قالت وزارة الخزانة الأميركية انها تتوقع أن تقترض الحكومة 392 مليار دولار في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري. وهذا الرقم يقل ب86 مليار دولار من التقديرات السابقة التي أصدرتها الخزانة في نوفمبر مع العلم ان الحكومة الأميركية اقترضت 260 مليار دولار في الفصل الأخير من العام الماضي.
وتوقعت الوزارة أيضاً أن تقترض الولايات المتحدة 268 مليار دولار في الفصل الممتد من أبريل ويونيو.
وتعتقد الوزارة أن تبلغ الموازنة النقدية في نهاية مارس المقبل 95 مليار دولار علماً ان الحكومة أنهت العام 2009 بموازنة نقدية كبيرة بلغت 194 مليار دولار مع قيام بعض البنوك الكبرى بإعادة القروض التي حصلت عليها من الحكومة.
وأصدرت الخزانة هذه التوقعات في الوقت الذي قدم فيه الرئيس الأميركي باراك أوباما ميزانية العام المالي 2011 بقيمة 8 .3 تريليونات دولار والتي تتوقع عجزاً قياسياً في الميزانية الفيدرالية قدره 6 .1 تريليون دولار بزيادة عن عجز ميزانية عام 2009 الذي بلغ 42 .1 تريليون دولار.
نقطتان أساسيتان
وكشف مشروع الموازنة الجديدة عن تركيز الإدارة الأميركية على توفير وظائف جديدة في ظل ارتفاع معدل البطالة إلى 10% وهو أعلى مستوى له منذ أكثر من ربع قرن. كما يكشف المشروع عن تنامي اهتمام الإدارة الأميركية بمشروعات الطاقة النظيفة والنووية إلى جانب التخلي عن برنامج إرسال رواد فضاء أميركيين إلى القمر مرة ثانية.
وقال مسؤولون إنه روعي في الموازنة مواصلة التركيز على الانتعاش الاقتصادي وتوفير الوظائف وأيضا الجهود الرامية إلى تقليص الإنفاق بتجميد الإنفاق غير الأمني الذي يمثل حوالي ثلث إجمالي الانفاق العام. وأوضح: سنواصل إنفاق ما يلزم من أجل توفير الوظائف وفي الوقت ذاته حرصت الادارة على مراعاة الاقتصاد قدر المستطاع حتى يتسنى لنا تلبية ما نحتاج إليه.
تقليص الإنفاق
وربما يكون مسعى وكالة الفضاء والطيران الأميركية (ناسا) المتعلق بإعادة رواد الفضاء إلى القمر على رأس ضحايا جهود أوباما الرامية إلى الاقتصاد في إنفاق الاموال حيث سيكون واحدا من بين أكثر من 120 برنامج إنفاق سيتم إلغاؤها. فقد تقرر إلغاء برنامج كونستيليشن الذي يتعلق ببناء مركبة فضاء تحل محل مكوك الفضاء المتهالك وتقرر بدلا من ذلك إشراك القطاع الخاص في تمويل برامج الفضاء.
وهذا الاقتراح الذي من شأنه وأد برنامج يمثل للشعب نوعا من الكبرياء الوطني قد يواجه معارضة شديدة في الكونغرس. في المقابل رصد مشروع الموازنة 6 مليارات دولار لدعم المنافسة من أجل رحلات فضاء خاصة.
وتشمل خطط أوباما تخصيص 100 مليار دولار لبرنامج توفير الوظائف من بينها 33 مليار دولار تخفيضات ضريبية للمشروعات الصغيرة وللاستثمارات في البنية التحتية والطاقة النظيفة. وإجمالا، تشمل الموازنة نحو 300 مليار دولار في شكل تخفيضات ضريبية.
العجز المتوقع
ومن المتوقع أن يصل العجز في الموازنة الاتحادية هذا العام إلى 6 .1 تريليون دولار أي 6 .10% من الناتج المحلي الإجمالي غير أنه سيشهد تراجعا طفيفا في عام 2011 حيث سيصل إلى 3 .1 تريليون دولار أي 3 .8% من الناتج المحلي الإجمالي.
واعترف البيت الأبيض بأن البطالة ستظل مرتفعة خلال العام الحالي رغم التركيز الشديد حاليا من جانب الرئيس الأميركي باراك أوباما على توفير فرص عمل جديدة للأميركيين. ففي مشروع الموازنة يتوقع البيت الأبيض أن يظل معدل البطالة في الولايات المتحدة خلال العام الحالي عند مستواه الأعلى منذ ربع قرن تقريبا حيث سينخفض بمقدار 2 .
نقطة فقط عن مستواه الحالي البالغ 10%. وتقول توقعات البيت الأبيض ان سوق العمل ستظل متعثرة خلال السنوات المقبلة حيث سينخفض معدل البطالة إلى 9 .8% بنهاية 2011 ثم إلى 9 .7% بنهاية 2012.
وحث أوباما الجمهوريين على الاحتضان الكامل لخطته الرامية إلى إنشاء لجنة مالية تكون مهمتها تقديم التوصيات بشأن المجالات التي يمكن فيها تقليص الانفاق خلال الاعوام المقبلة.
غير أن نوابا من كلا الحزبين أعربوا عن مخاوفهم إزاء مقترحات الموازنة حيث يشعر أوباما والديمقراطيون بالقلق من احتمال أن يؤدي خفض الانفاق إلى خنق جهود إنعاش الاقتصاد بينما يشكو الجمهوريون من أن ذلك لا يعد كافيا لضبط الاحوال المالية بالبلاد. وفي الوقت نفسه يعتزم الرئيس الأميركي خفض الدعم المقدم لمنتجات الوقود الكربوني بمقدار 40 مليار دولار وفقا لمشروع موازنة العام المالي الجديد الذي يبدأ أول أكتوبر 2010 .
التزام بالمناخ
كما أظهر مشروع الموازنة التزاما بقانون المناخ الذي يعد حيويا من أجل الوفاء بأي تعهدات دولية تتعلق بخفض الانبعاثات الكربونية والذي يواجه معارضة عنيفة داخل الكونغرس.
وكان الرئيس أوباما قد اقترح خلال قمة المناخ في العاصمة الدنماركية كوبنهاجن في ديسمبر الماضي خفض الانبعاثات الغازية الكربونية في الولايات المتحدة بنسبة 17% عن مستوياتها عام 2005 بحلول 2020 ولكن تنفيذ هذا التعهد يتوقف على موافقة الكونغرس على قانون جديد للمناخ في الولايات المتحدة.
ووفقا لمشروع القانون فإن الإدارة الأميركية ستلزم الشركات بدفع مبالغ مالية محددة مقابل الانبعاثات الناتجة عن نشاطها الاقتصادي ولكن كثيرين من أعضاء الكونغرس يعارضون هذه الخطة.
في الوقت نفسه فإن عائدات هذه الخطة في حالة إقرارها ستستخدم في دعم مشروعات الطاقة النظيفة وخفض الانبعاثات الغازية والتكيف مع تداعيات ظاهرة التغير المناخي. وفي محاولة من جانب الرئيس الأميركي جذب تأييد الجمهوريين لقانون المناخ فقد رصد أوباما في مشروع الموازنة 36 مليار دولار كضمانات قروض لدعم مشروعات الطاقة النووية التي مازالت تعامل بقدر من الحذر من جانب جماعات الدفاع عن البيئة.
ميزانية 2011 تبرز القيود الضريبية
أدى العجز الهائل في مشروع ميزانية الحكومة الأميركية للعام 2011 الى نوع من القيود الضريبية التي تعرقل تشجيع الانفاق من اجل انشاء وظائف بدون اثار جانبية خطيرة، على ما افاد محللون. ويقول المحللون ان المبادرة الجديدة قد تأتي بأثر طفيف على صعيد خلق الوظائف فيما لا يسع الحكومة المضي ابعد في سياسة تشجيع الانفاق بدون تعريض مالية البلاد للخطر.
وقال المحلل الاقتصادي في جامعة كاليفورنيا سونغ وون سون: تم تكبيل ايدينا بقيود ضريبية. واوضح: اذا اردنا زيادة التحفيز، فإن العلاج قد يأتي بعواقب اسوأ من المرض. وهذا قد يعني ان الحكومة تأخذ حصة اكبر من الموارد الحقيقية، ما يؤول الى انخفاض الانتاجية. واضاف سون: اعتقد ان الرئيس يتخذ الاجراءات المناسبة في ما يتعلق بالميزانية.
لكنني اقول اننا لن نتخلص من هذا الوضع بالسرعة التي يتصورها البعض.
ويشير الكثير من المحللين الى ان الحجم الهائل للدين والانفاق الحكوميين وصفة لنمو بطيء، سيزيد من صعوبة الانتعاش الاقتصادي على المدى الطويل.
وقال جويل ناروف من شركة ناروف للاستشارات الاقتصادية ان الحد من العجز وخلق الوظائف هدفان متناقضان في هذه المرحلة من الدورة الاقتصادية. وأكد: إذا ظننت انك قادر على تحقيق الهدفين فإنك مجنون أو سياسي.
وقال كاري ليهي كبير الاقتصاديين في شركة دسيجن ايكونوميست للابحاث ان الاجراءات التي اقترحها اوباما هي على الارجح الاكثر فعالية لتحفيز انشاء الوظائف نظرا الى اشتمالها على قروض ضريبية تخصص للشركات الصغرى التي يحتمل ان توظف اكثر من غيرها.
وقال ليهي: يمكن انشاء عدد متواضع من الوظائف نتيجة تلك الاجراءات. وتابع: لكن السؤال يكمن فيما اذا كان الامر يساعد على تقويم سائر اوجه الاقتصاد. فلا يمكن فعل المزيد مع عجز بهذه الضخامة.
واشار ليهي الى صعوبة قياس فعالية خطة الانعاش بقيمة 787 مليار دولار التي اقرت في العام الفائت او المقترحات الحالية لانشاء وظائف. وقال: من الطبيعي ان تخيب النتائج الامال لأن نسبة البطالة لدينا بلغت 10% بعد انفاق حوالى 300 مليار دولار حتى الساعة من خطة الانعاش.
وتابع: لكن الامور لكانت اسوأ بدون خطة الانعاش، لذا لا يمكن قياس مدى فعاليتها. ويقول المحللون الاقتصاديون ان نسبة البطالة ستتراجع تدريجيا مع استعادة الشركات ثقتها في التوظيف، لكن الأمر رهن باستعادة المستهلك الثقة لانفاق المزيد.
