كشف عبد الله محمد العور الرئيس التنفيذي لسلطة مركز دبي المالي العالمي عن أن المركز يقوم حاليا بإجراء مراجعة لإستراتيجية عمله خلال السنوات الخمس الماضية التي تلت تأسيسه، تمهيدا لوضع إستراتيجية جديدة تغطي السنوات الخمس المقبلة، ورغم أنه لم يكشف عن مضمون ومحور النقاشات الدائرة حاليا في سياق عملية المراجعة وإعادة التقييم، متكفيا بالقول «نحن مازلنا في مرحلة فحص وتقييم الإنجازات المتحققة في السنوات الخمس الماضية.
بما في ذلك فحص وتقييم أداء مراكز المال العالمية، حتي تكون لدينا خطوط إسترتيجية ترشد عملنا خلال السنوات المقبلة»، إلا أنه يمكن الإستشفاف من ثنايا حواره مع «البيان الإقتصادي» أنه من المتوقع أن تتركز محاور تحرك المركز خلال السنوات المقبلة على تعزيز دوره «كبوابة إقليمية» لصناعة الخدمات المالية على صعيد المنطقة.
وذلك بأن يعمق مركزه العالمي عبر تعميق خصوصيته الإقليمية، والتحرك النشط للوصول بخدمات التمويل الإسلامي إلى مستوى «القطاع» بأن يجتذب المزيد من المؤسسات والشركات العاملة في هذا المجال، بحيث تشكل فيما بين بعضها البعض قطاعا متميزا ومتفردا، من حيث تكامل أنشطتها وخدماتها.
ويرى عبد الله محمد العور أن الجهود المنصرفة حاليا لوضع إستراتيجية جديدة لمركز دبي المالي العالمي تضع قيمه عليا ترنو إلى الوصول إليها، وهي أن يصبح المركز قوة محركة لزيادة مساهمة صناعة الخدمات المالية في الناتج المحلي الإجمالي للإمارة، بما يحقق الرؤية الإستراتيجية لحكومة دبي بأن يكون قطاع الخدمات المالية أحد العناوين البارزة والدالة على نجاح إستراتيجية التنويع الإقتصادي، وأن يكون كذلك مؤشرا حقيقيا على إرتقاء مكانة الإمارة سلم مراكز المال العالمية.
وأن يمثل أيضا دعامة أساسية في تعزيز مكانة دبي كمدينة عالمية وترسيخ موقع دولة الإمارات العربية المتحدة كمركز عالمي للمؤسسات المالية، فضلاً عن كونه منصة للنفاذ إلى الأسواق الإقليمية الأخرى.
وقد أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، صراحة الدور المهم الذي لعبه مركز دبي المالي العالمي في مساعدة دبي على اكتساب مكانة رائدة كمركز مالي على غرار نيويورك ولندن وهونج كونج.
كما سيستمر المركز ـ والكلام مازال على لسانه ـ في بذل الجهود لتطوير أنظمته وبنية أسواقه المالية من أجل توسيع وتنويع مجموعة الخدمات المالية التي يقدمها، وبالتالي تعزيز مساهمته في اقتصاد دبي ودولة الإمارات العربية المتحدة ككل. وسيتعاون المركز بشكل وثيق مع «سلطة دبي للخدمات المالية» سعياً إلى مواكبة تغييرات البيئة المالية العالمية الجديدة والمتطلبات المتغيرة لقطاع الخدمات المالية.
بوابة إقليمية
ويبرز في قلب الحوار الدائر حاليا بشأن إستراتيجية المركز للخمس سنوات المقبلة، مسألة تعميق دور المركز «كبوابة إقليمية» لصناعة المال على صعيد المنطقة بأسرها، ويرصد هنا عبد الله محمد العور معالم ظاهرة تدفق المؤسسات والشركات المالية على مركز دبي المالي العالمي، خصوصا في أعقاب تفجر الأزمة المالية العالمية بقوله:
كان الشيء الملفت بالنسبة لنا، أن هناك إقبالا كبيرا من المؤسسات الدولية الموجودة في منطقة الشرق الأوسط على القدوم إلى مركز دبي المالي العالمي، فضلا عن أن الكثير من الشركات الهندية قد أسست لها تواجدا في مركز دبي المالي العالمي خلال عام 2009، وتزامن مع ذلك، إطلاقنا حملات ترويجية أستهدفت دول المنطقة، من بينها، قيام وفد من المركز في مايو من العام المنصرم بزيارة الرياض بالمملكة السعودية، إلى جانب زيارة الهند في أكتوبر من العام ذاته.
وذلك بهدف اغتنام الفرص السانحة أمامنا، وهو ما نجحنا فيه بالفعل، وتجلي تعبيراته في افتتاح الكثير من الأعمال العائلية مكاتب لها في المركز، كذلك تقدم ما يتراوح بين 3 إلى 4 بنوك هندية بطلبات للحصول على ترخيص بمزاولة الأعمال انطلاقا من المركز، وذلك في غضون الأشهر الستة الماضية.
ويعدد عبد الله محمد العور أسباب نجاح مركز دبي المالي العالمي في استقطاب هذه الأعداد من المؤسسات بقوله: هناك أسبابا عدة، أهمها كونه يعد المركز المالي الرائد في المنطقة ويشكل بوابة لتدفق رؤوس الأموال بين أوروبا وآسيا؛ فضلاً عن أنه يحظى ببيئة تشغيلية شفافة وبنية تحتية تنظيمية وإطار قانوني تنسجم جميعها مع أرقى المعايير العالمية؛ كما أنه يمتلك رؤية واضحة وينفذ استراتيجية موجهة.
ويستدرك بقوله: يضاف إلى ذلك أن نشاط المركز يغطي واحدة من أسرع المناطق نمواً في العالم.
ففي حين يوجد في الغرب والشرق الأقصى العديد من المراكز المالية الراسخة التي تخدم تلك الأسواق، فإن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا لا تحظى حالياً بهذا النوع من المراكز المالية الناضجة، مما يعطي مركز دبي المالي العالمي فرصة فريدة لسد الفجوة القائمة بين الشرق والغرب.
توافر المقومات
ويرى عبد الله محمد العور أن مركز دبي المالي العالمي يمتلك حالياً جميع المقومات التي تجعل منه مركزاً مالياً مزدهراً، وسيعمل مستقبلاً على التكامل مع الأسواق الأخرى في المنطقة من خلال لعب دور البوابة الإقليمية للعديد من شرائح القطاع، بما في ذلك إدارة الأصول. وهذا الأمر ممكن من خلال توجيه منتجات خاصة، مثل الصناديق، إلى المنطقة عبر مركز دبي المالي العالمي، الذي يدرك الفرص الهائلة التي تحملها عملية التكامل مع الأسواق الناشئة ودورها الكبير في تجسيد هذا السيناريو.
ويتحدث عبد الله محمد العور عن العلاقة بين مراكز المال في منطقة الخليج في معرض أجابته على سؤال بشأن رؤيته لمسألة تعزيز التعاون مع مراكز المال الإقليمية كتلك الموجودة في قطر والبحرين، يجيب قائلا: لدينا قناعة راسخة بأن وجود عدد متزايد من المركز المالية الناجحة يساهم بشكل إيجابي في الاعمال الأخرى في المنطقة، وسنبذل كل ما في وسعنا لتجسيد ذلك على أرض الواقع.
ويتابع حديثه بقوله: يمكن لمركز دبي المالي العالمي مساعدة دول مجلس التعاون الخليجي في تطوير أسواق الدين والصكوك لتمويل البنية التحتية، والأشغال العامة، والاستثمارات المشتركة بين القطاعين العام والخاص، وتنويع مصادر تمويل الشركات، بالإضافة إلى تمثيل المنطقة في المؤسسات المالية الدولية ومحافل صنع القرار العالمية، وتطوير وتنظيم القطاع المالي الإسلامي.
ويرى عبد الله محمد العور أن سلطة دبي للخدمات المالية تضع في صدارة أولوياتها التعاون الإقليمي وتبادل المعلومات الخاصة بقضايا تنظيم الأسواق مع نظرائها في منطقة الشر الأوسط، ويتحقق هذا الأمر عادة عن طريق مذكرات التفاهم.وقد وسعت سلطة دبي للخدمات المالية شبكة تعاونها الثنائي في المجال التنظيمي.
وذلك من خلال التوقيع على 48 مذكرة تفاهم ثنائية مع جهات تنظيمية ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لمركز دبي المالي العالمي، وتغطي هذه المذكرات العديد من الدول، بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وسنغافورة وهونج كونج وماليزيا والهند.
والجدير بالذكر في هذا السياق، أنه في فبراير 2009، وقعت سلطة دبي للخدمات المالية مذكرة تفاهم مع مصرف الإمارات المركزي، وتلا ذلك التوقيع على اتفاقية مماثلة مع هيئة الأوراق المالية والسلع، هي المذكرة الإقليمية العاشرة لسلطة دبي للخدمات المالية، وجرى التأكيد فيها على الأولوية المعطاة للتعاون الثنائي مع هيئات الأوراق المالية والسلع المماثلة في منطقة مجلس التعاون الخليجي.
ويخلص عبد الله محمد العور إلى بلورة أحد محاور إستراتيجية المركز خلال السنوات الخمس المقبلة والخاصة بتعميق دوره الإقليمي بقوله:ستتمحور الاستراتيجية المستقبلية للمركز حول مواصلة تطوير أسواق المال وتوسيع وتعميق نطاق الخدمات المالية في أنحاء المنطقة، وتعزيز سهولة النفاذ إلى السوق، وإيجاد الروابط مع المناطق الأخرى، ونشر الوعي، وتعميم المعايير العالمية.
وبدون شك، ستستمر جهود المركز الرامية إلى تعريف مختلف الأسواق حول العالم ببيئة الأعمال التي يوفرها، وبالتالي، سيعمل المركز على إعطاء المزيد من التركيز على الأسواق الإقليمية، فربما اهتمامنا بالأسواق الإقليمية خلال السنوات الخمس الماضية لم يكن بنفس مستوى اهتمامنا بالأسواق العالمية.
قطاع للخدمات المالية الإسلامية
ويرتبط محور تعميق الخصوصية الإقليمية لمركز دبي المالي العالمي، بمحور آخر، وهو أعطاء المركز المزيد من التركيز على قطاع الخدمات المالية الإسلامية، بإعتبار أن المنطقة تمثل على حد قوله «الساحة الطبيعية المؤهلة لأن تقود صناعة المال الإسلامية».
ويتناول عبد الله محمد العور معالم هذا المحور الذي من المتوقع ان يشكل أولوية كبيرة على أجندة عمل المركز في السنوات الخمس المقبلة بقوله: نتوقع في هذا المجال أن تكون هناك فرصا متاحة للتمويل الإسلامي في عالم ما بعد الأزمة أكبر مما كان متاحا قبل الأزمة، ويعود السبب في ذلك أن معظم الشركات أصبحت تفضل التمويل الأقل خطورة.
وبالفعل، إثر تفجر الأزمة في عام 2008، لاحظنا صعودا في طلبات الحصول على ترخيص من جانب الشركات العاملة في مجال التمويل الإسلامي، فضلا عن المؤسسات المالية الأجنبية التي بدأ الكثير منها قي فتح منافذ للتمويل الإسلامي.
وبسؤالة عما إذا كانت نية مركز دبي المالي العالمي تتجه إلى تجميع الخدمات المالية الإسلامية على هيئة قطاع متميز ومتفرد للتمويل الإسلامي، أجاب بقوله: يعتمد هذا الأمر على ما يمكن تسميته «بتأثير القطاع» كٌَُِّّّمْ مننمكُّ، فعلي سبيل المثال، نحن نطلق اسم «قطاع» على مجموعة الشركات العاملة في مجال الاستثمارات المصرفية وإدارة الأصول التي يزيد عددها على 120 شركة، ونحن نريد فعل الشيء ذاته بالنسبة للتمويل الإسلامي.
حيث أنه من الصعب علينا في الوقت الحالي القول بأن لدينا قطاعا للتمويل الإسلامي، وتتمحور مسؤوليتنا كسلطة تنظيمية في توفير البيئة المواتية القادرة على جذب أعداد متزايدة من الشركات العاملة في مجال التمويل الإسلامي، وأعتقد أنه بمجرد أن ننجح في خلق تجمع لمزودي خدمات التمويل الإسلامي،سيكون لدينا قطاعا للتمويل الإسلامي.
ويرجع عبد الله محمد العور أسباب عدم بلوغ خدمات التمويل الإسلامي بمركز دبي المالي العالمي إلى مستوى القطاع إلى كون حجم التمويل الإسلامي ما زال محدودا بالمقارنة مع التمويل التقليدي، إذ لا يتجاوز حجمه نسبة 1% من إجمالي التمويل في العالم، بيد أنه يري أن المنطقة تعتبر الساحة الطبيعية والمؤهلة لتطوير التمويل الإسلامي، بالنظر إلى أن أعداد المسلمين في هذه المنطقة تفوق بكثير عددهم في المناطق الأخرى من العالم، وبالتالي، يتملك مركز دبي المالي العالمي إمكانيات ضخمة لاجتذاب المؤسسات المالية الإسلامية.
ويستدرك قائلا: ربما يستغرق الأمر بعض الوقت لكي يكون متواجد في المركز قطاعا للتمويل الإسلامي، بحكم أن تكوين هذا القطاع يعتمد في المحك النهائي على عدد المؤسسات المرخص لها في مركز دبي المالي العالمي لتقديم خدمات التمويل الإسلامي، ونحن نتوقع في هذا المجال اجتذاب المزيد من شركات إدارة الأصول الإسلامية والمحافظ المالية المتوافقة مع مقتضيات الشريعة الإسلامية، ونحن نعمل في هذا المجال لكي يكون متوافرا لدينا عدد من الشركات والمؤسسات المالية الإسلامية، يكفي لتكون فيما بينها قطاعا للتمويل الإسلامي.
ويؤكد عبد الله محمد العور على هذا المنحى الإستراتيجي بقوله: يتطلع مركز دبي المالي العالمي إلى قطاع الخدمات المالية الإسلامية بصفته أحد مجالات التطوير الرئيسية ويضع توحيد قوانين القطاع في صدارة أولوياته. ورغم الإنجازات التي تحققت، لا يزال المركز يسعى إلى تطوير دوره كمنصة رائدة لقطاع الخدمات المالية عموماً.
تعظيم الاستفادة من فرص الأزمة المالية
يستند عبدالله محمد العور إلى لغة الأرقام لتوضيح تزايد جاذبية مركز دبي المالي العالمي، باعتبارها واحدة من الفرص التي أتاحتها الأزمة المالية العالمية، ويتحدث في هذا المجال قائلا: لقد كن عام 2009 حافلاً بالتحديات بالنسبة للنظام المالي العالمي بأكمله.
وبما أن مركز دبي المالي العالمي يشكل جزءاً لا يتجزأ من هذا النظام، فقد تأثر هو الآخر بالركود الاقتصادي العالمي والتصحيحات التي شهدتها سوق العقارات، وإن يكن بدرجة أقل من المراكز المالية الأخرى في العالم.
ويواصل حديثه بقوله: بالرغم من ذلك كله، لقد كان عام 2009 بالنسبة لنا هو عام الفرص، إذ أن الكثير من الشركات العاملة في الأسواق الأوروبية والأميركية بدأت تنظر إلى نقل عملياتها وأنشطتها إلى الأسواق الصاعدة، من بينها تلك الموجودة في الشرق الأوسط وشرق آسيا.
وذلك لأسباب مختلفة، منها ما يتعلق بالسياسات الضرائبية، وتراجع النشاط الاقتصادي الناجم عن الأزمة المالية العالمية، وبالطبع، استفاد مركز دبي المالي العالمي من هذا التحول في سياسات الشركات، وذلك أسوة بأسواق كسنغافورة وهونج كونج.. الخ، ونحن بدورنا نتطلع إلى اغتنام الفرص المتاحة أمامنا، وأن نكون في موقع تنافسي قوي يمكننا من اجتذاب هذه الشركات.
لقد لمسنا بأنفسنا - والكلام مازال له - مثل هذا الإقبال الضخم من جانب الشركات علي القدوم إلى مركز دبي المالي العالمي، حيث يعتبر عام 2008 الذي يعد عام تفجر الأزمة المالية العالمية، هو العام الأفضل، من زاوية أعداد الشركات التي طلبت الحصول علي ترخيص بمزاولة العمل داخل المركز، فقد استقطبنا أعدادا من الشركات تفوق الأعداد التي استقطبناها في أي عام آخر.
ومثل كذلك عام 2009 بالنسبة لنا عاما جيدا، حيث نجحنا في استقطاب أعداد من الشركات فاقت توقعاتنا، حيث شهد مركز دبي المالي العالمي نمواً كبيراً كتجمع للقطاع منذ تأسيسه في عام 2004، إذ ارتفع عدد الشركات المسجلة في المركز بمعدل نمو سنوي مجمع يتجاوز 122%، ليصل إلى 888 شركة (بتاريخ 30 نوفمبر 2009).
وفي الوقت الحاضر، يبلغ عدد الشركات النشطة التي تزاول أعمالها في المركز 774 شركة، وهو ما يمثل نمواً سنوياً بأكثر من 115%. وتقوم سلطة دبي للخدمات المالية حالياً بتنظيم 327 مؤسسة (منها 251 شركة مرخصة، و57 مزود خدمات مساندة، و17 شركة تدقيق حسابات، ومؤسستا سوق مرخصتان)
ومن اللافت أيضاً أن النصف الأول وحده من عام 2009 شهد انضمام 83 شركة جديدة إلى مركز دبي المالي العالمي. ولم يقتصر نمو المركز على الحجم فقط، بل تنوعت أيضاً الأنشطة المالية التي تتم مزاولتها انطلاقا منه، حيث بادرت المؤسسات في الاقتصادات المتطورة والأسواق الجديدة الناشئة على حد سواء إلى توسيع وتعميق خبراتها ومواردها في المركز.
تغييرات مرحلة ما بعد الاعتراف الدولي بمكانة المركز العالمية
ما بين نجاح مركز دبي المالي في الحصول علي إقرار واعتراف دوليين بارتقاء مكانته سلم مراكز المال العالمية من جانب، والتطلع إلى توطيد وترسيخ مكانته كلاعب رئيسي في صناعة المال العالمية من جانب آخر، يبرز في تقدير عبدالله محمد العور الرئيس التنفيذي لسلطة مركز دبي المالي العالمي شوطا من المتعين قطعه لبلوغ مثل هذا الهدف الإستراتيجي.
وذلك بعدما سلطت الأزمة المالية العالمية الضوء علي مواطن ومقومات قوته بوصفه حلقة وصل بين الأسواق الناشئة والمتطورة، فضلا عن تمتعه بالقدرة على الاستفادة من التحولات الأخيرة نحو مناطق وقطاعات وعروض قيمة جديدة، حيث يمكنه تنظيم التدفقات النقدية من الأسواق المتقدمة إلى الناشئة وبالعكس، فضلاً عن التركيز على التدفقات بين الأسواق الناشئة التي شهدت في الآونة الأخيرة نمواً كبيراً في الاستثمارات بين مناطقها.
وعليه، يكشف عبدالله محمد العور عن جملة من الأهداف التي سوف يعمل المركز على تحقيقها لبلوغ هدفه الإستراتيجي الخاص بتأكيد مكانته كمركز مالي عالمي أسوة بمراكز المال العالمية العتيدة، من بينها، تمحور الاستراتيجية المستقبلية للمركز حول مواصلة تطوير أسواق المال وتوسيع وتعميق نطاق الخدمات المالية في أنحاء المنطقة، وتعزيز سهولة النفاذ إلى السوق، وإيجاد الروابط مع المناطق الأخرى، ونشر الوعي، وتعميم المعايير العالمية. وبدون شك، ستستمر جهود المركز الرامية إلى تعريف مختلف الأسواق حول العالم ببيئة الأعمال التي يوفرها.
ويواصل عبدالله محمد العور شرحه للأهداف المستقبلية بقوله: يتمثل أحد أبرز أهدافنا الاستراتيجية خلال السنوات القادمة في تشجيع العمل على تطوير منتجات ومفاهيم جديدة لتمكين قطاع الخدمات المالية في «مركز دبي المالي العالمي» من الارتقاء على درجات سلم القيمة المضافة.
ونسعى أيضاً للوصول إلى أسواق إقليمية ودولية جديدة لإيجاد فرص مختلفة للشركات العاملة انطلاقاً من المركز. ونعمل في الوقت ذاته على تعزيز جهودنا لتعميم أفضل القواعد التنظيمية وممارسات حوكمة الشركات عبر المنطقة.
ويؤكد عبدالله محمد العور على هدف إستراتيجي آخر، ويتمثل في مواصلة بذل الجهود لتطوير أنظمته وبنية أسواقه المالية من أجل توسيع وتنويع مجموعة الخدمات المالية التي يقدمها، وبالتالي تعزيز مساهمته في اقتصاد دبي ودولة الإمارات ككل. وسيتعاون المركز بشكل وثيق مع «سلطة دبي للخدمات المالية» سعياً إلى مواكبة تغييرات البيئة المالية العالمية الجديدة والمتطلبات المتغيرة لقطاع الخدمات المالية.
ويكشف عبدالله العور عن أن المركز سيسعى مستقبلاً إلى إبرام شراكات مع مناطق الاختصاص القانوني الأخرى الرائدة، مثل لوكسمبورج التي تمتلك طموحات مماثلة في العديد من المجالات.
وتشمل جوانب التعاون المحتملة القواعد التنظيمية، وتبادل الأبحاث والابتكارات والمعرفة، والموارد البشرية، والاعتراف المتبادل بالتشريعات والمنتجات، والنفاذ إلى الأسواق، وتطوير البنية التحتية المالية، وإرساء الروابط في مجالات الاتصال والمعاملات والتجارة والاستثمار.
الاعتراف الدولي
وفي رأي عبدالله محمد الأعور، يتمثل الدليل القوي على إنجاز المركز الطرف الأول من هذه المعادلة، وهو حصوله على اعتراف دولي بكونه لاعبا رئيسيا في صناعة المال العالمية، في تصنيف المركز وفقاً لأحدث تقرير صادر عن «سيتي أوف لندن» (سبتمبر 2009) على أنه المركز المالي العالمي الرائد رقم 21؛ والأول المرشح لاكتساب أهمية أكبر في السنتين إلى الثلاث سنوات القادمة؛ والمركز المالي الناشئ الأول، يليه شنغهاي وبكين ومومباي.
والمركز المالي الأول في منطقة الخليج، متقدماً على قطر والبحرين والرياض؛ كما تم اختياره بصفته المركز المالي المرشح لأن يكون الوجهة الأولى للشركات التي تعتزم افتتاح مكاتب جديدة، وذلك للعام الخامس على التوالي. يضاف إلى ذلك، أن تصنيف دبي تحسن مرتبتين على الرغم من الأزمة المالية العالمية.
أما بالنسبة للطرف الثاني من المعادلة والخاص بتوطيد مكانة مركز دبي المالي العالمي كمركز مالي عالمي أسوة بمراكز المال العتيدة في الدول المتقدمة كلندن وسنغافورة وهونج كونج، فقد أظهرت الأزمة المالية العالمية أن تحقيق مثل هذا الهدف الإستراتيجي أمر قابل للتحقيق والإنجاز.
فمن جانب، أتاحت الأزمة المالية العالمية فرصا لاستقطاب المزيد من الشركات والمؤسسات بشكل فاق التوقعات الأصلية، ويتحدث هنا عبدالله محمد العور بفخر واعتزاز بأن المركز نجح في عام 2008 وهو عام تفجر الأزمة المالية فاق عدد الشركات التي نجح في استقطابها في أي عام آخر، كما أنه نجح في استقطاب أعداد من المؤسسات والشركات في عام 2009 فاق التوقعات التي كانت موضوعة من الأصل.
وعزا عبدالله محمد العور أسباب التأثير المحدود للأزمة على مركز دبي المالي العالمي إلى بنيته التحتية الراسخة وعلاقاته الإقليمية القوية، فهو يحظى باعتراف دولي كمركز مالي ويمتلك بنية تحتية تتيح الكثير من الفرص لأصحاب الأعمال، على غرار بورصة ناسداك، كما يعد المركز المالي الرائد في المنطقة ويشكل بوابة لتدفق رؤوس الأموال بين أوروبا وآسيا؛ فضلاً عن أنه يحظى ببيئة تشغيلية شفافة وبنية تحتية تنظيمية وإطار قانوني تنسجم جميعها مع أرقى المعايير العالمية.
خيارات قانونية
يرى عبد الله العور الرئيس التنفيذي لسلطة مركز دبي المالي العالمي أن البيئة التشريعية والتنظيمية في مركز دبي المالي العالمي تقدم حلولا للشركات المعتادة على العمل بناء على القانون العام، وهو قانون شائع الاستخدام في أوساط معظم الشركات الأجنبية كالبريطانية والأمريكية، وغير معمول بهذا النظام القانوني في دولة الإمارات، باستثناء مركز دبي المالي العالمي.
ويتابع حديثه بقوله: يستند المركز أساساً إلى ثلاث قيم جوهرية هي النزاهة والشفافية والكفاءة، وهذا ما أكدته حكومة دبي من خلال المرسوم الذي صدر مؤخراً بتبني قانون الإعسار المعمول به في مركز دبي المالي العالمي كي يطبق في حالات النزاع على تسوية التزامات «دبي العالمية» ووحداتها التابعة.
حيث يستند هذا القانون إلى أفضل الممارسات والأعراف والمعايير العالمية في الولايات المتحدة وبريطانيا. كما تم تأسيس لجنة قضائية لهذا الغرض، برئاسة السير أنتوني إيفانز، رئيس الهيئة القضائية في محاكم مركز دبي المالي العالمي.
خلص عبد الله محمد العور إلى القول: صار المركز في موقع يؤهله لتقديم المزيد من الخيارات والحلول القانونية، بأن أتاح خيار التقاضي بحسب القانون العام، وهو النظام القضائي الساري في معظم دول العالم المتقدم.
تدابير وإجراءات
يشرح عبدالله محمد العور التدابير والإجراءات التي اتبعها المركز في تعظيم الفرص المتاحة بقوله: وإدراكاً منا لحقيقة أن البيئة المالية المتغيرة والحافلة بالتحديات تزخر أيضاً بمجموعة من الفرص الناجمة عنها، حافظ مركز دبي المالي العالمي على تفاؤله الحذر، ومضى قدماً في تنفيذ استراتيجيات متأنية وإطلاق مجموعة متنوعة من البرامج لتعزيز موقعه العالمي.
ويواصل سرده للتدابير المتخذة في التعاطي مع الأزمة المالية العالية قائلا: بادر المركز إلى تنظيم جولات عالمية للتعريف ببنيته التنظيمية والقانونية الراسخة والتسهيلات التي يوفرها للمستثمرين وطالبي التمويل على حد سواء، بحكم كونه بوابة تتدفق الأموال عبرها نحو أرجاء المنطقة التي يغطيها نشاطه.
وبالفعل، فقد حظيت الجولات التي نظمهما المركز بإقبال واسع جداً، وخاصة في الهند ولندن، الأمر الذي عكس بوضوح ثقة السوق بالفرص والإمكانيات المتاحة في المنطقة.
وفي السياق ذاته، كثف مركز دبي المالي العالمي - والكلام مازال له - من الدراسات وورش العمل الهادفة إلى توحيد الجهود وإيجاد السبل الكفيلة بتحويل التحديات إلى فرص، بما في ذلك إدارة السيولة والمخاطر لاجتياز الأزمة، وإجراءات الإعسار وحقوق الدائنين، وحوكمة الشركات في مختلف القطاعات، والطرق البديلة لتمويل مشاريع البنية التحتية.
استراتيجية تخدم مصالح الشركات
يمتلك مركز دبي المالي رؤية واضحة وينفذ استراتيجية موجهة، إلى جانب أنه يوفر العديد من المزايا لأعضائه بما فيها إتاحة الملكية للأجانب بنسبة 100%؛، ونسبة ضرائب قدرها صفر على الدخل والأرباح؛ ولا يفرض المركز أي قيود على الصرف الأجنبي. كما يستفيد الأعضاء من البنية التحتية المتطورة للمركز والتي تسهم في دعم عمليات التشغيل وتسهل استمرارية الأعمال وفق أرقى المعايير العالمية.
المركز يستند إلى مقومات قوة في توطيد مكانته العالمية
سلطت الأزمة المالية الضوء على مقومات القوة الكامنة التي يمتلكها المركز والتي تعزز مسعاه نحو تحقيق هدفه الخاص بتوطيد مكانته كمركز مالي عالمي، ويعدد هنا عبدالله محمد العور عناصر مقومات قاعدة القوة التي يستند إليها المركز في انطلاقه إلى فضاء العالمية علي النحو التالي:
أولا: في الوقت الحاضر، يمتلك مركز دبي المالي العالمي القدرة على الاستفادة من التحولات الأخيرة نحو مناطق وقطاعات وعروض قيمة جديدة، حيث يمكنه تنظيم التدفقات النقدية من الأسواق المتقدمة إلى الناشئة وبالعكس، فضلاً عن التركيز على التدفقات بين الأسواق الناشئة التي شهدت في الآونة الأخيرة نمواً كبيراً في الاستثمارات بين مناطقها.
ثانيا: نظراً إلى أن جزءاً كبيراً من الثروة النفطية سيتم استثماره لحفز التنمية وتطوير البنى التحتية في المنطقة، سيعمل مركز دبي المالي العالمي على المساهمة في توجيه هذه الأموال عبر الأسواق المالية، والمساعدة في توزيع رأس المال والمخاطر ضمن الاقتصاد، وتعزيز كفاءة عملية استثمار المدخرات.
ثالثا: أن نشاط المركز يغطي واحدة من أسرع المناطق نمواً في العالم. ففي حين يوجد في الغرب والشرق الأقصى العديد من المراكز المالية الراسخة التي تخدم تلك الأسواق، فإن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا لا تحظى حالياً بهذا النوع من المراكز المالية الناضجة، مما يعطي مركز دبي المالي العالمي فرصة فريدة لسد الفجوة القائمة بين الشرق والغرب.
رابعا: يلتزم مركز دبي المالي العالمي بتوفير بيئة أعمال مواتية لعملائه، حيث تمتلك «سلطة دبي للخدمات المالية» القدرة على التحرك بشكل أسرع ومواكبة احتياجات القطاع.
وتشير أحدث دراسة أصدرها المركز بالتعاون مع «كيه بيه إم جي» إلى أن دبي تكتسب قدرة تنافسية أكبر ومكانة أقوى كمركز مالي عالمي، حيث تصنف الدراسة مركز دبي المالي العالمي في المرتبة السابعة، وهو ما يعكس جودة البنية التحتية والتنظيمية التي نجح المركز في إرسائها.
خامسا: تأسيس بيئة داعمة لنمو الشركات المالية، حيث عمل المركز منذ البداية على إرساء إطار تنظيمي متين ونظام قضائي راسخ، بالإضافة إلى تأسيس بورصة وبنية تحتية تعتمدان أرقى المعايير العالمية.
فضلا عن تطوير مجموعة من المؤسسات التي تُعنى بالحوافز الرئيسية الكفيلة بتعزيز نمو القطاع المالي، مثل حوكمة الشركات، وترشيد الأدوار في مجلس الإدارة، وتوفير التعليم التنفيذي، وتطوير التقنيات المالية، وأساليب الحياة العصرية.
وساهمت هذه المقومات مجتمعة في إيجاد بيئة داعمة لنمو شركات الخدمات المالية، ويخضع الإطار القانوني والتنظيمي لمركز دبي المالي العالمي للتحديث والتطوير المستمرين.
حيث تسعى سلطة دبي للخدمات المالية باستمرار إلى تطبيق أفضل الممارسات العالمية، وتبذل كل جهد ممكن لمواكبة الاحتياجات المتجددة في بيئة العمل على المستويين القانوني والتجاري.
سادسا: يشكل مركز دبي المالي العالمي صلة وصل بين الأسواق الناشئة والمتطورة، حيث يزاول 20 مصرفاً من بين أقوى 25 مصرفاً في العالم (من حيث قيمة الأصول المدارة) نشاطهم في المركز.
دبي ـ مجدي عبيد
