اعتبر رئيس الشؤون الاقتصادية في سلطة مركز دبي المالي العالمي بورصة ناسداك دبي بأنها جاهزة لأن تكون قاعدة انطلاق لتأسيس وتطوير سوق دين إقليمي يتمتع بالفاعلية والكفاءة وذلك في ضوء التوقعات التي تقدر بأنه من المتوقع أن تبلغ قيمة إصدارات الصكوك 200 مليار دولار في 2010.

وعدد المزايا التي تؤهل البورصة للقيام بهذا الدور، من بينها، أن البورصة تعد سوقا مالية إليكترونية متكاملة تعمل وفق أفضل المعايير العالمية، فضلا عن أنها سعت منذ إطلاقها إلى اعتماد أرقى المعايير العالمية في تنظيم جهات الإصدار، وعمليات الإفصاح اللاحقة للإدراج بغية تعزيز مستوى الشفافية، كما يعمل في البورصة جهات إصدار من مختلف دول العالم.

حيث يسهم أعضاؤها في مد جسور التواصل بين المؤسسات الاستثمارية العالمية من جهة والسيولة الإقليمية من جهة أخرى، فضلا عن كونها البورصة الإقليمية الوحيدة التي تضم طائفة واسعة من المنتجات المالية المدرجة، بما في ذلك أسهم الملكية والمشتقات المالية والمنتجات المهيكلة، إلى جانب السندات والصكوك وصناديق السلع المتداول أسهمها.

بيد أن الدكتور ناصر السعيدي رئيس الشؤون الاقتصادية قال في تصريحات خاصة ل«البيان الاقتصادي» على هامش ندوة نظمها أمس مركز دبي المالي العالمي لمناقشة مذكرة اقتصادية بعنوان «أسواق السندات المحلية كحجر أساس في استراتيجية التنمية» إن العقبة الرئيسية تتمثل في عدم بلورة حكومات دول المنطقة سياسات واضحة فيما يتعلق بتأسيس سوق إقليمي للدين، وشرح هذه النقطة بقوله: إن تأسيس أي سوق دين يعتمد على خلق سوق للسندات الحكومية الذي يشكل حجر الزاوية في عملية تأسيس سوق للدين.

وبالتالي، إذا ما قامت حكومات دول المنطقة بالإعلان عن برنامج للإصدارات سواء أكانت سندات أو صكوك، فإنه بمقدور مركز دبي المالي تنظيم سوق للدين. وهو جاهز ومهيأ للعب مثل هذا الدور، ولكن ما يغيب في هذه المرحلة هو عدم وجود سياسات واضحة من قبل حكومات دول المنطقة لتأسيس سوق للدين، الأمر الذي يفرض ضرورة تضافر جهود وزارات المالية والمصارف المركزية والتجارية في دول مجلس التعاون الخليجي، مع جهود مركز دبي المالي العالمي وبورصة ناسداك دبي بغية تأسيس سوق دين إقليمي.

تكتيل الجهود

وأكد الدكتور ناصر السعيدي على أن وزارات المالية في دول مجلس التعاون الخليجي مناط بها لعب الدور الرئيسي في تكتيل وتجميع جهود الأطراف المعنية وتوجيهها نحو تأسيس سوق دين إقليمي، مشيرا إلى أن مركز دبي المالي العالمي قد استطاع عبر بورصة ناسداك دبي إرساء منصة مالية تنطوي على أفضل الممارسات والمزايا العالمية.

مشيرون إلى أن البنية التحتية للسوق لا تغطي منصة التداول أو نظام التسوية فحسب، بل تضم جوانب عديدة من أهمها النظام القانوني والبيئة التنظيمية، فضلا عن متطلبات نشر بيانات السوق والأسعار والوصول المتكافئ لخدمات المقاصة والوصاية.

ورأى الدكتور ناصر السعيدي أن إرساء بورصة ناسداك دبي لبنية تحتية قانونية وتنظيمية قوية تعتمد أفضل الممارسات العالمية، من شأنه مساعدة المؤسسات المالية على إدارة أعمالها ضمن سوق مالية تنافسية، وهو ما يترتب عليه نتائج إيجابية تتمثل في تشكل تجمعات من هذه المؤسسات المالية لتأسيس سوق مستدامة مع رصيد كاف من الكفاءات والخبراء الماليين.

البيئة القانونية

ولفت الدكتور ناصر السعيدي إلى أنه تم تنظيم البيئة القانونية في بورصة ناسداك دبي على نحو يسهم في تأسيس سوق متطورة تسودها معايير الشفافية والإفصاح لجهات الإصدار، مع ضمان تدفق المعلومات المالية أولا بأول، ودلل على ذلك بأن النسخة الثانية من تقرير «بيسيك» الذي أصدره معهد حوكمة الشركات «حوكمة» بالتعاون مع شركة «المستثمر الوطني».

قد كشف عن تحسن معدلات أداء الشركات المدرجة في ناسداك دبي بنسبة 31% قياسا بالشركات المدرجة في بقية الأسواق المالية الخليجية، كما حققت ناسداك دبي أعلى مستويات الإفصاح بين أقرانها من بورصات دول مجلس التعاون الخليجي.

وأشار الدكتور ناصر السعيدي إلى قيام مركز دبي المالي بإرساء نظام قوي للإعسار وحقوق الدائنين وفقا لأفضل الممارسات العالمية، وبرهن على ذلك بقيام معهد حوكمة مؤخرا بالتعاون مع البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والاتحاد الدولي لخبراء والاتحاد الدولي لخبراء عادة الهيكلة والإعسار والإفلاس بنشر دراسة حول أنظمة الإعسار في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وقد سلطت نتائج هذه الدراسة الضوء على الإطار التنظيمي للإعسار في مركز دبي المالي العالمي والذي صمم وفقا للقانون العام لتحقيق غايات محددة، باعتباره الأكثر نشاطا والأعلى تصنيفا في منطقة الشرق الأوسط بمعايير تفوق معدلات الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

ورغم عدم اختباره في حالات عالية المستوى، إلا أن حكومة دبي تبنت تطبيق هذا الإطار التنظيمي في أي دعوى إفلاس تقام ضد شركة دبي العالمية. وأكد الدكتور ناصر السعيدي على أن الأدلة التجريبية تشير إلى تفضيل الأسواق المالية للإطار التنظيمي القائم على أساس القانون العام، نظرا لإعتماده من قبل المؤسسات المالية بمثابة معيار قانوني دولي، لذا غالبا ما يشعر المشاركون في السوق ومديرو الامتثال براحة وتآلف أكبر مع الالتزامات التعاقدية التي تنبثق من تشريعات القانون العام.

سوق سندات خليجي

وقدر الدكتور ناصر السعيدي بأن تطوير سوق للسندات في دول مجلس التعاون الخليجي سينطوي على مضامين عميقة على صعيد الأسواق المالية العالمية.

وقد يشكل مع مرور الوقت عنصرا رئيسيا للنظام المالي العالمي الجديد، فمن ناحية، ستتمتع سوق السندات الخليجية بموقع مثالي، باعتبار أن أوراقها المالية ستكون مدعومة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر بالاحتياطات الهائلة للعائدات النفطية، وهو ما يلبي حاجة الأسواق العالمية إلى فئة أصول جديدة لديون الأسواق الناشئة تتمتع بمعدل منخفض للمخاطرة.

ومن ناحية أخرى، ستكون سندات الدخل الثابت الخليجية مدعومة بسلسلة من الأسس المستدامة بما في ذلك قدرتها على النمو الذاتي بمساعدة عوامل عديدة مثل عملية التنويع المستمرة وتحول مركز الاقتصاد العالمي نحو آسيا والمحيط الهادي، وتعزيز الروابط المالية بين دول الجنوب النامية.

وهنا يمكن لمشاركي السوق الأكثر تفاديا للمخاطر وغير المدعومين برافعة مالية مثل صناديق المعاشات التقاعدية إيجاد ملاذ آمن في السندات الخليجية للتحوط ضد المخاطر. ورأى الدكتور ناصر السعيدي أنه يمكن تعزيز مزايا سوق السندات الخليجية من خلال إطلاق عملة خليجية موحدة من شأنها أن تصبح واحدة من أهم خمس عملات عالمية، وأن تساعد مديري الأصول العالميين والمصارف المركزية على استقطاب تدفقات رأسمالية ضخمة.

وأكد الدكتور ناصر السعيدي أنه لن يكون من المتعين على دول منطقة مجلس التعاون الخليجي البدء من الصفر في تأسيسها لسوق خاص بسندات الدخل الثابت، مشيرا إلى أنه في واقع الأمر، تمر سوق الدين المؤسسية بفترة انتعاش في الوقت الذي تعاود فيه سوق الدين السيادية التقليدية والصكوك النهوض تدريجيا.

ورأى الدكتور ناصر السعيدي أن تطوير أسواق دين محلية تتطلب التزاما قويا من جانب الحكومات بغية تطبيق برنامج استثنائي فعال لإدارة الدين وضمان وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من جهات الإصدار.

وبالتالي، فإن وضع برنامج متخصص لإصدار السندات الحكومية يعد ضروريا لتأسيس سندات استدلالية، كما يتعين على الحكومات تشجيع الشركات العامة خصوصا المرافق على إصدار سندات متشابهة في هيكليتها لتكوين مجموعة من الجهات المصدرة التي تتمتع بسمعة ومكانة على الصعيد المحلي، الأمر الذي بمهد الطريق أمام الشركات الخاصة لإصدار سندات دين.

وفي الواقع، فإن دول مجلس التعاون الخليجي تستثمر بشكل مكثف في مشاريع البنية التحتية التي تقول بعض التقديرات إنها تتطلب تمويلا بقيمة 2 .2 تريليون دولار، ومن هنا، يعتبر الحصول على هذا التمويل مناسبا ومرغوبا فيه عن طريق السندات المدعومة بالتدفقات النقدية الآجلة الناتجة عن خدمات البنية التحتية. ونصح الدكتور ناصر السعيدي باعتماد معايير محاسبة أكثر شفافية تتوافق مع المعايير الدولية للإفضاح المالي.

وشرح هذه النقطة بقوله: مع أن البنوك هي المشتري الأول للسندات، بسبب كون الديون ذات جاذبية عالية نظرا لتوافقها مع المتطلبات القانونية والاحترازية، إلا أنه يتعين على السلطات تشجيع تطوير سوق ثانوية لقطاعات التأمين على الحياة وإدارة الأصول.

60 مليار دولار قيمة السندات والصكوك الخليجية

توقع الدكتور ناصر السعيدي أن تتجاوز قيمة إصدرات الصكوك 200 مليار دولار في 2010 على مستوى العالم ، وذلك على الرغم من تراجع إصدار الصكوك في عامي 2008 و2009 مقارنة بعام 2007، وأرجع أسباب زيادة قيمة إصدارات الصكوك خلال العام الحالي إلى تزايد الطلب عليها الذي يأتي بالدرجة الأولى من الصناديق السيادية والبنوك وشركات التأمين في البلدان الإسلامية وغير الإسلامية.

مشيرا إلى أن قيمة السندات والصكوك الصادرة في دول مجلس التعاون الخليجي قد وصل خلال الأشهر العشر الأولى من عام 2009 إلى 8 .60 مليار دولار، وهو ما يمثل ارتفاعا ضخما عن العام السابق الذي انخفضت فيه القيمة الإجمالية بنسبة 40%.

وورد في المذكرة الاقتصادية أن الإمارات احتلت المرتبة الأولى على مستوى منطقة الخليج في إصدارات السندات منذ عام 2006، ولكن عام 2009 شهد عددا كبيرا من الإصدارات من البحرين والكويت وقطر، وقد زاد العدد الإجمالي للسندات، بعد فترة الركود الموسمية خلال شهر رمضان، وفي الوقت الحاضر، تحتل الكويت والبحرين المركز الأول من حيث عدد الإصدارات، فيما تتصدر قطر القائمة من حيث حجم الإصدارات.

إجراءات تطوير سوق السندات

تضمنت المذكرة الاقتصادية المعنونة باسم «أسواق السندات المحلية كحجر أساسي في استراتيجية التنمية» جملة إجراءات وتدابير من شأنها أن تسهم في تطوير سوق سندات خليجية، يبرز من بينها:

1 ـ إطلاق برنامج لإصدار سندات حكومية منتظمة بالعملة المحلية، في إطار مبادرة تهدف إلى توفير أساس للتنمية المستقبلية من جهة، وإظهار مدى جدية دول مجلس التعاون الخليجي في تطوير أسواق رأسمال من جهة أخرى، ويستلزم ذلك، توفير التزامات حكومية مباشرة أكثر مما يتطلب إصدار سندات شبه سيادية أو مملوكة من قبل الدولة، على أن يشمل ذلك كامل الهيكل الزمني بغية تطوير منحنى عائد فياسي شبه خالي من المخاطر.

2 ـ تعزيز ثقافة الإئتمان على نحو يتيح تطوير سوق للسندات المؤسسية وفقا للأسس التي ترتكز عليها عملية سوق السندات الحكومية.

3 ـ أن تدرك الهيئات التنظيمية مدى الحاجة لرعاية هذه الأسواق من خلال إصدار الأحكام الكفيلة بإرساء بيئية تنظيمية فعالة ومناسبة لمتطلبات السوق.

دبي ـ مجدي عبيد