يعكف مركز دبي المالي العالمي على إعداد حزمة مزايا ومحفزات تكفل إعطاء قوة زخم لتطوير صناعة الصناديق الاستثمارية الناشئة على صعيدي الإمارات ومنطقة الخليج، وفيما كشف الدكتور ناصر السعيدي رئيس الإدارة الاقتصادية بسلطة مركز دبي المالي العالمي عن أن حزمة المحفزات ستشتمل على خفض قاعدة التكاليف، بما في ذلك رسوم الإدراج والتسجيل والتصديق وتقليص الفترة الزمنية ما بين التقدم بطلب الإدراج والحصول على الترخيص لمزاولة الأعمال.
فضلا عن تعديل الإطار التنظيمي والقانوني على نحو يلبي احتياجات الصناعة المالية والمستثمرين بطريقة مثلى، لم يستبعد شيراج شاه المدير التنفيذي - إدارة التخطيط الاستراتيجي، سلطة مركز دبي المالي العالمي أن يتم الانتهاء من إعداد حزمة المحفزات خلال النصف الأول من العام الجاري، فيما اعتبر مشاركون في اللجنة التي جرى تشكيلها لمراجعة القواعد التنظيمية للصناديق أن التوصيات الصادرة عن اللجنة سوف تزيد جاذبية مركز دبي المالي العالمي بالنسبة لمديري الصناديق. وفي البداية، يرى الدكتور ناصر السعيدي أن التخطيط لوضع مثل هذه الحزمة من المحفزات يأتي في إطار أنجاز أحد الأهداف الإستراتيجية لمركز دبي المالي العالمي، وهو المساهمة في تطوير صناعة الصناديق الاستثمارية على صعيد المنطقة بأسرها والتي ما زالت في مراحلها الأولى. فعلى الرغم من تحقيق هذه الصناعة نموا ضخما في الأسواق الدولية، إلا أن قيمة رؤوس أموال الصناديق الاستثمارية في المنطقة ما زال ضئيلا للغاية، وهو ما يعني أن هذه الصناعة تتمتع بإمكانيات نمو ضخمة، إذا ما جرى اتخاذ المبادرات الداعمة لها، بأن يقدم لها مثلا حزمة محفزات تجذبها لمباشرة أعمالها انطلاقا من مركز دبي المالي العالمي.
استقطاب الصناديق... وأكد الدكتور ناصر السعيدي أن مركز دبي المالي العالمي يتطلع إلى استقطاب القسم الغالب من الصناديق الاستثمارية، سواء تلك العاملة في المنطقة، أو تلك التي تتطلع إلى تعبئة مدخرات ورؤوس أموال من المستثمرين المحليين، ولهذا يجري العمل على تحفيز الإدراج الحصري لهذه الصناديق في مركز دبي المالي العالمي، أو الإدراج المزدوج، وذلك في حالة ما إذا كانت مدرجة في أسواق أخرى. وشرح الدكتور ناصر السعيدي طبيعة الدور الذي يتطلع مركز دبي المالي العالمي إلى النهوض به في مجال تطوير صناعة الصناديق بقوله: إن المركز يتطلع لأن يكون بمثابة حلقة وصل بين صناديق الاستثمار الأجنبية من جانب، وعملاء المنطقة المستهدفين من جانب.
فضلا عن القيام بدور حلقة بين أصحاب رؤوس الأموال في المنطقة من جانب، وصناديق الاستثمار المتواجدة في الأسواق الأجنبية من جانب آخر، حيث تنمو أعداد أصحاب الثروات في المنطقة بنسبة تتراوح بين 15 و 16 % سنويا، مما يجعلهم محل استهداف من جانب صناديق الاستثمارية الساعية إلى تعبئة المدخرات والموارد لتوجيهها إلى مجالات الاستثمار المختلفة.
وأكد الدكتور ناصر السعيدي أن الأمر المهم الثاني بالنسبة لمركز دبي المالي العالمي على المدى الطويل، هو المساعدة في توفير التمويل للشركات المنخرطة في مجال إقامة مشروعات البنية التحتية، حيث يمكن أن تشكل الصناديق الاستثمارية الوسيلة الرئيسية لتعبئة رؤوس الأموال والمدخرات.
إذ تزخر المنطقة بالكثير من الأفراد الذين تتراوح قيمة ثرواتهم ما بين 50 إلى 100 ألف دولار، في حين أنه لا يوجد الكثير من الأفراد الذين يمتلكون ثروات تزيد على مائة مليون دولار لتخصيصها للاستثمار، وبالتالي، تبرز هنا أهمية الصناديق الاستثمارية في مجال تعبئة رؤوس الأموال وتوجيهها إلى المنتجات الاستثمارية، سواء كانت تقليدية أو متوافقة مع مقتضيات الشريعة الإسلامية.
الاستثمارات الأجنبية
ويعزو الدكتور ناصر السعيدي أسباب قيام مركز دبي المالي بوضع حزمة محفزات لتطوير صناعة الصناديق الاستثمارية التعاونية إلى توافر فرص ضخمة لتطوير هذه الصناعة في منطقة الخليج، فمن المتوقع أن تشهد المنطقة خلال السنوات المقبلة تدفقا ضخما للاستثمارات الأجنبية، وذلك في إطار تدفق رؤوس الأموال إلى الأسواق الصاعدة بشكل عام.
الأمر الذي يفتح المجال أمام تدفق المزيد من الصناديق الاستثمارية الساعية إلى الاستثمار في مختلف الأوعية الاستثمارية بأسواق المنطقة، خاصة تلك المتعلقة بمشروعات البنية التحتية.
ويرصد الدكتور ناصر السعيدي عاملا آخر مساعدا على تطور صناعة الصناديق الاستثمارية، وهو احتفاظ منطقة الخليج بمكانتها كمصدر صافٍ لرؤوس الأموال، ويشرح هذه النقطة بقوله: تعتبر دول المنطقة في نهاية المطاف دولا مصدرة لرؤوس الأموال.
وستظل محتفظة بهذه المكانة على المدى المنظور، بمواصلة سياستها في مجال ضخ الاستثمارات في الأسواق العالمية، ولذلك تشهد المنطقة، تزايدا في الأنشطة الترويجية للصناديق الاستثمارية من جانب جهات الاختصاص التنظيمية الأخرى، على غرار مركز لوكسمبورغ المالي.
تمويل البنية التحتية
ويرى الدكتور ناصر السعيدي أن ظروف السوق الحالية في المنطقة مواتية لتأسيس صناديق استثمارية متخصصة في مجال تمويل مشروعات البنية التحتية، ويشرح الفوائد المتحققة من جراء تطوير هذا النوع من الصناديق بقوله: تزيد قيمة الاستثمارات في مشروعات البنية التحية بالهند على 450 بليون دولار.
وفيما يتعلق بدول مجلس التعاون الخليجي، من المتوقع أن تزيد قيمة الاستثمارات في مشروعات البنية التحتية خلال السنوات العشر القادمة على تريليوني دولار، وبالتالي، فإن السؤال المطروح هو: ما هي مصادر تمويل مثل هذه المشروعات الضخمة ؟.
ويجيب الدكتور ناصر السعيدي عن هذا السؤال بقوله: تتعدد في الوقت الراهن مصادر التمويل، من بينها، زيادة مشاركة القطاع الخاص عبر تأسيس علاقات مشاركة فيما بينه وبين القطاع العام، وهو الأمر الذي من شأنه أن يساهم في خلق بيئة سوقية مواتية لنمو وتطور الصناديق الاستثمارية، خصوصا في ظل النمو الذي تشهده اقتصادات المنطقة.
ويقدر الدكتور ناصر السعيدي أن ظروف السوق الحالية مواتية لتأسيس صناديق استثمارية عقارية قائلا: إن السوق في الإمارات تتميز بأنها حرة وتعتمد على العرض والطلب وإن هناك آليات تتحرك بصيغة مختلفة تبعاً لكل شركة وعليه لا يوجد حل واحد مشترك لكل المطورين العقاريين إلا أن توافر أشكال مختلفة من الصناديق الاستثمارية العقارية قد يكون حلاً لفئات معينة.
وفي السياق ذاته، يرى شيراج شاه المدير التنفيذي - إدارة التخطيط الاستراتيجي، سلطة مركز دبي المالي العالمي أن إعداد مثل هذه الحزمة من المحفزات يندرج ضمن أولوية رئيسية تتصدر أجندة عمل سلطة مركز دبي المالي العالمي، وهي تطوير البنية التحتية لصناعة الصناديق الاستثمارية بالمركز.
وذلك على نحو يسهم في نشوء قطاع متميز ومتفرد للصناديق الاستثمارية داخل المركز، يشتمل على عناصر بنية تحتية داعمة ومساندة، من بينها، توفير الخدمات الاستشارية القانونية والمحاسبية، وإتاحة الموارد البشرية اللازمة لعمل مثل هذه الصناديق، بما في ذلك مديرو الأصول.
ويؤكد شيراج شاه أن مركز دبي المالي العالمي يمتلك مقومات تنافسية تؤهله لأن يكون محتضنا لقطاع الصناديق الاستثمارية، من بينها، تأسيسه علاقات مشاركة مع جهات الاختصاص التنظيمية في العالم، وذلك على غرار مركز لوكسمبورغ المالي الذي يعد بمثابة مركز عالمي لصناعة الصناديق الاستثمارية.
فضلا عن توافر خدمات المقاصة والتسوية وغير ذلك من العمليات الوثيقة الصلة بعمل المكاتب الخلفية، وتتضافر هذه المقومات معا في دعم تأسيس قطاع للصناديق الاستثمارية يتمتع بالتنافسية بالمقارنة مع الأسواق الأخرى العالمية.
توصيات التقرير
وعكست التوصيات الواردة في التقرير إجماعا في الرأي بين مجموعة الخبراء حول ما يمكن لمركز دبي المالي العالمي أن يفعله ليصبح مقصدا لصناعة الصناديق على مستوى المنطقة والعالم، ولهذا تضمن التقرير توصيات تتعلق بعشر قضايا حيوية، تم النظر إليها على أنها بحاجة إلى إدخال تحسينات عليها لكي تنمو صناعة الصناديق في المركز، وتمحور تركيز هذه التوصيات على إزالة العقبات التنظيمية التي تعترض نمو الصناديق، فيما يتم الاحتفاظ بالجوانب الإيجابية.
وورد في التقرير أن الإطار التنظيمي لمركز دبي المالي العالمي بحاجة إلى تعديلات طفيفة لكي يكون مواتيا لصناعة الصناديق، عوضا عن إجراء إصلاح كلي.
وتمثلت أكثر النقاط حيوية في التقرير، بالتوصية بالسماح لمديري الصناديق المالية في مركز دبي المالي العالمي بتأسيس صناديق مالية في جهات أخرى معروفة ذات نطاق قضائي، وكذلك السماح لمديري الصناديق المالية في جهات أخرى معروفة ذات نطاق قضائي بتأسيس صناديق مالية في مركز دبي المالي العالمي.
حيث إن القانون الحالي يحظر على الصناديق مزاولة عملها انطلاقا من مركز دبي المالي العالمي، كما يحظر على الصناديق المالية في مركز دبي المالي العالمي مزاولة عملها من خارج المركز.
وقاد مثل هذا الوضع إلى خلق عوائق كثيرة اعترضت إمكانية تأسيس صناديق استثمارية محلية، وبعبارة أخري، صار من غير المحتمل في ظل سريان القانون الحالي، أن يشهد مركز دبي المالي تدفقا للصناديق الاستثمارية، ولهذا، أوصى التقرير بأن يمنح الإطار التنظيمي الخيار للصناديق الاستثمارية بأن تزاول أعمالها في جهات اختصاص تنظيمية أخرى.
توفير خيارات لمديري الصناديق
قدر نيك سميث رئيس لجنة تقييم الصناديق الاستثمارية المشكلة من جانب سلطة دبي للخدمات المالية أن مركز دبي المالي سيكون أكثر جاذبية لمديري الصناديق، إذا ما قامت سلطة دبي للخدمات المالية بتنفيذ التوصيات الواردة في التقرير، حيث سيكون الامتثال التنظيمي أكثر يسرا، كما أن الإطار التنظيمي سيكون أكثر انفتاحا أمام أعمال الصناديق الدولية، فضلا عن تمتعه بمرونة أكبر في توفير خيارات لمديري الصناديق.
ولفت نيك سميث إلى وجود فجوة بين أعداد الصناديق التي نجح مركز دبي المالي في استقطابها من جانب، وجودة البنية التحتية المتوافرة بالمركز من جانب آخر، مشيرا إلى أن المركز قد نحج حتى الآن في استقطاب أعدادا محدودة من الصناديق الاستثمارية.
وذلك على الرغم من امتلاكه بنية تحتية مساندة على درجة عالية من الجودة في المركز والتي تؤهله لاجتذاب أعدادا أكبر من تلك التي نجح في اجتذابها، ولاحظ أن مركز دبي المالي يحتضن عددا من شركات إدارة الأصول، التي تضع مسألة الاستثمار في الصناديق ضمن دائرة عملها، وذلك إلى جانب مزودي خدمات الإيداع والحفظ.
تقرير اللجنة خطوة على الطريق الصحيح
أعرب كريج روبرتس الرئيس التنفيذي لشركة «أيبكس لخدمات الصناديق»، التي تعد إحدى أسرع شركات إدارة الصناديق الاستثمارية نمواً في العالم، عن تأييده للاتجاه الداعي إلى خفض التكاليف بقوله: إن الأزمة المالية العالمية شكلت عاملا إضافيا كابحا لنمو صناعة الصناديق في مركز دبي المالي، بيد أن إرساء الأسس التنظيمية الفعالة، وتطبيق أفضل الممارسات، من شأنه أن يعزز قدرة المركز على توطيد مكانته كمنصة مثالية للصناديق الاستثمارية.
وتابع قائلا: تمتلك سلطة دبي للخدمات المالية نوايا طيبة بشأن رغبتها في إرساء الأسس التنظيمية القوبة لدعم صناعة الصناديق، ويعتبر تقرير المشورة خطوة على الطريق الصحيح، ويكسب التقرير سلطة دبي للخدمات المالية قدرا من المصداقية بشأن انفتاحها على مختلف الآراء، وهو ما تجلى بشكل واضح في امتناعها عن توجيه دفة النقاش خلال جلسات اللجنة المعنية بتعديل اللوائح التنظيمية للصناديق، ورغم أنها عمدت في بعض الأوقات إلى تبرير مواقفها، إلا أنها حرصت على جعل النقاش يدور في أجواء منفتحة.
ولفت روبرتس إلى أن مناقشات اللجنة قد كشفت النقاب عن عثور العديد من الشركات العاملة في مركز دبي المالي على وسائل تعينها على التغلب على القيود، وهو ما دعا إلى التساؤل عن الأسباب الداعية لهذه الشركات للتصرف بهذه الطريقة.
دبي - مجدي عبيد


