شكوك واتهامات متبادلة بين الجانبين في ظل منافسة اقتصادية محتدمة

اليوان المنخفض يؤجج الخلافات المشتعلة بين الصين وأميركا

كشف مسؤول أميركي أن إدارة الرئيس باراك أوباما أبلغت المسؤولين الصينيين أن مسألة خفض المصطنع قيمة العملة الصينية سيشكل نقطة مهمة على جدول أعمال المناقشات الاقتصادية بين الدولتين هذا العام ما قد يزيد من حدة التوتر بين الجانبين .

ويحمّل الأميركيون خفض قيمة العملة الصينية بشكل مصطنع مسؤولية ارتفاع فائض التجارة الصينية في وجه الولايات المتحدة ورفع أسعار البضائع الأميركية . كما تدرس الإدارة الأميركية احتمال إدراج الصين كدولة متحكمة في عملتها في التقرير السنوي النصفي بشأن العملات الأجنبية الذي ستصدره وزارة المال الأميركية في أبريل المقبل .

وقال أوباما أمام أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين إن دولا مثل الصين تتعمد خفض قيمة عملاتها المحلية لتعزيز صادراتها في إشارة غير مباشرة إلى النزاع القديم بين الولايات المتحدة والصين بشأن تحرير العملة الصينية .

وأضاف أوباما أنه من بين التحديات التي يجب مواجهتها على صعيد دولي مسألة أسعار صرف العملات من أجل ضمان عدم تضخم أسعار المنتجات الأميركية بصورة مصطنعة في أسواق الدول الأخرى وانخفاض أسعار تلك الدول بصورة مصطنعة أيضا في الأسواق الخارجية .

وقال أوباما إن التجارة مع الصين وباقي آسيا تظل عنصرا حيويا بالنسبة لنمو الاقتصاد الأميركي في المستقبل . وأضاف أنه يجب ضمان ألا تكون البضائع الأميركية أعلى سعراً بشكل مصطنع وبضائع الصينيين أقل سعرا بشكل مصطنع .

وأوضح: ذلك يضعنا في وضع تنافسي ضعيف جداً .

وأشار تقرير صحافي إلى ان الجدل حول العملة قد يكون أمراً نافعاً سياسياً لأوباما الذي تسعى ادارته إلى معالجة مشكلة البطالة المرتفعة مع تزايد القلق من أن الصينيين يأخذون الوظائف من الأميركيين .

غير أن الخبراء توقعوا ألا يحرز طلب أوباما نتيجة ملموسة بما أن الصين تسعى إلى تثبيت موقعها كمصدِّر بعدما تأثرت بالأزمة المالية العالمية، والعملة الرخيصة تعتبر أمراً أساسياً في ذلك . كما أشاروا إلى أن الصين اصبحت الجهة الدائنة الأكبر للولايات المتحدة .

وقال أوباما ان الصين وآسيا ستكونان سوقا ضخمة للصادرات الأميركية من الآن فصاعدا لكن سيكون من المهم معالجة قضية أسعار العملات لضمان ألا تكون السلع الأميركية في وضع تنافسي أضعف . وأضاف: أحد التحديات التي يتعين معالجتها دوليا هو أسعار العملات وكيفية إحداث توازن بينها .

دفاع صيني

وانتقدت الصين بشدة تهديدات الولايات المتحدة بانتهاج سياسات أكثر تشددا تجاه بكين بشأن التجارة والعملة، وقالت ان اليوان عند مستوى معقول . وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية ما تشاو شو ان اليوان عند مستوى معقول وان الصين لا تتعمد تحقيق فائض تجاري مع واشنطن .

وأضاف في مؤتمر صحافي دوري مكررا تعليقات الصين المعتادة عند انتقاد عملتها: في الوقت الراهن وفي ضوء موازين المدفوعات الدولية والعرض والطلب في سوق الصرف الاجنبي يعتبر مستوى اليوان معقولا ويقترب من التوازن . واضاف: الاتهامات والضغوط لن تساعد في حل المشكلة .

سياسات العملة

ويشكو المصنعون الأميركيون منذ سنوات من سياسات العملة التي تنتهجها بكين والتي تمنح الشركات المحلية ميزة غير عادلة في السعر . وتقول الصين ان سياسة سعر الصرف شأن داخلي .

وحذر المحللون من تحميل تصريحات اوباما أكثر مما تحتمل وقالوا ان كلماته كانت تهدف الى خطب ود الرأي العام الداخلي بقدر ما تهدف الى ممارسة ضغوط على الصين .

وقال لي جيان الباحث لدى مؤسسة بحثية تابعة لوزارة التجارة الصينية: حتى اذا أرادت الصين تعديل سعر صرف عملتها فمن المستحيل تقريبا على بكين تلبية المطالب الأميركية كما أن هذا أمر يخص الصين .

ولا تعول الاسواق أيضا على حدوث ارتفاع سريع . وقال متعامل في بنك أميركي في شنغهاي: لم تسفر التصريحات الصارمة السابقة من الإدارة الأميركية بشأن اليوان عن أي شيء، السوق غير متأكدة من أن تصريحات اوباما الاخيرة ستقود حقا الى موقف أميركي أكثر تشددا من اليوان .

خطة الصادرات

وقال وزير الخزانة الأميركي تيموثي جايتنر ان خطة الرئيس باراك أوباما لمضاعفة الصادرات الأميركية خلال خمس سنوات تشمل اقرار اتفاقيات تجارة حرة مع كل من بنما وكولومبيا وكوريا الجنوبية مؤجلة منذ عدة سنوات .

وأوضح جايتنر: اعتقد أن ذلك يتطلب أن نعمل معا لإقرار اتفاقيات تجارة قوية ستزيد فرصنا في الاسواق الأجنبية . لا يمكننا أن نترك الدول الاخرى تذهب وتتنافس في تلك الاسواق دوننا .

وكانت الادارة الجمهورية للرئيس الأميركي السابق جورج بوش وقعت الاتفاقيات الثلاث لكنها واجهت معارضة قوية في الكونغرس الذي يهمين عليه الديمقراطيون . وقال أوباما للنواب الأميركيين في أول خطاب له عن حالة الاتحاد الاسبوع الماضي انه يريد اقامة علاقات تجارية أقوى مع كل من بنما وكولومبيا وكوريا الجنوبية ولكنه لم يحث النواب على اقرار الاتفاقات هذا العام .

وفي الخطاب نفسه أعلن أوباما مبادرة وطنية جديدة للصادرات بهدف تدعيم مليوني وظيفة في الولايات المتحدة عن طريق مضاعفة الصادرات خلال السنوات الخمس المقبلة . وسئل النائب الجمهوري كيفن برادي وزير الخزانة في الجلسة ان كان اقرار اتفاقيات التجارة الثلاث هذا العام جزءا من خطة أوباما لمضاعفة الصادرات، فرد جايتنر قائلا: بالتأكيد .

وأضاف: كما قال الرئيس الامر لا يقتصر على ذلك فقط . نريد أن نكون طرفا في اللعبة في آسيا في الوقت الذي يتحركون فيه للتفاوض بشأن اتفاقات جديدة هناك، واتمام محادثات الدوحة للتجارة العالمية بصورة ناجحة للشركات الأميركية .

تسوية القضايا

وأصدرت كل من وزارة الخزانة ومكتب الممثل التجاري الأميركي بيانا في وقت لاحق لتوضيح تعليقات جايتنر . وقالا ان المسؤولين التجاريين الأميركيين مازال عليهم تسوية بعض القضايا القائمة مع الدول الثلاث قبل أن يرسل أوباما اتفاقيات التجارة الحرة للتصويت عليها في الكونغرس .

وقالت متحدثة باسم وزارة الخزانة: تتطلع الادارة الى العمل مع الكونغرس للتوصل الى التوقيت الامثل للمضي قدما في الاتفاقيات فور تسوية تلك القضايا .

وقال أوباما إنه يفضل التحرير المتبادل للتجارة وسوف يضغط على الصين ودول أخرى لفتح أسواقها المحلية أمام المنافسة .

وأوضح: المنهج الذي نسير عليه هو محاولة الحصول على مزيد من القوة في تطبيق القواعد القائمة وممارسة ضغط مستمر على الصين ودول أخرى لفتح أسواقها بطريقة تبادلية .

تحليل إخباري:

عزلة الصين عن النظام المالي العالمي عمقت الجدل

قال جورج سوروس المستثمر العالمي الشهير والمضارب في العملات إن الصين كانت اول دولة تتعافى من الازمة الاقتصادية العالمية وخرجت منها كمحرك للاقتصاد العالمي حيث أن انعزالها عن النظام المالي العالمي ساعد في تحقيق تعاف اقتصادي سريع . وأضاف: بالنسبة للصين كانت الازمة المالية صدمة خارجية فهي بحق لم تهز النظام المالي الصيني نفسه .

وأضاف انه علاوة على ذلك كان لدى الصين موارد لتحفيز الاقتصاد كما كانت في وضع افضل نسبيا لمواجهة الازمة . وتوقع سوروس ان تواصل الصين والهند والبرازيل ودول نامية اخرى تحقيق نمو اسرع مقارنة بالعالم المتقدم .

وكان وزير التجارة الأميركي جاري لوك اتهم الصين الأسبوع الماضي بحماية الشركات المحلية وخلق عراقيل في الاستثمار الأجنبي .

وحذر بكين من التراجع عن الانفتاح الاقتصادي وحكم القانون وقال إن هذا من الممكن أن يصرف الشركات الأميركية عن الاستثمار في الصين . لكن الصينيون يقولون إن هذا الاتهام كان مضللا ويتنافى تماما مع الحقائق لأن الولايات المتحدة التي تطبق حمائية تجارية تحاول خلط الأمور عن طريق اتهام الآخرين .

وتعتبر الصين ثالث أكبر سوق تصدير للولايات المتحدة، وظلت أسرع الأسواق نموا على مدار أعوام . وفي عام 2009 بلغت الصادرات الأميركية للصين 77 .4 مليار دولار مما خفض العجز التجاري الأميركي بنسبة 16% .

ويقول المسؤولون الصينيون إن الصين تحاول بذل جهود لتوفير بيئة استثمارية أكثر انفتاحا وربحا للمستثمرين المحليين والأجانب . وفي الواقع تمت مناقشة سلسلة سياسات ومبادرات تهدف لتحسين الانفتاح التجاري واجتذاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية في اجتماع تنفيذي عقده مجلس الدولة مؤخرا .

ووفقا لاحصائية اعلنها مجلس الأعمال الأميركي فإن الركود العالمي ادى لانخفاض المبيعات وتسبب في تباطؤ خطط الاستثمار للشركات الأعضاء بالمجلس، بالإضافة لخفض الوظائف في بعض الشركات .

وقال المجلس إن 51% ممن اشتملت عليهم الاحصائية توقعوا نمو أرباحهم في الصين خلال عام 2009 وذكر 84% منهم ان عملياتهم في الصين ما زالت تحقق ربحا . وقال رئيس المجلس جون فريسبي: ما زالت الصين نقطة مضيئة نسبيا للشركات في ظل التباطؤ الاقتصادي العالمي .

وتقول تقارير صينية انه وفي حين تمضي الصين قدما في طريقها نحو الانفتاح فإن الولايات المتحدة تفتح ذراعيها للحمائية .

وتدلل على ذلك بالقول: قبل يوم واحد من توجيه لوك اللوم للصين لحماية شركاتها المحلية فرضت الولايات المتحدة رسوم مكافحة إغراق تتراوح نسبتها بين 90 و175% على البطاطين الكهربائية المستوردة من الصين . ووفقاً لمصادر صينية فمنذ اندلاع الأزمة المالية العالمية تبدو الحمائية التجارية الأميركية في ازدياد وأصبحت الصين أكبر ضحية لسوء الاستغلال الأميركي لإجراءات التخفيف التجاري .

وخلال زيارته للصين العام الماضي قال الرئيس اوباما إن الحمائية التجارية ليست مفيدة للبلدين وان الولايات المتحدة تسعى لتعزيز نمو ثابت للعلاقات الاقتصادية والتجارية الثنائية من أجل تحقيق نفع متبادل ونتائج متكافئة الكسب .

وقال كبار المسؤولين الأميركيين ومن بينهم وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في العديد من المناسبات ان البلدين في نفس القارب ولابد أن يعملا معا لمكافحة الأزمة المالية العالمية .

ومؤخرا اطلقت الولايات المتحدة سلسلة من تحقيقات مكافحة الاغراق ومكافحة الإعانات وفرضت رسوما عقابية على منتجات الاطارات والحديد والصلب والورق وأنابيب النفط والاسلاك المعدنية والبطاطين الكهربائية المستوردة من الصين . كما اجتذب مصطلح: اشتري الأميركي في حزمة الحوافز الاقتصادية لإدارة اوباما انتقادات دولية، حيث ارسل رسالة حمائية واضحة .

وقال محلل بصحيفة وول ستريت جورنال: وقع اوباما عددا من بيانات مجموعة العشرين حول أهمية تزايد الحمائية في التباطؤ الاقتصادي، ولكن اشارة الحمائية التي ارسلها في أول قرار مهم متعلق بالسياسة التجارية واضحة تماما . وأضاف: تلك لعبة خطيرة للمستهلكين الأميركيين والشركات وللاقتصاد العالمي الذي يحتاج للمزيد من التجارة وليس حربا تجارية .

طباعة Email
تعليقات

تعليقات