لماذا يلعب السكري دوراً مدمراً في أعصاب الإنسان، وكيف يصل إلى الألياف العصبية باختلاف أنواعها، ومتى يكون الضرر في مرحلة اللاعودة إلى ما كانت الأعصاب في السابق، وهل من سبيل إلى إنهاء هذه المعاناة، وما هي طرق الوقاية، أو باختصار ما الحل؟

تمر هذه الأسئلة كلمح البصر في ذهن من يصاب بالسكري لكثرة شيوعها، ويبدأ المريض في تخيل نفسه مصاباً لمضاعفات السكري ومنها باعتلال الأعصاب الطرفية عند بداية التشخيص ويمكن أن يصيب المرضى سواء السكري من النوع الأول أو الثاني.

ويمكن لمرضى السكري أن يصلوا إلى مراحل خطيرة تهدد الأطراف بسبب فقدان الوظائف الحيوية للأعصاب كالإحساس وخاصة في الأرجل، وإن يمكن أن يشمل الأطراف العلوية أو أي عضو آخر، وتتفاقم المشكلة إذا ما كانت مستويات السكر خارج نطاق السيطرة، وتزيد سوءاً إذا ما زادت المدة التي تكون فيها مستويات السكري غير معقولة.

وكلما تزيد هذه المدة أصبحت عودة هذه الأعصاب إلى العمل غير ممكنة. ولا يستثني السكري حقيقة أي نوع من الأعصاب، ويندرج تحتها كل عصب يخرج من الحبل الشوكي إلى كل مناطق الجسم وتسمى بالأعصاب الطرفية.

تصنف الأعصاب الطرفية إلى ثلاثة أنواع حسب وظيفتها

1. الأعصاب الحركية التي تنقل السيال العصبي من النخاع الشوكي إلى العضلات.

2.الأعصاب الحسية تنقل السيال العصبي من الجلد والحواس الخمس إلى الدماغ.

3. الأعصاب اللاإرادية التي لها دور في تنظيم العمليات الحيوية.

وهناك تصنيفات عديدة لاعتلال الأعصاب الطرفية أشهرها حسب نوع الأعراض الظاهرة، حسب نوعية العصب المصاب وغيرها.

تقسيمات حسب نوع الأعراض الظاهر وتعتبر هذه الأكثر في جعل المريض يتردد على الطبيب. فهي تختلف حسب العضو المصاب، وإذا ما كان في جانبي الجسم أو احد جانبيه فقط. وبشكل عام تظهر كما التنميل أو الخدر في اليدين أو الرجلين، وتؤرق المريض في نومه.

وهناك تقسيمات أخرى أكثر وضوحاً بالنسبة للمريض تربط الشكل الذي يظهر به تضرر العصب بنوع التأثير المرضي تقسيمات حسب نوع الأعراض الظاهرة، تقسيمات حسب مكان العصب المصاب، وتقسيمات حسب نوع الأعصاب المصابة. ويمكن تقسيم نوع الأعصاب أكثرها إلى فهم طبيعتها الطبية.

اعتلال أعصاب حسي ومتناظر وهو ما يتميز بتنميل اليدين والرجلين والإحساس الدائم بالوخز يزيد خلال الليل ويقض مضجع المريض. ويزداد بمرور الوقت فلا يستطيع المريض أن يشعر بالحرارة أو البرودة أو أية جروح مما يجعلها تتعمق بدون أن يلحظها المريض في البداية، وهذا النوع يؤدي إلى خطر البتر وخاصة إذا ما تلوث الجرح وأصابه الالتهاب، الذي يمكن أن يؤدي إلى تسمم الدم.

اعتلال أعصاب سكري حركي لا متناظر مما يظهر في العضلات الإرادية مثل العضلات الفخذ، فيجد المريض صعوبة في القيام من وضعية الجلوس، وهناك ما يواجه هذه المشكلة في عضلات الذراع فلا يقوى على حمل ما كان معتاداً على حمله من أوزان.

اعتلال الأعصاب الانباتية وأكثر ما يظهر في بعض العضلات اللاإرادية مما يظهر على المريض من أعراض مثل وهن في المثانة وعدم القدرة على السيطرة على التبول مما له نتائج اجتماعية سلبية قد تؤدي إلى عزل المريض شيئاً فشيئاً، ووهن في الأمعاء مما يؤدي إلى امساك مع نوبات اسهال، هبوط ضغط انتصابي مما يؤدي إلى الضعف الجنسي، وحدوث ظاهرة رينو والتي تتميز يتغير لون الأصابع لتضيق الشرايين وتقليل ترويتها بالدم، وتكثر عند التعرض للبرودة.

اعتلال عصب وحيد كما يظهر في بعض المرضى أعصاب القحف أو الرأس، مثل العصب الثالث (عصب عضلات خاصة بحركة العيون)، والعصب الرابع والعصب السادس.

تشخيص اعتلال الأعصاب الطرفية

يهدف تشخيص هذا المرض إلى تحديد سبب حدوثه للتعامل معه، فأنواع اعتلال الأعصاب متعددة ومتشعبة في أسبابها، وقد يؤدي الاكتشاف الصحيح إلى معالجتها، فهناك أكثر من مئة نوع كل له سبب وشكل يظهر به.

يعتمد التشخيص على أكثر من عنصر. فيعتمد على التاريخ المرضي لمريض السكري، ومدته، ومدى درجة التحكم في مستويات السكر، ونوعية الأدوية، وفحص وظائف الكبد والكلى ومستوى التغذية وإذا ما كان يعاني من أمراض أخرى بجانب السكري لها تأثير على الأعصاب.

وقد يتطلب التشخيص بعض الفحوص التصويرية الدقيقة مثل الرنين المغناطيسي والتحاليل الكهروفسيولوجية، وتحليل مستوى الفيتامينات وخاصة فيتامين بي لتأثيره على الأعصاب.

علاج اعتلال الأعصاب الطرفية

للتعامل مع اعتلال الأعصاب الناتج عن السكري يجب أن يعمل الطبيب والمريض وأسرة المريض جنباً إلى جنب، للمحافظة على دور وظائف الأعصاب، فتعتمد الكثير من الوظائف الحيوية على الأعصاب الانباتية مثل الأمعاء التي تصاب بما يشبه الشلل، ومثل عدم الإحساس بالتبول، عدا عن وجود الالتهابات المتكررة في القناة البولية، والفطريات بين أصابع القدم. فلا يستطيع المريض الذي وصل إلى هذه المرحلة أن يهتم بنفسه من دون تشجيع مستمر.

وأهم علاج هو التحكم في السكري، وفحص القدمين دوماً، وتجنب المشي حافياً، والعمل مع الطبيب بانتظام والحرص على تنظيم الفحوص الدورية للسكري.

ومن أهم علاجات اعتلال الأعصاب الطرفية، مسكنات الآلام التي تلعب العامل الرئيسي، وبعض أدوية الصرع والمضادة للاكتئاب وتعلب دوراً هاماً في تخفيف الآلام الشديدة. العلاج الطبيعي والتي يستخدم فيها الكهرباء بتيارات معينة لتخفيف الألم وتقوية العضلات مع التمرينات الرياضية.

اعتلال أعصاب السكري وعلاقته بمضاعفات خطيرة أخرى مصاحبة

اعتلال الأعصاب له مضاعفات خطيرة وعادة يترافق مع مضاعفات أخرى.

الذبحة القلبية الصامتة تحدث عند نسبة كبيرة من مرضى السكري الذين يعانون من اعتلال أعصاب السكري، والتي لا يحس المريض بها بأي ألم على غير المعتاد.

وعلل سببها العلماء إلى تأثر الأعصاب على الرغم من عدم معرفة التامة لآلية هذا الحدث، وقد تؤدي إلى الموت المفاجئ بدون أي إنذار بوجود شيء غير طبيعي.

القدم السكرية هي من أهم مضاعفات السكري، والتي تعني أن النهايات العصبية في القدمين قد تضررت بصورة لا تعود بها إلى طبيعتها إلى ما كانت عليه، ويفقد المريض الإحساس المهم الذي ينبه لأدنى ضرر ألا وهو الألم.

وهنا عليه هو أن يقوم بوظيفة الألم، عليه تفقد قدميه عدة مرات في اليوم، لاتخاذ الإجراءات الوقائية من البداية، وهناك أحذية خاصة للقدم السكرية التي تعاني من الجروح المزمنة، وهي مهمة في عملية الالتئام.

سرعة التئام الجروح طريقة يدافع بها الجسم عن بيئته الداخلية، وتتأثر هذه الخاصية سلباً في هذا المرض، وتمثل هذه المشكلة أحد الأسباب التي تؤدي إلى الموت، فتكون بيئة الجرح الذي لا يلتئم كما يجب ملوثة، وتكون مصدراً للميكروبات، ويمكنها أن تنتشر من منطقة الجرح إلى المناطق الأعمق في الأنسجة وصولاً إلى العظم.

الالتهابات المتكررة علامة من علامات تأثير السكري على جهاز المناعة، فتزيد التهابات الجلد، والقناة البولية، والتهابات ما بعد العمليات، وتزيد شدتها بمرور الوقت وتساهم هذه الالتهابات المتكررة في تكوين مناعة لدى البكتريا فلا تعد العلاجات السابقة التي أجدت معها نفعاً أن تكون بنفس الكفاءة السابقة.

ولذلك تكثر الالتهابات الفطرية في قدمي المريض، وغالباً ما تنتقل العدوى من قدم إلى الأخرى،و بين أصابع اليدين فيما بعد إذا لم يتعالج المريض، ويمكن للالتهابات الفطرية ان تتوغل في الأنسجة المصابة بحيث يتحتم إدخال المريض للمستشفى للحصول على العلاج الأكثر عنفاً من المضادات الحيوية الوريدية.

العامل النفسي ومرض اعتلال أعصاب السكري

اعتلال الأعصاب في مرض السكري، يصاحبه الكثير من النواحي النفسية الأخرى التي تلعب دوراً هاماُ في تحسن أو تدهور هذا النوع من المضاعفات الخطيرة. فكلما زادت الضغوط النفسية على المريض ارتفعت معها هرمونات التوتر التي ترفع من مستويات السكر في الدم وتقلل من فعالية العلاج الذي يتبعه المريض، ولذلك يعتبر العامل النفسي من أهم أسباب النجاح في السيطرة على السكري الذي هو في الأساس يزيد من فرص إصابة المريض بالاكتئاب والقلق ويقلل من قدرته على التعامل مع الضغوط العادية التي يمكن للإنسان العادي أن يتعامل معها بيسر. ويجب التعرف أكثر على هذه العلاقة العكسية بين فعالية أدوية السكري والارتفاع المستمر لهرمونات التوتر، فيجب تجنب ما يمكن أن يجعل المريض متوتراً، وتعاون العائلة من الطبيب له دور كبير في توفير البيئة المناسبة للمريض، فزيادة الانفعال يمكن أن تقضي على مريض السكري الذي يعاني من هذه المضاعفات.

مبدأ جودة الحياة واعتلال أعصاب السكري

نوعية الحياة التي يعيشها مرضى السكري الذين يعانون من اعتلال أعصاب السكري يعتبر من المقاييس المهمة والجديدة في عالم الطب. يهدف إلى تحسين الظروف التي يعيشها المريض والتي يصاحبها نوبات القلق والاكتئاب، وتقل قدرة المريض على استقلاليته بنفسه ويصبح عبئاً على أفراد الأسرة، فتزيد معاناته ويبدأ في إهمال كل نشاط يستدعي وجود أحد بجانبه، وتكون هذه المرحلة من العلاج صعبة على المريض لما يحس من خجل أمام عائلته من ما يعتبره ضعفاً وعلامة على كبره في العمر، وتنخفض جودة حياته بتراكم هذه الوساوس في باله، وأهم فرد في هذه المرحلة هو شريك الحياة، فعليه إعادة الثقة إلى المريض لتستقر الحالة النفسية له.

والدعم المصاحب من أصدقاء المريض الذين قد يكونون أكثر قدرة على إدارة حياتهم، فهم يشكلون الأمل للمريض الذين يعاني من المضاعفات، ويساهمون في إضافة وعي أكثر بهذا المرض، وكلما كان دورهم قبل حدوث هذه المضاعفات باكراً ينعكس بإيجابية على جودة الحياة التي تعيشها المريض.

د. شيخة المهيري

Dr.almuhairi@gmail.com