قيم المشاركون في ندوه نظمها مركز دبي المالي العالمي أمس بعنوان الأسواق المالية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا وجنوب آسيا» أن المركز يقوم في الوقت الحالي بدور رئيسي في صباغة الجغرافيا المالية الجديدة للعالم.
وذلك بوصفه قوة محركة للتغيير على صعيد ممارسات الأعمال وإرساء أبنية تنظيمية وقانونية على أحدث المواصفات العالمية، وعدد المشاركون الأدوار التي يضطلع بها المركز بوصفه قوة محركة للتغيير، من بينها، توفير سوق يتمتع ببنية تحتية تكفل لدول مجلس التعاون الخليجي البروز كمركز مالي واقتصادي على صعيد منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، وتوفير منصة شاملة للإدراجات العامة الأولية والخصخصة وتمويل المشروعات والتوريق، ويسهم أيضا في تقليل الحواجز أمام انتقال الخدمات المالية، فضلا عن قيامه بدور رائد في مجال الدمج بين الأسواق المالية على غرار حال الدمج بين سوق دبي المالي وناسداك دبي، إلى جانب اضطلاعه بدور في مجال خلق المزيد من التجانس والتناغم في اللوائح التنظيمية والقوانين على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي بشكل عام والإمارات خصوصا.
وقد استضاف «مركز دبي المالي العالمي» ندوة تعريفية حول الآفاق المستقبلية للأسواق المالية في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا وجنوب آسيا، هي السابعة له في إطار سلسلة الندوات التعريفية التي ينظمها لنشر المعرفة حول التوجهات في القطاع المالي وتسليط الضوء على الأنظمة والبنية التحتية والخدمات المساندة المتطورة التي يوفرها المركز، وتناولت الندوة أسواق الدين في المنطقة، خاصة وأن هذه الأسواق شهدت انتعاشاً قوياً إثر الأزمة، يدعمها في ذلك التزام الحكومات بمشاريع البنية التحتية، والسياسات المالية المعاكسة للدورة الاقتصادية، والتطور الحاصل على صعيد إدارة الدين العام خلال السنة الماضية. وشملت الموضوعات الرئيسية التي تناولتها الندوة دور أسواق الدين، ومن ضمنها الصكوك، في كل من تمويل البنية التحتية ومشاريع التنمية والميزانيات، وزيادة سهولة حركة رأس المال، وتعميق ودعم تكامل الأسواق المالية.
وقال عبد الله محمد العور، الرئيس التنفيذي لسلطة مركز دبي المالي العالمي في كلمته الافتتاحية للندوة إن الأسواق المالية الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا أثبتت قدرتها على مواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية. وبالفعل، فإن العديد من الأسواق المالية في بلدان المنطقة يتفوق اليوم على تلك الموجودة في البلدان المتطورة.
ومن جانبه، توقع الدكتور ناصر السعيدي رئيس الشؤون الاقتصادية بسلطة مركز دبي المالي العالمي أن تحقق دول مجلس التعاون الخليجي في عام 2010 نموا على أساس سنوي نسبته 2 .5%، فيما ينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 1 .3%، مشيرا إلى أن النمو العالمي قد تراجع بحلول نهاية عام 2008، ومع انتهاء عام 2009، استعاد الاقتصاد العالمي عافيته، وهو ما يمثل تحولا كبيرا بالمقارنة مع مستويات التباطؤ التي سجلها خلال الفترة المحصورة من الربع الأخير من عام 2008 حتى الربع الأول من عام 2009.
ولفت الدكتور ناصر السعيدي إلى أن مركز الثقل الاقتصادي في العالم يتجه في الوقت الراهن صوب آسيا، حيث تسهم الأسواق الصاعدة بحوالي ثلثي نمو الاقتصاد العالمي منذ عام 2002، كما أن إسهام الصين والهند مجتمعين في نمو الاقتصاد العالمي قد اقترب من تغطية 85% من إسهام الاقتصاد الأميركي.
وقدر الدكتور ناصر السعيدي بأن حوالي ثلثي المتاعب المالية التي تعرضت لها دول الشرق الأوسط إثر صدمة ليمان براذر جاءت نتيجة انتقال أعراض الأزمة المالية من الاقتصاديات المتقدمة إليها، وحدد الدروس المستخلصة من الأزمة بالنسبة للدول الخليجية بأنها تشتمل على التأكيد على أهمية تقوية القدرة التشريعية والتنظيمية للقطاع المالي، ووضع وتصميم شبكة للأمان المالي، وتقوية حوكمة الشركات والشفافية والإفصاح، والمشاركة في وضع وتصميم النظام المالي العالمي الجديد، وتطوير أسواق للدين بالعملات المحلية.
وأكد الدكتور ناصر السعيدي أن الحاجة تزداد في منطقة الخليج إلى إيجاد سوق متطورة ذات دخل ثابت بسبب ازدياد النزعة والحاجة إلى الاستثمار في المشاريع العامة والخاصة، وفي العادة، تكون البنوك التجارية هي المصدر الرئيسي للتمويل في المنطقة، مما يزيد من تعرض النظام المالي للمخاطر نظرا للاختلال بين الالتزامات القصيرة الأجل مثل الودائع والأصول الطويلة الأجل التي تنطوي على الكثير من المخاطر مثل الرهون والقروض.
ولفت الدكتور ناصر السعيدي إلى أن أسواق الدين تمثل القناة الرئيسية للسيولة بالنسبة للحكومات والشركات العامة والمؤسسات المالية في العديد من الاقتصاديات المتقدمة والصاعدة على حد سواء، ومن شأن تطوير سوق عملات محلية ذات دخل ثابت أن يعود بالعديد من الفوائد، مثل إمكانية النفاذ الدائم إلى رأسمال وتنويع أدوات السياسة النقدية وإيجاد أساس واضح لتسعير الأصول المالية وتصميم أدوات إدارة المخاطر.
وأشار الدكتور ناصر السعيدي إلى أن تمويل الإنفاق الحكومي يعد بمثابة الهدف الرئيسي الذي يتم من أجله إيجاد أسواق دين في أغلب الدول، ومع مرور الوقت، يصبح منحنى العائد مرجعا للمؤسسات الخاصة مثل البنوك والمرافق العامة والشركات التي تصبح بعدئذ قادرة على دخول السوق بدورها لتمويل استثماراتها.
وأكد الدكتور ناصر السعيدي أسواق السندات النشطة ذات السيولة والدخل الثابت في تعزيز استقرار وكفاءة الوساطة المالية والنمو الاقتصادي عموما بشكل كبير، وقد تجلت أهمية تطوير أسواق سندات محلية في الاقتصاديات الناشئة لتنويع المخاطر في النظام المالي، ويساهم عمق السوق وحجم السيولة فيها بالتقليل من تكاليف المعاملات، وتحسين عملية توزيع المخاطر من قبل جميع الوسطاء الماليين، كما تزود أسواق الدين البنوك المركزية بأدوات تتيح لها تنفيذ سياستها بشكل فعال عبر ضخ أو تقليص السيولة.
عمق الأسواق المالية
وتناول الدكتور ناصر السعيدي مسألة عمق أسواق المال في المنطقة بإشارته إلى أن الأصول المصرفية والأسهم تهيمن على أسواق المال في المنطقة، فيما تسهم إصدارات الدين بحوالي 6 .5% من الأسواق المالية في الشرق أوسطية.
وأعتبر الدكتور ناصر السعيدي الاستثمارات الضخمة في مشروعات البنية التحتية بمثابة إحدى القوى المحركة لتطوير أسواق الدين في الشرق الأوسط، مشيرا إلى أن هذه المشروعات تعتبر المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي في منطقة الخليج خلال الفترة 2003 ـ 2008، وأنه على الرغم من الأزمة المالية العالمية، واصلت الدول الخليجية إنفاقها على مشروعات البنية التحتية.
حيث تفيد التقديرات بأنه من المتوقع أن تبلغ قيمة مشروعات البنية التحتية قيد التنفيذ في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي حوالي 6 .2 تريليون دولار، وأكد على حتمية قيام دول مجلس التعاون الخليجي بتسريع تنفيذ مشروعات البنية التحتية التي تعزز تكاملها الإقليمي، سواء فيما يتعلق بمشروعات شبكة النقل الموحدة والشبكة الكهربائية الموحدة.. الخ.
ورأى الدكتور ناصر السعيدي أن اتساع المشاركة بين القطاعين الخاص والعام يعد بمثابة قوة محركة أخرى لتطوير سوق سندات إقليمي، ودلل على ذلك بأن استثمارات القطاع الخاص في مشروعات البنية التحتية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا قد زادت بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية.
خصخصة المشروعات الحكومية
وأعتبر الدكتور ناصر السعيدي خصخصة المشروعات الحكومية من القوى الرئيسية المشكلة لمستقبل أسواق المال في المنطقة، حيث قدر بأنه تم خصخصة مشروعات حكومية في نحو مئة دولة بقيمة تريليون دولار خلال العقدين الماضيين، فيما اتسمت الخصخصة في منطقة الشرق الأوسط بالتباطؤ نتيجة الافتقار إلى الإرادة السياسية ومحدودية قدرة القطاع الخاص على خلق الوظائف.
وبالتالي، احتفظت المشروعات الحكومية بوضعها المهيمن على الاقتصاديات المحلية في منطقة الشرق الأوسط، حيث تسهم بما يزيد على 40% من الناتج المحلي الإجمالي، وتسهم بحوالي 32% من إجمالي الوظائف، بالمقارنة مع 5 .13% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وقدر بأن صفقات خصخصة المشروعات الحكومية قد تضاعفت قيمتها لتبلغ 11 مليار دولار في عام 2006.
وأكد الدكتور ناصر السعيدي في معرض تناوله لمستقبل الأسواق المالية في الشرق الأوسط على أهمية تحويل الشركات العائلية إلى مؤسسات، مشيرا إلى أن الأعمال العائلية في منطقة الشرق الأوسط تشكل حوالي 90% من إجمالي الأعمال، كما أنها مصدر رئيسي للتوظيف، فضلا عن أن الشركات العائلية الرائدة تسهم بفاعلية في تطوير أسواق المال بغية مواجهة التحديات الناجمة عن تزايد العولمة والإفصاح الاقتصاديين، وتقليل المخاطر من خلال التنويع في المحافظ الاستثمارية العائلية.
تطوير الأسواق
وأعرب مارتن كنسكي المدير التنفيذي للأسواق في سلطة دبي للخدمات المالية عن اعتقاده بأن الجهات التنظيمية في مختلف أنحاء العالم يواجهون وقتا مثيرا لكي يقوموا بتطوير الأسواق، مشيرا إلى أن سلطة دبي للخدمات تتبع سياسة الباب المفتوح بغية تعزيز التواصل مع مجتمع الأعمال بالتعرف على آرائهم ووجهات نظرهم بشأن نوعية اللوائح التنظيمية الملائمة لهم، ومن جانبها، تفعل السلطة كل ما في وسعها للاستجابة لهذه الآراء من خلال تعديل قوانينها ولوائحها، وهو ما يتضح في قيامها مؤخرا بنشر عدد من أوراق المشورة.
وفي السياق ذاته، عدد طارق فضل الله المدير التنفيذي بنك نومورا الاستثماري أن التحديات التي تواجهه الاقتصاديات الخليجية، من بينها الاعتماد الزائد على النقط، والقطاعات الدورية كالعقارات، مشيرا إلى أن الأزمة المالية قد أضرت بنماذج الأعمال المتبعة، وهو ما يجعل هناك حاجة إلى العمل على جلب المزيد من الشفافية وحوكمة الشركات.
معايير الإفصاح والشفافية
نصح الدكتور ناصر السعيدي باعتماد معايير محاسبة أكثر شفافية تتوافق مع المعايير الدولية للإفصاح المالي، وشرح هذه النقطة بقوله : مع أن البنوك هي المشتري الأول للسندات، بسبب كون الديون ذات جاذبية عالية نظرا لتوافقها مع المتطلبات القانونية والاحترازية.
إلا أنه يتعين على السلطات تشجيع تطوير سوق ثانوية لقطاعات التأمين على الحياة وإدارة الأصول، ولأجل ضمن نجاح هذا المسعى، يجب تعديل البيئة القانونية بطريقة تتيح مزيدا من الشفافية، وتسمح بتدفق المعلومات بسلاسة وسرعة أكبر، وتحد من المخاطر التي قد تنجم عن أي طرف معني، ومع تطور الأسواق، ستزداد الإصدارات عبر جميع شرائح الائتمان.
وبالتالي، يجب اعتماد معايير محاسبة أكثر شفافية تتوافق مع المعايير الدولية للإفصاح المالي، كما يعد إيجاد نظام تسوية ومقاصة إلكتروني متكامل ويتمتع بالمرونة شرطا آخر من شروط تطوير سوق راسخة للسندات.
عودة الانتعاش في 2010
قدرت عليا مبيض اقتصادي أول للأبحاث في الأسواق الناشئة ببنك باركليز بأنه الاقتصاد العالمي سيعاود الانتعاش بقوة بحلول نهاية شهر يوليو من العام الجاري، مدفوعا بنمو الاقتصاديات الآسيوية، وهو ما يعود إلى اتباع الاقتصاديات المتقدمة سياسات كبح الركود، فضلا عن تبني سياسات نقدية تحفيزية والتي لم تبرز آثارها بالكامل بعد.
وبالتالي فمن المتوقع رؤية الاتجاه نحو التشدد النقدي خلال النصف الثاني من العام الجاري، بيد أن هذا التشدد لن يؤثر على ازدهار النشاط الاقتصادي.
ولفتت عليا مبيض إلى أن الاقتصاديات الناشئة ستقود تعافي الاقتصاد العالمي، مشيرة إلى أن الإصلاحات الهيكلية التي اتخذتها الاقتصاديات الصاعدة أدى إلى تراكم ضخم لأحجام السيولة المتوفرة لها، فالمسالة ليست قاصرة على الصناديق السيادية، بل على طريقة إدارة هذه الاقتصاديات لثرواتها، وهو الأمر الذي عزز موازناتها المالية، وبالتالي، كانت هذه الاقتصاديات في موقع مثالي خلال مواجهتها لتداعيات الأزمة المالية العالمية.
وأكدت عليا المبيض أن الأسواق لا ترغب في رؤية ارتفاع معدل النمو فحسب، بل ترغب كذلك في رؤية تراجع معدل التقلب والتذبذب، مشيرة إلى أنه في الوقت الذي تتجه فيه الأسواق الصاعدة نحو فك ارتباطها بالاقتصاد الأميركي، فانها تقوي ارتباطها بالاقتصاد الصيني، ومن الشأن التضافر بين نمو الأسواق الصاعدة والاقتصاد الصيني أن يقود انتعاش الاقتصاد العالمي، حيث سيسهم بحوالي 70% من نمو الاقتصاد العالمي.
دبي ـ مجدي عبيد


