بدأت أوروبا عامها الجديد، وهي تكافح كي تنفض عن نفسها آثار الركود الذي أعقب الأزمة المالية العالمية خلال 2009.

وبينما أضفت البيانات التي نشرت يوم الجمعة مزيداً من المخاوف بشأن ارتفاع معدلات البطالة خلال الشهور المقبلة، فإن بيانات أخرى أشارت إلى الصادرات باعتبارها القاطرة الرئيسية لتعافي المنطقة من أسوأ حالة تراجع اقتصادي عانت منها منذ أمد.

وقال كارستن برزسكي المحلل الاقتصادي في بنك «آي إن جي»: ينبغي أن تواصل الصادرات قيادة عملية التعافي هذا العام.

وبالرغم من أن البيانات تشير إلى زيادة الصادرات والانتاج الصناعي في ألمانيا أكبر اقتصاديات القارة الأوروبية، فإن مكتب الاحصاء الاوروبي «يوروستات» يقول إن أعداد العاطلين في منطقة اليورو التي تضم ست عشرة دولة ارتفع بنسبة عشرة بالمئة في نوفمبر الماضي وهو ما لم تشهده المنطقة منذ 11 عاما.

وينتاب المحللين الاقتصاديين قلق من أن تنتشر صفوف الباحثين عن الوظائف في كل أنحاء أوروبا في 2010 برغم أن أحد المؤشرات الرئيسية التي تقيس المزاج الاقتصادي السائد صدرت نتائجه الخميس الماضي معلنة أن الشعور العام خلال ديسمبر كان الأفضل منذ 19 شهرا.

ويقول خبراء الاقتصاد إن ارتفاع نسب البطالة بشكل متزايد قد يلعب دورا في خفض معدلات إنفاق المستهلك الأوروبي والحد من سلاسة تعافي المنطقة من الركود. وتأتي تحركات الحكومات الأوروبية لسحب خطط التحفيز المالي الطارئة وتوقعات أصحاب الشركات بتعاف متواضع من الركود خلال العام المقبل لتؤكد هذه التوقعات.

الانتاج الصناعي

وقالت جنيفر ماكيون المحللة الاقتصادية الأوروبية البارزة والباحثة الاقتصادية في مجموعة «كابيتال إيكونوميكس» للأبحاث الاقتصادية: إن الزيادة المتجددة التي شهدها نوفمبر في الانتاج الصناعي الألماني تبشر بأن الانتعاش عاد إلى مساره الصحيح. وأضافت: لكن مع استمرار ارتفاع معدلات البطالة.. فقد يتطلب الأمر بعض الوقت قبل أن ينضم المستهلكون للركب.

ومن المرجح أن يعزز هذا الاتجاه توقعات المحللين بأن البنك المركزي الأوروبي سيبقى على أسعار الفائدة متدنية عند حاجز الواحد بالمئة التاريخي حتى النصف الثاني من 2010 .

كما أوضحت البيانات الصادرة يوم الخميس أن مبيعات التجزئة في منطقة اليورو انخفضت بنسبة 2, 1 في نوفمبر مقارنة بأكتوبر ما يؤكد طبيعة التعافي الاقتصادي غير المستقرة، حيث قضى ذلك التراجع على نسبة النمو الهزيلة التي حققها في أكتوبر والتي لم تتجاوز 2, 0 بالمئة.

وأوضحت الارقام الصادرة الأسبوع الماضي أن متوسط مبيعات التجزئة شهدت تراجعا بشكل غير متوقع بما يعادل 1, 1 بالمئة في ألمانيا خلال نوفمبر الماضي.

ويتوقع مكتب الإحصاءات - الذي يتخذ من فيسبادن مقرا له - أن تكون مبيعات التجزئة الالمانية تقلصت خلال 2009 بواقع 2 بالمئة. علاوة على ذلك قد تتجدد الشكوك بشأن مساهمة الانفاق المحلي في معدل النمو خلال العام الجاري بعد الضعف غير المتوقع لمبيعات التجزئة الأوروبية.

في الوقت نفسه حققت الصادرات الأوروبية أرباحا جيدة وسجلت ألمانيا حجم صادرات فاقت المتوقع.

صادرات ألمانيا

وقال مكتب الاحصاء الوطني إن صادرات ألمانيا الشهرية ارتفعت بنسبة 6, 1 بالمئة. كان المحللون تنبأوا بزيادة متواضعة لا تتجاوز 8, 0 بالمئة بعد الزيادة التي شهدها أكتوبر بواقع 9, 1 بالمئة و 6, 3 بالمئة في سبتمبر.

وذكر اليوروستات أيضا أنه بينما تمكنت ألمانيا من الخروج من هوة الركود خلال الربع الثاني فإن منطقة اليورو ظلت تعاني حتى الربع الثالث عندما حققت معدل نمو 4, 0 بالمئة.

علاوة على ذلك كانت الصادرات هي قوة الدفع التي حركت أوروبا للخروج من هوة التباطؤ الاقتصادي لكن الاستهلاك الخاص واستثمار المؤسسات عملا على كبح جماح النمو الاقتصادي.

وقال اليوروستات إن صادرات منطقة اليورو ارتفعت بواقع 1, 3 بالمئة خلال الربع الثالث مع انتعاش النشاط التجاري عالميا.

لكن البيانات عادت ثانية لتؤكد على طبيعة التعافي الاقتصادي الهشة في منطقة اليورو حيث انخفض حجم طلبات الشراء من المصانع والانتاج الصناعي في منطقة اليورو خلال الأسابيع القليلة الأخيرة.

و ارتفعت البطالة في دول منطقة اليورو الستة عشر خلال شهر نوفمبر الماضي لأعلى معدلاتها منذ 11 عاما وفقا للبيانات الصادرة يوم الجمعة في ظل مخاوف من زيادة أعداد الذين يفقدون وظائفهم خلال الشهور المقبلة.

وذكرت وكالة الإحصاء الأوروبية «يوروستات» في لوكسمبورغ أن نسبة البطالة خلال نوفمبر الماضي ارتفعت بعد حساب المتغيرات الموسمية إلى 10% مقابل نسبة 9, 9% خلال أكتوبر الماضي. وشهد نوفمبر الماضي تسريح 102 ألف عامل من وظائفهم في دول اليورو.

مؤشرات سلبية

وقال مارتن فان فليت المحلل الاقتصادي في مصرف «آي.إن.جي» إن بيانات البطالة في منطقة اليورو تعطي إحساسا سيئا. في الوقت نفسه ارتفعت معدلات البطالة في دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين خلال نوفمبر الماضي إلى 5, 9% بزيادة طفيفة نسبتها 1, 0% مقارنة بشهر أكتوبر الماضي. وأشارت الوكالة إلى أن عدد العاطلين عن العمل في دول الاتحاد الأوروبي بلغ 9, 22 مليون عاطل.

الجدير بالذكر أن معدلات البطالة في دول الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو ترتفع بشكل مستمر منذ ربيع عام 2008. ويبلغ عدد العاطلين عن العمل في دول اليورو حاليا 712, 15 مليون عاطل وهو أعلى مستوى له منذ أغسطس 1998 وهو ما جعل المحللين يرون أن البنك المركزي الأوروبي لن يقدم على زيادة سعر الفائدة عن مستواه المنخفض الحالي وهو 1%. كان معدل البطالة في منطقة اليورو في نوفمبر من العام قبل الماضي 8% .

ولكن منذ ذلك الوقت دخلت المنطقة دائرة الركود على خلفية الأزمة الاقتصادية العالمية ولم تخرج منها إلا في الربع الثالث من العام الماضي، حيث حققت نموا اقتصاديا بمعدل 4, 0% من إجمالي الناتج المحلي وفقا لبيانات وكالة الإحصاء الأوروبية.

وقاد التصدير مسيرة تعافي الاقتصاد الأوروبي في ظل ضعف الإنفاق الاستهلاكي المحلي وإنفاق الشركات. وزادت صادرات منطقة اليورو بنسبة 1, 3% خلال الربع الثالث من العام الحالي بفضل تعافي التجارة العالمية.

أزمة سوق العمل

ولا يتوقع الخبراء تحسنا سريعا لسوق العمل رغم تحسن أداء الاقتصاد خلال العام الحالي. ويخشى الخبراء من اشتداد أزمة سوق العمل خلال العام الحالي مع سحب الحكومات برامج التحفيز الاقتصادي التي طبقتها العام الماضي وتلفت مليارات اليورو.

في الوقت نفسه فإن ارتفاع معدل البطالة يهدد باستمرار ضعف الإنفاق الاستهلاكي المحلي في أوروبا الأمر الذي قد يبطئ وتيرة تعافي الاقتصاد الأوروبي.

وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي أعلنت وزارة العمل الأميركية استمرار معدل البطالة في الولايات المتحدة خلال ديسمبر الماضي عند مستوى 10% دون تغيير مقارنة بالشهر السابق. وأشارت الوزارة إلى أن سوق العمل الأميركية فقدت خلال الشهر الماضي 85 ألف وظيفة إضافية.

وعدلت الوزارة بيانات سوق العمل لشهر نوفمبر الماضي، حيث أشارت إلى أن السوق أضافت خلال ذلك الشهر 4000 وظيفة جديدة وهي أول زيادة شهرية في أعداد العاملين في الولايات المتحدة منذ بدء موجة الركود الاقتصادي في ديسمبر 2007.

الوظائف الأميركية

وكان الاقتصاد الأميركي - الذي هو أكبر اقتصادات العالم - قد خسر أكثر من 4 ملايين وظيفة خلال العام الماضي الذي بدأ بأشد ركود يتعرض له الاقتصاد منذ الحرب العالمية الثانية.

وقال هيدي شايرهولتز من معهد السياسة الاقتصادية الأميركي للأسف الأمل في نمو إيجابي للوظائف لم يتحقق بعد ومازالنا نرى خسائر طفيفة للوظائف.

واستمر تضرر قطاعي التشييد والتصنيع من تداعيات الأزمة الاقتصادية، حيث خسر القطاعان مزيدا من الوظائف في حين كسب قطاع صناعة السيارات وظائف جديدة. كما أضاف الاقتصاد الأميركي 47 فرصة عمل مؤقتة خلال ديسمبر الماضي مما عزز الأمل في تعافي أوسع للاقتصاد.

وعدلت وزارة العمل بيانات السوق لشهر أكتوبر الماضي، حيث أشارت إلى أن السوق خسرت 127 ألف وظيفة وليس 111 ألف وظيفة كما سبق إعلانه.

وكان معدل البطالة في الولايات المتحدة 5% عند بداية الركود الاقتصادي منذ عامين. ورغم أن الخبراء يتوقعون انتعاش الاقتصاد خلال الصيف المقبل فإنهم يستبعدون انخفاض معدل البطالة إلى أقل من 9% خلال العام المقبل.

واستبعد خبراء أميركيون قدرة سوق العمل الأميركية على استعادة كل الوظائف التي فقدتها خلال فترة الركود الأخيرة التي تعرض لها الاقتصاد الأميركي قبل دخوله في دورة ركود جديدة تفقد فيها السوق الوظائف مرة أخرى.

ونقل موقع «سي.إن.إن» الإخباري الأميركي عن الخبراء القول إن موجة فقدان الوظائف في السوق الأميركية انتهت أو كادت تنتهي بالفعل لكن الاقتصاد الأميركي لن يتمكن من تعويض كل الوظائف التي فقدها خلال السنوات القليلة الماضية.

وأشارت إلى أن معدل البطالة الذي بلغ في نوفمبر الماضي 10% سوف يظل عند هذا المستوى المرتفع لفترة طويلة نسبيا وأن الخبراء لا يتوقعون استعادة الوظائف التي فقدت خلال فترة الركود منذ بداية 2008 وقدرها 2, 7 ملايين وظيفة قبل عودة موجة الركود التالية.

ويسبتعد الخبراء تعافيا سريعا لسوق العمل الأميركية كما حدث خلال 21 شهرا التي أعقبت فترة الركود السابقة عام 2001 عندما فقدت السوق 1, 1 مليون وظيفة. في الوقت نفسه يتوقع الخبراء أن تبدأ الشركات الأميركية تعيين عمال جدد أوائل العام الحالي.

(د ب أ)