ترسم اقتصاديات منطقة الخليج في العام الجديد أفقا تبشر بتحقيق نمو قوي ومتماسك يظهر نجاح التدابير التي اتخذتها لعلاج المصاعب المالية الناجمة عن الأزمة المالية لعالمية، ويبرز اقتصاد الإمارات في قلب هذه الصورة لجنيه مكاسب بلوغ دورة ركود الاقتصاد العالمي مستوى القاع.

ويعزز النظرة التفاؤلية حيال العام الجديد، حقيقة تمتع الأوضاع المالية للحكومات بحالة صحية جيدة ناتجة بالدرجة الأولى عن تعافي أسعار النفط خلال أغلب أشهر عام 2009، وهو ما قوى التوقعات بأن تنعم حكومات الدول المنتجة للنفط بعام آخر تحقق فيه موازنتها فوائض مالية.

ويتضافر مع أسعار النفط المرتفعة، تحقيق القطاعات غير النفطية أداء جيدا، يبشر بتحقيق دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نموا في الناتج المحلي الإجمالي في عام 2010 بنسب تتراوح بين 6 و8%، وتعتبر دول مجلس التعاون الخليجي أكثر هذه الدول امتلاكا لمقومات وإمكانيات النمو.

يضاف إلى ما سبق، حقيقة أن المنطقة بصدد الاستفادة من انخفاض معدلات التضخم، خاصة من ناحية انخفاض تكاليف الإنشاءات وأسعار الإيجارات والتي مثلت في هذا الوقت من العام الماضي مشكلة رئيسية، فضلا عن أن مصارف دول الشرق الأوسط تتمتع نسبيا بوضع صحي جيد.

ويعود الفضل في ذلك إلى قوة اللوائح والأطر التنظيمية في الأسواق الرئيسية كالمملكة السعودية والبحرين، وتوافر مستويات عالية من السيولة في قطاع المصارف الإسلامية، ومن شأن تضافر مثل هذه المقومات مع بعضها البعض، أن يقوي النشاط الاقتصادي بالمنطقة في العام الجديد، خاصة في قطاع المشروعات.

وتبشر التحليلات كذلك بأن تطوير قطاعات البنى التحتية سيكون موضع اهتمام ملحوظ من جانب الدول الثرية بالنفط، وذلك مع قيامها بتوظيف احتياطياتها النقدية في تمويل مشروعات تتعلق بمجالات الطاقة الكهربائية والمياه والنقل والإسكان والتعليم والرعاية الصحية.

وفي قلب هذه الصورة المفعمة بالتفاؤل، تطل توقعات تظللها بعض الخطوط القاتمة، ففي قطاع النفط والغاز، تثار توقعات بحدوث تباطؤ في عمليات تطوير هذا القطاع خلال عام 2010 نتيجة لإعادة مراجعة عقود بعض المشروعات في ظل انخفاض تكلفة الإنشاءات، وما قد يرافق ذلك من إعادة مراجعة الكثير من المناقضات، بهدف ضمان عدم دفع نفقات أكثر من اللازم.

ومن المقدر كذلك، أن تواصل دول المنطقة على مدار العام المقبل الشعور بتأثيرات التراجع الاقتصادي العالمي، حيث ستواجه الكثير من قطاعات الأعمال صعوبة في التكيف والتأقلم مع المناخ الاقتصادي الجديد، خاصة في صناعة الإنشاءات.

وفيما جرى إرجاء الكثير من المشروعات في عام 2009، إلا أن المشروعات التي جرى إطلاقها بالفعل تتيح أعمالا تكفي لانشغال الكثير من الشركات العاملة في قطاع الإنشاءات، ولكن مع استكمال هذه المشروعات، وعدم وجود مشروعات جديدة، ستجد شركات المقاولات في وضع يملي عليها ضرورة تسريح المزيد من العاملين.

وتصنف التحليلات في استشرافها لأوضع الشركات في العام الجديد بين الشركات التي تعتمد على سوق واحد، وتلك التي تعتمد على محفظة متنوعة من الأسواق، وتخلص إلى أن المجموعة الأولى ستكون الأكثر تأثرا بتداعيات الأزمة المالية العالمية، فيما ستكون المجموعة الثانية في وضع أفضل للاستفادة من عودة الثقة إلي السوق في 2010.

التباطؤ الاقتصادي

ومع تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وتراجع أسعار النفط، توقفت فجأة وتيرة النمو الاقتصادي السريع خلال النصف الثاني من عام 2009، وانزلقت الكثير من اقتصاديات المنطقة إلى دائرة الركود للمرة الأولى على مدار سنوات عديدة.

ولكن لم يصب الركود الاقتصادي جميع دول المنطقة بقدر متساو، ولكن اختلف التأثير من دولة لأخرى، ففيما ضرب الركود الاقتصادي بشدة بعض الاقتصاديات، إلا أن بعضها حافظ على معدلات النمو العالية، وصار السؤال المطروح حاليا على مائدة النقاش يدور حول كيفية التعافي السريع في عام 2010 لاقتصاديات الدول التي تأثرت بشدة من جراء الأزمة المالية العالمية، ومدى استدامة هذا التعافي.

ويعود السبب الرئيسي للتراجع الحاد في الناتج المحلي الإجمالي بالنسبة إلى العديد من دول المنطقة، إلى التخفيضات التي أجرتها منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) في مستويات الإنتاج، حيث تتمتع ثماني دول في المنطقة بعضوية منظمة أوبك، بما في ذلك الدول صاحبة الاقتصاديات الرئيسية في المنطقة كالمملكة السعودية والإمارات.

حصص الإنتاج

وتحدث جياس جوكنت كبير الاقتصاديين في بنك أبو ظبي الوطني عن تأثير خفض حصص الاندماج على نمو الناتج المحلي للدول المنتجة للنفط بقوله: كان من المتعين على الدول المصدرة للنفط (أوبك) إجراء تخفيضات كبيرة في أسقف الإنتاج.

وهو ما تم ترجمته على هيئة تقلص حاد في الناتج المحلي للدول الأعضاء أوبك، وفيما لم تضرب بشدة الدول الغير أعضاء في أوبك، بالنظر إلى أنها لم تكن مضطرة لخفض مستويات إنتاجها، إلا أنها تأثرت بتراجع أسعار النفط.

وتنبأ جوكنت بأن تشرع دول منظمة أوبك في زيادة مستويات الإنتاج، مع انتعاش الاقتصاد العالمي وصعود الأسعار، وهو ما سيعطي قوة زخم للتعافي الاقتصادي للدول الأعضاء في منظمة أوبك.

عودة الانتعاش

ويتوقع هنا محللون بأن يبلغ متوسط سعر النفط في عام 2010 نحو 75 دولارا للبرميل، مقارنة بمتوسط سعر بلغ 62 دولارا للبرميل في عام 2006، وهو ما يعني أن وضع الدول الأعضاء في منظمة أوبك سيكون أفضل في عام 2010، بالمقارنة مع دول المنطقة الغير أعضاء في منظمة أوبك التي لن يكون في وسعها زيادة طاقتها الإنتاجية.

وبفرضية بقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، يتوقع صندوق النقد الدولي أن تعاود كافة اقتصاديات المنطقة مسار النمو مجددا في عام 2010، حيث ستكون الإمارات والسعودية وقطر أسرع اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي تعافيا، وذلك في ظل استفادة قطر من توليفة ارتفاع أسعار النفط وزيادة الإنتاج، واستفادة السعودية من زيادة إنتاجها من الغاز الطبيعي، وانتعاش اقتصاد الإمارات من بلوغ الدورة الاقتصادية مستوى القاع.

وعلق جين ليون المسئول في إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بصندوق النقد الدولي على هذه التوقعات بقوله: يظهر اقتصاد أبو ظبي في عام 2010 في مظهر قوي وتماسك، فيما علق جياس جوكنت كبير الاقتصاديين في بنك أبو ظبي الوطني بقوله: نحن ما سوف نشهده هو استفادة دولة الإمارات في عام 2010 من الفوائد المتحققة من بلوغ الدورة الاقتصادية مستوى القاع.

تيسر الائتمان

ويعد تيسر الائتمان مسألة محل اهتمام بالنسبة لكل من الإمارات والمملكة السعودية، ويمكن أن تحمل تأثيرات على آفاق نمو الدولتين، ومن أجل مواجهة تحديات التباطؤ الاقتصادي، أعلنت معظم دول مجلس التعاون الخليجي ميزانيات توسعية في عام 2009، وذلك بغرض تحفيز اقتصادياتها على النمو، حيث قامت كل من الإمارات والمملكة السعودية بتقديم حزم للتحفيز الاقتصادي، ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه في عام 2010.

ويقدر هنا صندوق النقد الدولي بأن الموازنات المالية المجمعة لدول مجلس التعاون الخليجي قد هبطت نسبتها إلى الناتج المحلي الإجمالي من 4, 27% في عام 2008 إلي 3, 5% في عام 2009، وهو ما يدل على أن الميزانيات التوسعية قد ساهمت في تآكل الاحتياطيات، بيد أنه من المتوقع أن تسهم أسعار النفط المرتفعة في رفع نسبة الميزانيات المالية إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 4, 10% بحلول نهاية العام.

ويظهر هذا الوضع يظهر بجلاء اعتماد دول المنطقة المكثف على عوائد النفط، فرغم ضخ الكثير من الدول استثمارات ضخمة لتنويع اقتصادياتها بعيدا عن النفط، وذلك على مدار سنوات عديدة، بيد أن صندوق النقد الدولي يقدر بأن حصة قطاع النفط في الناتج المحلي لدول مجلس التعاون الخليجي قد تراجعت فقط بنسبة 5, 5% في عام 2009، وستصعد في عام 2010 لتصل إلى 5, 5%.

كما سيستمر توسع القطاعات الغير نفطية في عام 2010، ولكن بوتيرة أبطأ، مع ارتفاع معدل نمو هذه القطاعات من 2, 3% في عام 2009 إلي 4, 4% في 2010، وبالتالي، سيستمر استحواذ القطاعات بحصة صغيرة من إجمالي النشاط الاقتصادي.

إعداد ـ مجدي عبيد