قالت مجلة بزنس ويك في تقرير ان حربا ضروسا خاضتها كرافت، عملاقة الأغذية العالمية، سعيا وراء الاستحواذ على كادبوري، قادتها امرأة حديدية، قامت برحلات مكوكية في طائرة جلف ستريم التابعة لشركة كرافت بين الولايات المتحدة وبريطانيا، لتؤكد للمساهمين بأن عرضها المفاجئ الذي ناهز 17 مليار دولار، للاستحواذ على صانعة الحلوى البريطانية كادبوري الذي طال انتظاره، فيه مصلحة للجميع. فمن تكون هذه المرأة؟

إنها ايرين روزينفيلد التي قادت كرافت منذ العام 2006 والتي قضت فترة زمنية طويلة من مسيرتها المهنية عاملة فيها. وتتمتع روزينفيلد بمقدرة هائلة على الاقناع. فقد سبق وأقنعت رؤساءها بأن الاعلانات التجارية الخاصة بـ كول ايد يجب أن توجه إلى الأطفال وليس الأمهات، وأن جيل- او يمكن تطويرها بإضافة نكهات جديدة.

تحول كبير... وفي تسعينات القرن الماضي قلبت لحظة وصولها عمليات كرافت المتعثرة في كندا رأسا على عقب، حيث انبرت منذ اللحظة الأولى لإقناع زملائها المتشككين بأن الأميركيين قادرون على إدراك طبيعة المستهلكين الكنديين. وبصفتها رئيسا تنفيذيا تمكنت من استمالة معظم العاملين إلى جانب إعادة هيكلة للشركة. ويقول جون بولين الذي أدار فرع كرافت أميركا الشمالية في منتصف التسعينات في وصفه لتلك المرحلة الحرجة، ان روزينفيلد عندما تريد إقناعك بأمر فلا يردعها رادع حتى تعود إليك محملة بالوقائع، وتظهر لك أن الآخرين يقفون في صفها. وهي في المقام الأول ملتزمة التزاما عاطفيا وفكريا بفكرتها.

مبيعات ضخمة

تعتبر كرافت ثاني أكبر شركة للمواد الغذائية بعد نستله، حيث تقدر مبيعاتها السنوية بنحو 42 مليار دولار من أصناف شتى من معكرونة واجبان كرافت وأوريوزواوسكار ماير، ومئات العلامات التجارية الأخرى . وهي حصيلة عقدين من الصفقات التجارية.

ففي إطار مسعاها لتوسعة نشاطها خارج السجائر، اشترت فيليب موريس جنرال فودز التي كان من بين علاماتها التجارية جيل - او ومنيت رايس وكول إيد، في عام 1985، وتمكنت من خلال معركة استحواذ شرسة من الاستحواذ على كرافت في عام 1988، ثم ادمجت الشركتان معا في عام 1995، لتشتري نابيسكو بعد خمسة اعوام.

وخلال ثمانينات القرن الماضي كانت جنرال فودز التي تتخذ من مقاطعة ويستتشسر في نيو يورك، تشتهر باحتضانها لقوة عاملة منفتحة، أبواب النقاش فيها مفتوحة أمام الجميع.

مسيرة علمية

في عام 1981 كانت انطلاقة روزينفيلد في عالم الدراسات السوقية. إذ قضت الجزء الأكبر من العقد السابق في جامعة كورنيل تكمل دراسة الماجستير في علم النفس، والدكتوراة في التسويق والإحصاء. وتتذكر المشرفة على اطروحتها فيثالا آر راو، قائلة انها رغم عملها وحملها، كانت مصممة على إكمال دراستها حول دور المستهلك في اتخاذ القرار.

وكانت تعلم ان حصولها على الدكتوراة سيمنحها دفعة قوية في مجال العمل. وعندما طرحت روزينفيلد على رؤسائها في جنرال فودز دراسة تظهر ان كول - أيد ينبغي تسويقها إلى الأطفال مباشرة، حظيت بوظيفة دائمة، وكانت تلك نقطة تحول بالنسبة لباحثة في الأسواق.

وفي عرضها الأول خلال اجتماع مع شركة جري ادفرتايزنغ الإعلانية، بلغت روزينفيلد درجة من الانفعال بحيث صفقت لنفسها. وكان المطلوب من صغار الموظفين آنذاك التزام الصمت المطبق، وتقول كارولين هيرمان التي عملت مع جرين والتي حافظت على صداقتها لروزنبيرغ، لقد وقفنا مشدوهين ومبهورين برد فعلها.

شهرة واسعة

ومع صعود روزينفيلد في صفوف جنرال فودز وكرافت، مشرفة على اندماج نابيسكو ورئاستها لكرافت اميركا الشمالية، لازمتها شهرة الرئيس المعروف بصرامته وإصراره. وكانت تستدعي أصحاب الأفكار، كبرت او صغرت، في أوقات متاخرة من الليل. وكان النقاش خلالها حول الأطفال يتحول إلى نقاش حول منتجات كرافت.

وواجهت روزينفيلد أولى نكساتها المهنية الكبرى عندما عينت بتسي دي هولدين، رئيسة تنفيذية مشاركة إلى جانب روجر ديرموديلي. ومكثت روزنبيرغ لمدة عامين، ثم غادرتها لتنضم إلى فريتو - لي، منافسة كرافت التي امتازت بنظرتها العالمية، واتخاذ القرار على أسس محلية.

وتقول أندرا نوجي الرئيسة التنفيذية لبيبسي والتي تمتلك فريتو- لي ، إن روزينفيلد كانت تنظر إلى أجندة التسويق والإبداع نظرة اكثر اندفاعا مما اعتادت الشركة عليه، وكانت جريئة فيما تقدم عليه.

قبول فوري

أعطت روزينفيلد الانطباع بأنها ملتزمة بشركة فريتو- لي لفترة زمنية طويلة. ولكن عندما عرضت عليها كرافت العودة كرئيسة تنفيذية في يونيو 2006، قبلت على الفور. إذ فشلت نظرية القيادة الثنائية، وكانت كرافت تسير نحو القاع في ظل ارتفاع أسعار السلع، وازدياد المنافسة من العلامات التجارية المنافسة، والتركيز الخاطئ على خفض النفقات.

وأبلغت قرابة مئة ألف من موظفي كرافت بأن الشركة خسرت قلبا وقالبا، وانها بحاجة لإعادة إطلاق روح العمل. ووصفت روزينفيلد في خطاب لها في كورنيل في عام 2007، عودتها إلى كرافت قائلة، إن العاملين كانوا منهكين، تنقصهم الخبرة، ويشعرون بالخيبة.

وأضافت أن شعارها هو استعادة مسيرة النمو. وعمدت إلى استبدال نصف طاقمها التنفيذي ونصف عدد القيادة الوسطى. واعادت تنظيم هيكل الشركة، وغيرت الطريقة التي تمنح بموجبها العلاوات.

رغبة في التغيير

لم تنحصر الرغبة في التغيير في روزينفيلد وحدها، فقد كان المستثمر النشط نيلسون بيلتز من أكبر الداعين إلى ذلك. وقد أدركت روزينفيلد مبكرا أن الالتزام والاسترضاء هما أقرب الطرق لمواجهة الخصوم الألداء. فعندما دفعها بيلتز لبيع بعض العلامات الجارية، فعلت ذلك صاغرة، وتخلصت من عصير فواكه فيرفين وحبوب بوست. وعندما طالبته بعدم شراء أكثر من 10% من الشركة وافق عن طيب خاطر.

وكان بيلتز مستثمرا كبيرا في كادبوري شويبس، وأقنع عملاقة الأغذية البريطانية ببيع فرع المشروبات في 2008، وأصبحت شركة متخصصة بالشوكولاته. وهو الأمر الذي مهد الطريق أمام عرض روزبنبيرغ الاستحواذي، ودفاع كادبوري الفلسفي. والمتمثل في عدم رغبتها في ضياع التركيز على صناعتها الرئيسية بأن تصبح جزءا من تحالف كبير.

أساليب مبتكرة

مع بدء انحسار موجة الركود، راحت روزينفيلد تفكر بأساليب لتغيير مسار الشركة. وكما قالت شيلي لازاروس، رئيسة وكالة اوجنيليفي اند ماثر وورلدوايد الإعلانية، التي تعمل مع كرافت، انها أرادت جذب انظار العالم إلى ما يمكن ان تفعله كرافت. وبدأت تدرس إمكانية شراء كادبوري، التي تبيع علكة ترايدنت والشوكولاته في 60 بلدا وتبلغ مبيعاتها 8 مليارات دولار. فهي شركة عالمية سريعة النمو بهوامش ربح عالية.

واخيرا حددت السعر، وقررت في بداية شهر أوغسطس مفاتحة رئيس مجلس إدارة كادبوري روجر كار بعرضها. وفي 28 اغسطس التقت به في لندن لشرح خطتها. ويقول كار عن تلك المرحلة لقد كانت رشيقة وقوية الحجة وقدمت اقتراحها وغادرت بسرعة خاطفة. ويضيف أن الاثنين لم يتحدثا منذ ذلك الحين، رغم انهما تبادلا عدة رسائل.

كادبوري

كادبوري هي شركة حلويات ومشروبات بريطانية عالمية رائدة، تتخذ من أوكسبريدج مقرا لها، وتعتبر ثاني أكبر صانعة للحلوى في العالم بعد مارس ريغلي. وكانت الشركة معروفة باسم كادبوري شويبس، من عام 1969 حتى انفصالهما في مايو 2008، حيث تم فصل تجارة الحلوى العالمية عن وحدة المشروبات الأميركية، التي أعيدت تسميتها مجموعة دكتور بيبر سنابل جروب. والشركة مدرجة في بورصة لندن.

كما أنها مدرجة في مؤشر فاينانشيال تايمز بورصة لندن 100. وبدأ جون كادبوري بيع الشاي والقهوة ومشروبات الشوكولاته في عام 1824، والتي كان ينتجها بنفسه في، بول ستريت في بيرمنجهام في انجلترا. وما لبث جون كادبوري أن انتقل إلى إنتاج انواع مختلفة من الكاكاو ومشروبات الشوكولاته المصنعة في مصنع في بريدج ستريت، والتي تقدم إلى الأثرياء حصرا نظرا لكلفتها العالية وقتذاك.

وخلال تلك الفترة تم تأسيس شراكة بين جون كادبوري وأخيه بنجامين. وقد عرفت الشركة في تلك الفترة باسم كادبوري إخوان من بيرمنجهام. وما لبث الأخوان أن افتتحا مكتبا في لندن وفي عام 1854 حصلا على ترخيص ملكي باعتبارهما مصنعين للشوكولاته والكاكاو للملكة.

وفي تلك الفترة تلقت الشركة دفعة قوية بخفض الضرائب على الكاكاو مما سمح بأن تكون نلك المادة في متناول الجميع. وفي عام 1878 استحوذ ابنا جون، ريتشارد وجورج اللذان ورثا الشركة بعد تقاعد والدهما، على ضيعة بورنبروك التي تتكون من 14 فدانا ونصف من الأراضي الريفية على بعد خمسة أميال في ضواحي بيرمنجهام. وسمياها برونفيل وافتتحا مصنع بورنفيل في عام 1879.

منافسة

مع استفحال مرحلة الركود، اضطرت كرافت إلى خفض الأسعار للوقوف في وجه منافسة العلامات التجارية الأخرى. وكان هدف روزينفيلد المعلن لعام 2009، الوصول بنمو المبيعات إلى 4% ونمو الأرباح إلى 7% على الأقل. وبدلا من ذلك تراجعت الإيرادات 6% خلال الأرباع الثلاثة الأولى من 2009، وانخفض الدخل الصافي 14% خلال الفترة ذاتها.

وانخفض سهم كرافت التي طرحت للاكتتاب العام بسعر 31 دولارا للسهم في 2001، إلى أقل من 21 دولارا للسهم في مارس الماضي. وكان يحوم حول 29 دولارا هذا العام. وطرحت الشركة مواد مثل صنع خلطة لبيتزا ديجيورنو المثلجة، والتي ساهمت بنجاح العلامة التجارية.

وائل الخطيب