أجمع خبراء ومستثمرون مصريون أن عام 2009 لم يكن عاما جيدا للصناعة المصرية بالرغم من صدور العديد من القرارات الايجابية التي اتخذتها الحكومة لمواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية.
حيث تراجعت معدلات النمو وانخفضت الصادرات الصناعية وتراجعت إيرادات معظم الشركات تأثرا بالركود الكبير الذي أصاب الاقتصاد العالمي بسبب الأزمة المالية العالمية ، موضحين أن معظم القرارات التي اتخذتها الحكومة المصرية لم يكن لها مردود ايجابي كبير برغم أنها كانت جيدة وان وضع الصناعة في 2009 اختلف كثيرا عن 2008 حيث تراجع معدل النمو الصناعي بحدة من 8 في المائة إلى 9, 4 في المائة.
واعتبروا في تصريحات للبيان أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة بضخ 15 مليار جنيه لمساندة القطاعات المتضررة من الأزمة المالية وإنفاقها خلال 6 أشهر كان له أثر نسبي في إحداث تحسن إيجابي في مؤشرات أداء عدد من القطاعات خاصة في مجال التصدير حيث كان من المتوقع انخفاض معدلات التصدير بنسبة 20% إلا أن معدلات الانخفاض تراجعت ما بين 6-8% فقط.
تأثر حتمي
يؤكد جلال الزوربا رئيس اتحاد الصناعات أن تأثر القطاع الصناعي المصري في 2009 أمر حتمي وكان متوقعا لان مصر ليست بمعزل عن العالم.
وقال إن الإصلاحات التي انتهجتها الحكومة المصرية خلال الأربع سنوات الأخيرة ساهمت على قدر المستطاع في تقليل آثار الأزمة على قطاع الصناعة كما أنها ساعدت في زيادة الاستثمارات في القطاع الاقتصادي ، لافتا إلى أن برامج المساندة التي طرحتها الوزارة وبرنامج تحديث الصناعة أدى إلى إحداث تغيير في واقع قطاعي الصناعة والتصدير في مصر بالرغم من تراجعها خلال هذا العام.
وأوضح أن جميع صناع مصر يقدرون الخطة الشجاعة التي تنفذها الدولة لتقليل الآثار السلبية للأزمة المالية العالمية.
وطالب الحكومة باستمرار مساندة الصناعة خلال العام الجديد وتأجيل رفع أسعار الطاقة بالإضافة إلى إقرار حزمة جديدة من الحوافز المشجعة للاستثمار وقال إن العديد من دول العالم تتنافس حاليا لمساندة صناعاتها وفقا لظروفها وهو ما تجاوبت معه الحكومة بإعلان خطة يتم من خلالها إنفاق مليارات الجنيهات لخلق فرص ومناخ أفضل أمام الصناعة الوطنية مؤكدا أن الصناعة المصرية قادرة لو تهيأت لها الظروف المناسبة ان تخرج من الأزمة العالمية.
استمرار الدعم
وقال حسين صبور رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين إن عام 2009 لم يكن جيدا على الصناعة مقارنة بمعدلات النمو التي حققها القطاع عامي 2007 و2008 موضحا أن التحديات التي واجهتها الصناعة المصرية كبيرة ولم تكن في الحسبان ولولا الجهود الضخمة التي قامت بها الحكومة والحوافز التي أقرتها لكان عما 2009 هو الأسوأ مطالبا الحكومة باستمرار دعم الصناعة باعتبارها القاطرة الحقيقية للنمو حيث ان تطور القطاع الصناعي وزيادة فرص الاستثمار في المشروعات الصناعية يعني أن هناك زيادة في النمو والتشغيل وفرص العمل.
وأوضح صبور أن الوصول لمعدلات نمو مرتفعة لن يحدث بدون دعم أو حوافز حقيقية للصناع. مطالبا الحكومة بدعم ومساندة حركة الإنتاج والتصدير للصناعات المصرية من خلال اتخاذ ما يلزم من سياسات لتذليل كافة العقبات أمام الاستثمار الصناعي في مصر بكافة أشكاله ومجالاته وتسهيل إقامة المشروعات الصناعية وتطوير قدرتها بتكنولوجيات وخبرات عالمية.
ولفت إلى أن زيادة حجم الصادرات المصرية في المجال الصناعي مرهون بتحسن أداء الاقتصاد العالمي واستمرار التسهيلات التي تقدمها الحكومة المصرية للمستثمرين وعدم فرض أي أعباء جديدة عليهم.
خسائر فادحة
ويرى عادل جزارين رئيس جمعية رجال الأعمال السابق أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية لتقليل الآثار السلبية على الاقتصاد 2009 وهي تنشيط الصادرات المصرية وفتح أسواق جديدة وحث البنوك على التمويل وضخ الأموال لمواجهة آثار الأزمة ساعدت الصناع ومكنت الشركات من الاستمرار في المنافسة موضحا أن الصناعة المصرية تكبدت خسائر فادحة خلال هذا العام.
وأوضح أن هناك ضرورة لاستمرار الحكومة في دعم المستثمرين من خلال تقديم التمويل اللازم لكافة الاستثمارات التي تعتبر الملاذ الوحيد أمام الدولة لتوفير الآلاف من فرص العمل للشباب وخفض معدل البطالة ورفع مستوى المعيشة وجذب مزيد من الاستثمارات الخارجية وتوفير السيولة للمشروعات وتدعيم المهارات والتعليم وتحقيق التنمية المستدامة.
وعن أمنياته لقطاع الصناع في العام الجديد قال جزارين انه يتمنى حل الكثير من المشاكل التي تواجه الاستثمار الصناعي في مصر مثل مشكلة نقص الأراضي المرفقة والصالحة للاستثمار باعتبارها أهم عنصر من عناصر التصنيع وانتهاء ظاهرة طوابير الانتظار الكثيرة بالهيئة العامة للتنمية الصناعية بالإضافة إلى مشكلة طول الإجراءات وزيادة الرسوم وارتفاع أسعار الطاقة.
استمرار المخاوف
من جانبه قال المهندس محمد حنفي مدير غرفة الصناعات المعدنية إن عام 2009 هو الأسوأ في تاريخ صناعة الحديد، خاصة المصانع الاستثمارية والصغيرة والتي تكبدت خسائر فادحة بسبب إغراق السوق بالحديد التركي والمستورد.
وأضاف أن ذلك حدث نتيجة توقف الطلب والمبيعات الأمر الذي أدى إلى تراجع حركة البناء وتشبع السوق، مشيرا إلى أن الكل توقع انحسار الأزمة في النصف الثاني من 2009 لكن يبدو أن الوضع سيطول والأزمة ستستمر على الأقل خلال 2010 وهو ما يعني استمرار الركود لمدة عام آخر على الأقل.
ويقول مصطفى السلاب وكيل اللجنة الاقتصادية بمجلس الشعب ورئيس جمعية مستثمري العبور إن أداء القطاع الصناعي كان جيدا خلال العالم المنقضي، مشيرا إلى أنه لم يتأثر بالأزمة العالمية بل صار القطاع بطريقة طبيعية، وعلى الرغم من أن أكثر إنتاج المصانع انخفض 15%، إلا أنه تم الاستمرار في إنتاج باقي الكميات المتعارف عليها، وبالنظر لحجم وضخامة الأزمة يعتبر هذا نجاح للمُصنع المصري، حيث يعتبر أقوى قطاع ساهم في الاقتصاد القومي.
ويطالب السلاب وزيري البترول والكهرباء بمد فترة خفض أسعار الطاقة لعام آخر حتى تزول آثار الأزمة عن المُصنعين، مؤكدا أن الإصرار على زيادة أسعار الكهرباء والغاز والمياه سيؤثر تأثيرا سلبيا على التكلفة، وبناء عليه سيواجه المُصنع مشاكل في عمليات التصدير للخارج حيث ان كثيرا من الدول تبيع منتجاتها بأسعار التكلفة ،مما يجعلنا سنخرج حتما من هذه الأسواق التي نجحنا في غزوها سنوات طويلة.
وبسؤاله عن أفضل وأسوأ قرار لقطاع الصناعة في 2009 يقول السلاب أن دعم الصادرات والمصدرين المصريين هو أفضل قرار ،أما أسوأ قرار والذي سيكون كارثة لو تحقق وهو ما تحدث عنه وزير الاستثمار بتحويل كافة أمور المستثمرين في المحافظات للمحليات رغم الاتفاق من قبل الوعود بأن الهيئة العامة للاستثمار تتعامل مع المستثمرين في كافة المحافظات. ويضيف أن وزير الصناعة رغم أنه عندما يخطئ نقوم بانتقاده ،لكنه حاليا يقود حملة عظيمة من أجل الاحتفاظ بقوة المُصنع المصري.
ويرى محمد فرج عامر وكيل لجنة الصناعة بمجلس الشعب ورئيس جمعية مستثمري مدينة برج العرب الصناعية أنه لا توجد آثار إيجابية لعام 2009 على قطاع الصناعة، على الرغم من أن 90% من القرارات التي صدرت كانت لصالح الصناعة، لكن لم يظهر مردودها على القطاع.
ويقول الدكتور صلاح جودة الخبير الاقتصادي ان قطاع الصناعة من سنة 2006 في حالة ركود وخمول والدليل على ذلك إغلاق عدد كبير من المصانع ،في مدينة بدر الصناعية والعامرية (الإسكندرية)، نتيجة لارتفاع أسعار المواد الخام الصناعية وعدم وجود عمالة مدربة، مضيفا أن معظم المصانع أغلقت أبوابها واتجهت للاستيراد ،وهذه الحالة بسبب الضرائب والرسوم التي تتحملها الصناعة أعلى من أي مكان في العالم ،ففي صناعة الغزل والنسيج هناك 18 نوع من الضرائب منذ بداية التصنيع لآخره، بالتالي الصناعة مُحملة بأعباء كبيرة فلا يستطيع المنافسة في السوق الداخلي والخارجي.
ويضيف جودة أن 85% من مصانع مصر كانت تعمل بـ 40% طاقتها ، متسائلا: لماذا تشجع الحكومة القطاع التجاري ولا تشجع الصناعة ، والغريب أن بنك التنمية الصناعية لا يعطي قروضا منذ 3 سنوات، هذه المشاكل وغيرها كالعمالة غير المدربة والضرائب وغياب المساندة التصديرية، مع كل هذه المشاكل ما الذي يجعل المصانع تستمر.
وعن توقعاته لقطاع الصناعة لعام 2010 يقول الخبير الاقتصادي أنه يجب ألا توافق الحكومة على إقامة مصانع جديدة، والعمل على رفع طاقة عمل المصانع القائمة إلى 100% ، وتطبيق نماذج العمل لدى الغير كما يحدث في العالم، كما يجب على الحكومة الاهتمام بالتعليم الفني الصناعي.
ويضيف أن الاتفاقيات التي أبرمتها مصر خلال العام الماضي جيدة لكن لا يتم تفعيلها ،فخلال 13 سنة أبرمت مصر 65 اتفاقية مع غالبية دول العالم على رأسها روسيا، وهناك اتفاقية لإنشاء منطقة صناعية تركية في مصر بجانب العديد من الاتفاقيات التي أبرمت خلال زيارة الرئيس مبارك لدول شرق الاتحاد السوفيتي لكن لم يظهر أي مردود لها.
انخفاض معدل النمو من 7% إلى 4%
أكد الدكتور جودة عبد الخالق أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة وعضو اللجنة الاقتصادية بحزب التجمع أن الأزمة العالمية كانت عاملا مؤثرا في نمو الاقتصاد ككل، حيث انخفض معدل النمو من 7% إلى 4% وهذا يلقي بصداه على قطاع الصناعة وربما لم يتأثر بنفس درجة القطاعات الأخرى كالسياحة والمقاولات، لكنه تراجع نتيجة لتراجع الطلب الداخلي والخارجي.
مشيرا إلى أن الواردات الصناعية لمصر زادت لانخفاض أسعارها وللحفاظ على المنافسة مع المنتجات الأجنبية في مصر. وقال عبد الخالق ان برنامج الحكومة المصرية لتحفيز الاقتصاد خلال الأزمة لم يوجه للصناعة إلا في دعم المصنعين ودعم أسعار الطاقة للمشروعات كثيفة الطاقة، مما ساعد على عدم تأثرها بشكل كبير..
مؤكدا أن الصناعة في مصر تحتاج للعديد من المقومات للتعامل مع مشاكلها، وأهم هذه المقومات؛ الحاجة إلى سياسة صناعية تلافيا للعشوائية التي تعيشها الصناعة من خلال تحديد الصناعات التي يتم الدخول فيها بقوة بنوع من الحساب الاقتصادي وفي نفس الوقت تحديد الصناعات التي يتم الخروج منها، بالإضافة إلى مواجهة مشكلة العمالة غير المدربة التي لا تزال تؤثر على القطاع رغم الكثير من التوجهات في هذا الصدد.
مؤشرات تنفيذ خطة التنمية الصناعية تؤكد عدم حدوث التحسن المتوقع
قال رئيس الاتحاد العام للجمعيات الاقتصادية المصرية فؤاد ثابت إن مؤشرات تنفيذ خطة التنمية الصناعية وتطوير قطاع التجارة الخارجية تؤكد عدم حدوث التحسن المتوقع في معدلات التنمية والاستثمار في قطاع الصناعة حيث ثبت أن معظم القرارات التي اتخذتها الحكومة لم تحقق أهدافها بالشكل المطلوب إلى معدلات النمو التي حدثت في العام المالي 2007-2008 .
وأوضح ثابت أن الجهود التي بذلتها الحكومة المصرية أدت إلى تقليل آثار الأزمة على قطاع الصناعة لكنها لم تؤد الأهداف المرجوة منها بالشكل المطلوب.
وبالنسبة لتراجع نتائج أعمال معظم الشركات العاملة في السوق خلال 2009 قال رئيس الاتحاد العام للجمعيات الاقتصادية إن معدلات التجارة العالمية انخفضت نتيجة للركود الذي ضرب الاقتصاد لذلك كان من الطبيعي أن تتأثر صادراتنا الصناعية بذلك.
وعن مدى استجابة الاقتصاد المصري لحزمة الحوافز المطبقة من قبل الحكومة قال ثابت إن تلك الحوافز قللت من آثار الأزمة لكنها لم تحقق المأمول والدليل على ذلك أن معدل نمونا لم يتعد 7, 4% في 2008/2009، ومع ذلك فان أداء الاقتصاد المصري أفضل من نظرائه في عام 2009.وقال إننا نأمل في أن يكون عام 2010 أفضل من 2009 في قطاع الصناعة.
القاهرة - محسن محمود و (البيان)
