركز دبي المالي العالمي وصل إلى 36 قضية في عام 2009 مقارنة بحوالي 9 قضايا في العام السابق.
وأضاف قائلا أن هذا العدد لا يشمل القضايا الصغيرة وغالبيتها نزاعات تتعلق بالتوظف ووصل عددها في العام الماضي 60 قضية، وقال ان هذا النوع من القضايا المتعلقة بالتوظف وصل هذا العام وحتى اليوم إلى 10 حالات، وأكد السير إيفانز أن 90% من هذه القضايا يتم تسويتها من قبل قضاة المحاكم من خلال اللقاء مع أطراف النزاع وتسوية الخلافات بينهم دونما الحاجة إلى رفع القضايا للمحاكمة .
وتحدث عن التنسيق بين محاكم المركز ومحاكم دبي حيث تم توقيع مذكرة تفاهم إضافة إلى بروتوكولين إضافيين يتعلق الأول بتنفيذ الأحكام ويتعلق الثاني بالمناطق المتداخلة بين الجانين على النطاق التشريعي.
«كاس دبي» و«مجلس الأعمال البريطاني» سفراء حي لندن المالي
أكد اللورد أنستي عمدة قطاع المال والأعمال بمدينة لندن أنه ينظر إلى طلاب وخريجي «كاس بيزنس سكول» ومجلس الأعمال البريطاني في دبي والإمارات الشمالية على أنهم سفراء لحي لندن المالي، بغض النظر عن المكان الذين يعيشون أو يعملون فيه، خاصة وأن نجاحهم ينعكس بشكل مباشر.
وفي الوقت الحاضر، تزداد أهمية العلاقات القيمة والشراكات الموثوقة التي تتحقق عبر مثل هذه الفعاليات، في ظل سوق عالمية باتت أكثر ترابطاً من أي وقت مضى، جاء ذلك في محاضرة ألقاها أمام طلاب وخريجي كلية «كاس بيزنس سكول».
واعتبر مارك بير، رئيس مجلس الأعمال البريطاني زيارة اللورد فرصة للتأكيد على أهمية دبي كوجهة أعمال بالنسبة لقطاع الخدمات المالية في المملكة المتحدة.مشيرا إلى أنه في مثل هذه الأوقات، يكتسب الدعم الذي يقدمه المجلس للشركات البريطانية العاملة في دولة الإمارات العربية المتحدة أهمية أكثر من أي وقت مضى، وخير دليل على ذلك أن عدد أعضاء المجلس ارتفع خلال العام الماضي إلى نحو 1600 عضو.
وأضاف قائلا:من خلال تنظيم مثل هذه المناسبات، فإننا نعمل على توفير منصة لبناء العلاقات ومشاركة المعلومات.ويسعدنا التعاون مع كلية «كاس» في تنظيم هذا اللقاء ونحن نتطلع إلى مزيد من التعاون مع القطاع التعليمي بما يدعم رؤية دولة الإمارات العربية المتحدة».
وقال ريتشارد جلينجووتر، عميد «كاس بيزنس سكول»:«يشرفنا أن يلتقي اللورد العمدة طلابنا وخريجينا، حيث يشكل حضوره تأكيداً جديداً على أهمية دبي ودولة الإمارات العربية المتحدة، وكذلك بقية دول مجلس التعاون الخليجي، في تعافي الاقتصاد العالمي».
وأضاف:«تحفل هذه الأوقات بالتحديات للقطاع المالي والمصرفي، ولكن التعليم التنفيذي في مجال الأعمال مستمر في اكتساب أهمية متزايدة على الرغم من الركود العالمي.وتفخر كاس بخريجينا الذين يعيشون ويعملون في المنطقة والذين يرتقون حقاً إلى أعلى المستويات العالمية، ونحن عازمون على مواصلة تعزيز علاقاتنا مع مجتمع الأعمال المحلي.
دبي ـ مجدي عبيد

