تلقي فقاعة العقارات بظلالها على اقتصاد الصين بالرغم من الآفاق المستقبلية الواعدة. فعلى مدار الشهر الماضي، وضعت الحكومة الصينية اجراءات للحد من الزيادة المحمومة في اسعار العقارات ووقف المضاربات، لكن هذه الاجراءات ستستغرق وقتا حتى تلوح آثارها في الأفق ، حسبما يراه اقتصاديون ومطلعون في الصناعة.

وحذرت مقالة نشرت مؤخرا في صحيفة نيويورك تايمز بشدة من ان اقتصاد الصين يتجه نحو الانهيار وذلك نقلا عن جيمس إس تشانوس ، احد مستثمري صندوق التحوط في وول ستريت. وقال تشانوس ان صعود القطاع العقاري في الصين ، مدعوما بتدفق رؤوس اموال المضاربات، تبدو بحجم أزمة دبي الف مرة أو يزيد .

تضخم القروض

وذكر وانغ شياو قوانغ ، الباحث في أكاديمية الحكم الصينية انه لا يمكن لأحد ان يصدق ان سوق العقارات الصيني خال من الفقاعات .وأوضح ان الارتفاع القياسي في قروض البنوك عام 2009 والذي ترافق مع حزمة التحفيز الحكومية أحدث فقاعة كبيرة نسبيا في الاقتصاد الصيني. وأفاد يي شيان رونغ الباحث في الاكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية بأن سوق العقارات الصيني مصاب بفقاعات كبيرة تحدث مخاطر جمة في القطاع المالي.

وكان وانغ تشاو شيونغ ، نائب رئيس لجنة تنظيم المصارف الصينية قال في مؤتمر عقد الأسبوع الماضي ان القروض الحالية الممنوحة لمطوري العقارات والقاطنين من اجل شراء منازل شكلت 20 بالمئة من اجمالي القروض لكنه لم يفصح عن الفترة الزمنية لهذه القروض.

نظرية الانهيار

لكن وانغ شياو قوانغ وخبراء آخرون أعربوا عن عدم ثقتهم بنظرية الانهيار التي تحدث عنها تشانوس. وبين وانغ ان الفقاعات موجودة بالفعل ، لكن الاقتصاد الصيني لا يتجه صوب الانهيار .

والمزاعم التي تقول ان قطاع القعارات الصيني اكثر تضخما فيها مبالغة كبيرة. ولفت يانغ هونغ شيو الباحث العقاري في معهد إي هاوس تشاينا آر آند دي الى ان سوق العقارات الصيني لا يمكن مقارنته بأسواق أخرى. وضرب يانغ مثالا على ذلك شانغهاي، احدى المدن الرئيسية بشرق الصين، موضحا ان صعود الاسعار في شانغهاي ينبع اساسا من النمو الاقتصادي السريع، والتوسع السكاني وزيادة دخل القاطنين.

سياسات التفريغ

الى جانب ما سبق اتخذت الصين خطوات عديدة في الشهر الماضي للقيام بهذا فقط ، بما في ذلك استئناف فرض ضريبة المبيعات على المنازل المباعة في غضون خمس سنوات من شرائها ابتداء من هذا العام وزيادة الدفعات المطلوبة لشراء العقارات الى 50 بالمئة على الاقل من السعر الكلي .وجاءت الخطوة الأخيرة بعد ان اصدر مجلس الدولة الصيني المبادئ التوجيهية نهاية الاسبوع .

والتي ترفع متطلبات الدفع الى 40 بالمئة على الاقل للاسر التي تتقدم بطلب شراء منزل ثان أو أكثر مدعومة بالقروض، مع ضرورة تسوية معدلات الرهن العقاري بدقة على اساس مخاطر القروض. وفي خطوة أخرى لتهدئة سوق العقارات ، اعلن البنك المركزي الصيني رفع معدل احتياطي الودائع بـ 5, 0 نقطة مئوية.

وجددت الحكومة أيضا تعهدها بتثبيت أسعار المساكن عن طريق تقديم مزيد من المساكن الميسرة وتضييق الخناق على المضاربات .وأكد وانغ ان هذه الخطوات تظهر عزم الحكومة على تقييد الزيادة في أسعار العقارات.

انتظار الآثار

ونجم الانخفاض الحاد في أسعار المساكن المستعملة عن سياسات سابقة. ففي بكين تم بيع 19 مسكنا مستعملا فقط بصورة يومية ابتداء من الاول حتى الثالث من الشهر الجاري، مباشرة بعد بسط نطاق ضريبة المبيعات الى المنازل المباعة في حدود خمس سنوات من شرائها.

وهو ما أدى الى خفض عدد المبيعات بنهاية العام الماضي، طبقا للبيانات الصادرة عن لجنة بلدية بكين للمساكن والتطوير الحضري والريفي. لكن الخبراء أشاروا الى ان سوق العقارات لا يزال بحاجة الى رد فعل لاسيما فيما يتعلق بالاسعار .

وإلى جانب ذلك، يعد وضع السياسات مسألة واحدة ، لكن هناك غيرها مثل ما إذا كانت ستطبق بشكل كامل أم لا حسبما يراه الخبراء. وتطرق بان شي يي رئيس مجلس ادارة سوهو تشاينا رائدة تطوير العقارات في البلاد الى هذا قائلا انه من بين 11 إجراء خاصا تضمنتها المبادئ التوجيهية لمجلس الدولة ، يعد الاخير اكثر اهمية لانه يؤكد مسؤولية الحكومات المحلية عن المضي بتنفيذ الاجراءات العشرة الأخرى .وخلص يي شيان رونغ الى القول بأن مسألة ما إذا كان الأثر المنشود يمكن أن يتحقق تعتمد على الى اي مدى وبأي شدة ستفرض هذه السياسات.

مخاطر حقيقية

وتعتبر الصين أن ضعف الطلب العالمى وارتفاع الدين العام وارتفاع معدلات البطالة فى الدول المتقدمة والتوقيت السييء لتنفيذ استراتيجيات الخروج من حزم التحفيز هى المخاطر الرئيسية التى تواجه مستقبل تعافى الاقتصاد العالمى. وقال تشنغ شياو سونغ المدير العام للادارة الدولية فى وزارة المالية الصينية لمنتدى بنك التنمية الاسيوى بانه على الرغم من توقع ان يحقق الاقتصاد العالمى هذا العام أداء أفضل من عام 2009 فان ثلاثة محاطر اساسية تهدد توقعات التعافى.

واضاف تشنغ ان اول خطر هو تباطؤ الطلب الخاص بعد انحسار حزم التحفيز الحكومية. وأشار إلى انه اذا ما ظل الطلب الخاص راكدا بسبب ارتفاع معدل البطالة وقلة الانتاجية فان الاقتصاد العالمى سوف يواصل ضعفه. والخطر الثانى حسبما ذكر تشانغ هو ان الدين العام فى الدول المتقدمة مستمر فى الزيادة ومعدلات البطالة بها تتزايد.

واضاف انه طبقا لتقديرات صندوق النقد الدولى فان معدلات الدين العام إلى اجمالى الناتج المحلى فى الدول المتقدمة سوف تقفز الى 100 فى المائة فى عام 2011. وكذلك فإن سوق العمل فى الدول المتقدمة تدعو الى القلق حيث ان معدلات البطالة بلغت 2, 10 فى المائة فى الولايات المتحدة فى اكتوبر الماضى و 8, 9 فى المائة فى منطقة اليورو.

وقال تشنغ ان ارتفاع معدلات البطالة سوف يزيد من أعباء الميزانية لأن الانفاق من المالية العامة على إعانات البطالة سوف يزيد ويتصاعد الضغط على الموازنة العامة.

واضاف تشنغ ان الحكومات فى ارجاء العالم تواجه ايضا تحدى تحديد وقت الخروج من حزم الحوافز الاستثنائية الحالية. واشار تشنغ الى ان الوقت اذا كان مبكرا او متأخرا عما يجب فإن ذلك من شأنه، مصحوبا بعدم التوازن فى التعافى العالمى والسيولة الفضفاضة، أن يؤدى إلى تدفق أموال المضاربة، وقد يتسبب فى فقاعة أصول فى بعض البلدان حيث يتحقق التعافى سريعا.

واكد تشنغ ان سياسات مكافحة الازمة فى الصين قد حققت نتائج . وان اجمالى الناتج المحلى زاد بنسبة7, 7 فى المائة فى الاشهر التسعة الاولى من عام 2009 ويتوقع ان يتجاوز نموه مستهدف الحكومة البالغ 8 فى المائة للعام كله. وقال ان الطلب المحلى يسهم اكثر فى النمو الاقتصادى حيث ان الصين تشهد عملية اعادة هيكلة شاقة لتخفيض اعتماد الدولة على الصادرات.

واشار تشنغ الى انه فى الوقت الذى تواصل فيه الصين سياسة مالية تنشيطية وسياسة نقدية مخففة نسبيا » فى عام 2010 سوف تكون السياسات اكثر مرونة واكثر تركيزا.

الوكالات